بيان الجمعة:اينما يذهب علي عبدالخالق يطارده نفس السؤال: لماذا ابتعدت عن السينما الجديدة التي شاركت في ارساء دعائمها ووقعت في فخ المباشرة ومحاولة ارضاء الجماهير وشباك التذاكر؟ علي عبدالخالق الذي بدأ مشوار الاخراج منذ أكثر من 30 سنة بفيلمه «أغنية على الممر» يتوقف في كل مرة عند هذا السؤال بابتسامة، ثم يتجاوز السؤال مؤكدا أنه راض عن رصيده ولا يلتفت الى أي شئ آخر، ويقول: ـ أعمل في الاخراج منذ أكثر من ثلاثين عاما، قدمت خلالها أكثر من 35 فيلما، ولم أشعر على الاطلاق أنني ابتعدت عن السينما الجديدة أو هجرت مبادئها، ولكنني كنت دائما أفتش عن كيفية التوجه الى الجماهير بلغة سهلة حتى يدركوا الفكرة الرئيسية في أعمالي والتي ارتبطت دائما بقضايا المجتمع المصري ومشاكله، فقد استوعبت منذ البداية أن مقياس نجاحي متوقف على قبول الجمهور لأفلامي، وحتى فيلمي «أغنية على الممر» لاقى هذا النجاح الجماهيري فقد استمر لمدة 6 أسابيع في السينما عند عرضه، وكان ذلك مؤشرا قويا للنجاح حينذاك. ـ لكن هذا التوجه الجماهيري أوقعك في دائرة المباشرة..؟! ـ الجمهور المصري ذواق وينفر من الشئ المباشر، واذا كانت افلامي وقعت في فخ المباشرة ما كانت نجحت. ـ نأتي الى فيلمك الجديد «يوم الكرامة» فحدثنا عنه..؟! ـ يدور فيلمي حول شجاعة الجيش المصري، وتحديدا القوات البحرية التي دمرت المدمرة الاسرائيلية «ايلات»، ولهذا فان التجهيز لهذا الفيلم استلزم الكثير من الجهد، حيث أقدم المعارك البحرية التي خاضتها لنشات الطوربيد والصواريخ المصرية ضد المدمرة ايلات حتى دمرتها، وعادت للقوات المصرية كرامتها، ورفعت الروح المعنوية للجنود والشعب بعد نكسة يونيو، وقد تلقيت دعما ومساندة قوية من وزير الدفاع المصري وقائد القوات البحرية ورجاله الذين تعاونوا معي لتقديم الفيلم في صورة جيدة. ـ من «أغنية على الممر» وحتى «يوم الكرامة».. هل تشرح لنا مدى حماسك لهذه النوعية من الأفلام؟! ـ هذه النوعية من الأفلام تسعدني وتحقق بداخلي هدفا معينا.. بل أنها تبدو كالطيف أو الحلم الذي يطاردني ولا يهدأ بالي الا اذا نفذته، فهذه الأفلام ترسخ لأحداث مهمة في تاريخنا ومن خلالها يستعيد شعبنا وجمهورنا ثقته بنفسه وبقدرته على المواجهة والصمود والدفاع عن الوطن، وأحب أن أقول لكم أن «أغنية على الممر» ليس فيلمي الوحيد الذي تناولت فيه موضوعا حربيا، فهناك مثلا فيلمي التسجيلي «السويس مدينتي» بدايتي، وكذلك «رجال وسلاح» وكانت فكرته عن الحرب والسلام وهو من انتاج القوات المسلحة، حيث اتصل بي المرحوم العميد رفعت صقر المسئول عن قسم السينما بالقوات المسلحة وقتها وقال لي: مصر تشترك منذ سنوات في مهرجان باريس للأفلام العسكرية، وما زلت أحلم بأن أصعد ولو مرة واحدة لتسلم جائزة باسم مصر. تحمست جدا وأخرجت فيلما تسجيليا مدته 12 دقيقة وهو «رجال وسلاح» وقد فاز هذا الفيلم بالجائزة الثانية في مهرجان باريس وحصلت الولايات المتحدة الأمريكية