استضاف المجمع الثقافي أمس الاول وضمن نشاطات المعرض الكاتب البحريني بدر عبدالملك في مناقشة كتابه «أبوظبي ذاكرة مدينة 1968 ـ 1971» وهو سيرة ذاتية لمؤلفه. قدم الضيف ناصر الظاهري رئيس اتحاد كتاب وأدباء الامارات حيث اشار الى تجاربه واسهاماته السياسية والثقافية قائلا: لقد شارك بدر عبدالملك في الكثير من المؤتمرات الثقافية والسياسية وله عدة مؤلفات أولها «ملامح من أدب امريكا اللاتينية»، ثم «ثقافة التسلط وسلطة الثقافة»، و«بروتوس مازال حيا» وهو من قصص الاغتيالات السياسية و«الجدار والانسان». استهل المحاضر عبدالملك حديثه عن فترة شبابه واكتشافه لمدينة أبوظبي فقال: ان اكتشافي لمدينة أبوظبي جاء بمحض الصدفة من خلال حديثي مع أحد الاصدقاء كان يعمل فيها وبالفعل سافرت اليها في ربيع عام 68 وكانت هذه السفرة الثانية لي بالطائرة من البحرين، فقد سافرت سابقا الى الدوحة، ولكني بعد وصولي أبوظبي بأسبوع نفدت نقودي ولم أجد عملا، كما انني شعرت بالحنين لوطني وبالفعل رجعت للبحرين ولكن صورة أبوظبي اصبحت محسوسة في الذاكرة ومحفورة في مكان ما منها. وأضاف: لكن الظروف شاءت أن أعود لابوظبي بعد ان قرر الانجليز نفيي مع عدد كبير من الشباب، فجئت لأبوظبي والتي تحولت الى قدري الغامض. ثم يرسم عبدالملك صورة لمدينة أبوظبي في تلك الحقبة فقال: تلك المدينة الرملية في واحات الله المفتوحة للمحبة والطمأنينة والناس البسطاء من المزارعين والبدو والرحل والصيادين والمسافرين عن أهلهم من أجل لقمة العيش، مدينة بسيطة وفضاؤها واسع، الشجرة والمسجد كانا من دعائم معرفتها، ومجتمع اكثر ذكورية، ورائحة النفط بدأت تفوح منها، لقد كنا نتلائم ونتعارك مع المدينة التي كانت تحاول ترطيب حياتنا الجافة ببعض المتع الصغيرة، فلا يوجد في المساء أي مكان للهو أكثر من فيلم بائس جاء من الجار ضخته لنا تجارة رابحة فكل ما سيعرض في سينما الدرادو او الفردوس سيكون له نكهته عند هؤلاء المتعبين في آلات النهار في مدينة صحراوية، ولكنهم كانوا بمقياس حياتهم النسبي يعيشون لحظات عظيمة لا تتكرر بأنهم يجنون ثروة من بلاد نفطية ستمنحهم فرصة لبناء بيت من الاسمنت وشراء قطعة أرض وراديو كبير وتلفاز ملون ودراجة توفر عليهم شقاء المشي الطويل واخيرا وهو الأهم انهم سيجمعون مهرا لزواجهم أو زواج أحد ابنائهم. كما قال: في مثل تلك الظروف يتحول البريد الى نقطة عاطفية ومهمة للغاية بيننا وبين العالم فهو وحده من ينقل هواجسنا ومعاناتنا وسعادتنا في الغربة لكي نتقاسمها مع الآخرين فالرسالة في بريد الأمس كانت دافئة ويزداد وقعها العاطفي والمتوتر كلما تأخر في الوصول، فالبريد هو قلب المدينة النابض ومحيط السوق ومقاهيه الشعبية تحتضن روائح ثقافات اثنية جديدة لم أعهدها بهذا التكثيف المكاني والمتمركز في دائرة من الاحتكاك ولم تكن السيارة ضرورة نحتاجها. ويرى عبدالملك ان أكثر ما يشدك في مدينة أبوظبي في ذلك الزمن ذلك الافق الممتد داخل جزيرة مائية وتلتقي بلونين جوهريين الزرقة المتناهية للبحر الصافي واللون الذهبي لرمال ناعمة في اتجاه ما وراء الماء نحو الصحراء، ولقد بدأت ابوظبي تهشم الافق الممتد بصريا بعمارات من طابقين أو ثلاثة، وكل شهور تمضي نشعر ان هذه المدينة التي خلعت عنها ثوب الفقر والعزلة تود ملاحقة المدن العصرية في الضفاف الاخرى من العالم، فبدأت المحلات تعرض البضائع الحديثة وباتت النقود في يد الناس لتبدأ رحلة الانفاق والبذخ والمتعة، فهناك عالم يزول وعالم ينمو وبيوت تهدم وعمارات تعلو وصراع حقيقي بين القديم والجديد ونور العلم يمتد حتى القرية الثانية في الوطن ليواجه الأمية والجهل. وأضاف سرعان ما أدرك الناس بالمدينة ان زمن الخير قادم وما عليهم الا الانتظار قليلا، فالنفط وحده سيوفر للناس الماء والاضاءة والسكن والمدرسة والمستشفى والعيش الكريم، وهناك رجل شامخ يقف على قمة هذا الوطن وقرر نقله للمدنية والتحديث مهما كانت التحديات انه «بو خليفة» الذي وضع اللبنات الاولى لبناء انسان الامارات المعاصر فقد كنا نراه يتجول ويأتي وحده لكل النشاطات الثقافية في أندية الأمس البسيطة كالخالدية والأهلي ويتابع كل الامور بنفسه، حتى استحق بجدارة ان نستعير اسم رواية الشاعر الروسي المبدع لير منتوف «بطل من هذا الزمان» ونقلدها وساما له. وفي ختام حديثه اكد عبدالملك ان لا أحد في هذا الكون بامكانه ان يحب مكانا اخر افضل من مكانه، ورغم اعترافي بحقيقة التطور وتقدم الانسان نحو الافضل، فانني اظل مشدودا بذاكرتي للحب الأول، لمدينة أبوظبي التي احتضنتني شابا وكانت قدري.