على الجائزة الأولى، وقال العميد رفعت: لم أصدق نفسي فقد تفوقت مصر على الاتحاد السوفييتي وايطاليا وفرنسا.. على 34 دولة، وأرسلت القوات المسلحة للعاملين في الفيلم مكافأة مالية ووضعوا الجائزة الفضية في مكان بارز عندهم. ـ ومع ذلك فيلمك «أغنية على الممر» المأخوذ عن مسرحية علي سالم والذي أظهرت فيه أسباب هزيمة 67 والبطولات العظيمة التي قدمها الشعب والجيش المصري، هو فيلمك الأشهر والأقرب الى وجدان الجمهور العربي؟! ـ هذا الفيلم بالذات يمثل لي الكثير، فهو أول أفلامي الروائية، كما أنه يظهر حقيقة هذا الشعب العظيم رغم كل الظروف والأوضاع السيئة التي نمر بها، كنت أتمنى أن أقدم فترة حكم عبدالناصر بكل انجازاته العظيمة في فيلم، لكني بدأت عملي كمخرج بعد النكسة فقدمت فيلمي عن مرحلة من أحرج مراحل حكمه، فهكذا حكمت الظروف. ـ اذا كان هذا الفيلم منحك فرصة ما لتحقيق واحد من أهم أحلامك الفنية.. فما هو الفيلم الذي تحاول أن تنساه وأن تسقطه من حساباتك؟! ـ هو فيلم لن أذكر اسمه لأنني نسيته بالفعل وأريد منكم أيضا أن تنسوه، ربما لأنني قبلت اخراجه دون اقتناع فقد كنت مفلسا تماما، فأخذت درسا قاسيا علمني ألا أتنازل أبدا من أجل المال، فقد أنفقت ما جاءني منه وبقي لي الفيلم، ويراودني احساس أن الفيلم فشل عقابا لي من الله، والحمد لله، فاذا أحب الله انسانا عاقبه على خطئه حتى لا يكرره، فأنا انسان شديد الحساسية للظلم، وأثناء تصويري لهذا الفيلم طردت عامل الكلاكيت من البلاتوه أمام مجموعة كبيرة من الناس لأنه وصل متأخرا، وسقط الفيلم، فتملكني شعور قوي أن فيلمي فشل بسبب ظلمي لهذا الرجل، وآلمني أكثر أنني لم أتصل به لأعتذر له فلم أستطع مواجهته من شدة خجلي من نفسي. ـ وهل ترى أن أفلامك الأخرى تستحق أن نذكرها؟! ـ ليس غرورا من أن أقول أن أفلامي محفورة في ذاكرة السينما وذاكرة الجمهور، خاصة وأنني قدمتها بحرص، فأنا مشغول بهموم الناس وأستوحي موضوعات أفلامي من الحياة ومن صحافتنا المليئة بالأحداث الدرامية المثيرة، ففيها الكثير الذي يمكن أن يقدم على الشاشة وأصبح المال هو المحور الأساسي لافلامي لأنه المحور الأساسي لحياة الناس الآن.. البنت أيام الملكية كانت تحلم بالزواج من الباشا أو البيه.. أيام عبدالناصر كان خريج الجامعة هو فتى أحلامها، ومع عصر الانفتاح أصبح المال هو السيد وهي تريد أن تتزوج من هذا السيد ولا يهم من هو البني آدم الذي سيقدمه لها.. هل هو عامل أو تاجر.. هل هو مثقف أو لا يفك الخط.. لا يهم.. المهم أن يحقق لها مطالبها المادية. ـ تتحدث بثقة مطلقة، فما الذي يؤكد لك التأثير الايجابي لأفلامك؟! ـ ظهر أثر المال بشدة في فيلمي «العار» الذي ركز على أخلاقيات الناس ومفاهيمهم في تلك الفترة التي جعلت رئيس النيابة «حسين فهمي» يضحي بعمله ومكانته وينسى أخلاقياته ويتحول الى تاجر مخدرات ويجعل الطبيب محمود عبدالعزيز يترك مهنته من أجل الثروة التي يحلم بها من المخدرات، وقد عرض المركز القومي لدراسات الشرطة فيلمي «الكيف» على الدارسين من ضباط الشرطة الأفارقة كنموذج لمساهمة الفن في مكافحة المخدرات، كما عرض فيلم «الوحل» لنفس الغرض. ـ وما تعليقك على أنك تحب العمل مع النجوم؟! ـ أنا استمتع بالعمل مع أصدقائي وأصحابي محمود عبدالعزيز وأحمد زكي ونور الشريف ونبيلة عبيد ويحيي الفخراني وصلاح السعدني ونبقى فاهمين بعض وسعداء أثناء العمل ومن نظرة عيني وراء الكاميرا يفهمون ما أريد ومن لهجة صوتي عندما أقول «ستوب» يعرفون اذا ما كنت أريد أن نعيد تصوير اللقطة أم أنها عظيمة، وهذا هو الخيط الرفيع الذي يربط بين المخرج والممثل فيتحول العمل الى متعة ونجاح، وهناك نجوم حققوا أمجادا عظيمة في السينما لكن لم يحدث هذا التواصل بيني وبينهم وهذا لا يعيبني أو يعيبهم، ومهما كان حبي واقتناعي بالفنان وايماني بأنه أصلح من يقوم بالدور الذي يقول لي بحرج وفتور بعد قراءة السيناريو «حاضر» سأؤدي الدور من أجل خاطرك.. لا تفرحني هذه الموافقة ولا أسند اليه الدور فهو لم يجد نفسه فيه، ولأن ممثلا متميزا سوف يؤدي الدور باتقان لكن بلا حرارة فينتقل الفتور الى المتفرج، بينما أحلى ما في الفن اندماج الممثل وبالتالي المتفرج. ـ من حديثك يتضح اهتمامك الشديد بالممثل..؟! ـ أنا أشعر بالممثل، لأنني طول عمري أحب التمثيل، لذلك ممكن ألا يعجبك أحد أفلامي وتختلفين معي لكن أكيد سوف يعجبك مستوى التمثيل المتميز، كل الممثلين في أفلامي متميزون، لا أقصد الأبطال فقط لكن حتى أصغر كومبارس، لأنني أهتم جدا بمستوى التمثيل في أفلامي، فالممثل هو العنصر الأول في توصيل فكر المؤلف ابتداء من البطل حتى أصغر كومبارس. ـ ألم يجعلك ذلك تفكر في الاتجاه للتمثيل؟! ـ من شدة حبي للتمثل أؤدي أدوار النجوم بكل انفعالاتهم.. أغضب، أفرح، أحزن، أنهار بيني وبين نفسي في بيتي، لكن لم أتجه للتمثيل لأنني اكتشفت أنني لن أكون ممثلا جيدا فأنا خجول لا أستطيع مواجهة الكاميرا. ـ وهل حقق لك الاخراج نوعا من الراحة؟! ـ الاخراج عمل مرهق للأعصاب جدا، وفيه ناس «بطلت» اخراج لأن الجهد العصبي كان أكبر من احتمالهم، أي تقصير انتاجي بسيط يتسبب في اهتزاز خيال المخرج وابداعه، وأنا هادئ جدا أثناء عملي، أحب أن أضحك حتى أخلق جوا مفرحا، لأن جو العصبية والتشنج لا يخلق فنا جيدا، وهدوء أعصابي سببه أنني لا أبدأ التصوير قبل أن أطمئن تماما على مستوى السيناريو لأنه المرحلة الأساسية في الاخراج وأهم أسباب نجاح الفيلم. ـ هناك سؤال ملح عن اختيارك الحماسي للسينما والابتعاد عن التلفزيون..؟! ـ أنا اخترت السينما ولا أحب التلفزيون لأنه لا يمتعني فنيا، السينما بها كمية من الخيال والخلق أكثر من التلفزيون فلماذا أترك مجالا عناصر الابداع فيه أكبر وألجأ للأقل، التلفزيون بقدر ما تعطيه يأخذ ويستهلك وينتهي، أما الفيلم فهو يعيش ويظل وثيقة لسنوات طويلة، لكن لكل قاعدة استثناء، ومع وجود النص التلفزيوني المتميز أرحب طبعا بالعمل فيه