«أصابني التعب من هذه الحياة الساكنة»، قال ذلك إيف ستون وغرز فأسه في شجرة الجوز الأبيض. «تعبتُ من لعب البوكر المرصّع والبوكر المكشوف أيضاً. يكاد عقلي ينخلع هنا، يابيرجيس، فقد عملنا هنا منذ سبتمبر الماضي ونحن الآن في مارس ولم يحدث شيء مثير». عندما كان ايف يتحدث اليّ ترك فأسه ذات القطعتين مغروزة في الشجرة ويده الكبيرة على مقبضها. وسال العرق الى اسفل وجهه فتبللت لحيته الطويلة كشعيرات كوز الذرة في شهر اغسطس بعد المطر. ونزل شعره الى منتصف عنقه الأحمر. وكان على حذائه عالي الرقبة آثار خدوش من حشيشة الباطور ذات السيقان المشوّكة. قلت: «لديّ رغبة في أن ألهو وأفرح نفسي، يا إيف.» ونظرت الى أسفل الجبل نحو الطريق العامة التي تلت النهر الرملي. «لابد ان الناس في تلك السيارات هنالك في الأسفل يقضون وقتاً طيباً». تطلّع إيف الى السيارات على جانب الجبل. ومسح العرق عن لحيته بيده الضخمة ونفضه بعيداً عنه على أوراق الشجر البنية الميتة على حين كشّر في وجهي بشيطنة في عينيه ذاتي الزرقة الفولاذية. قال: «مؤكد بما فيه الكفاية أنهم يقضون وقتاً طيباً هنالك في الأسفل. أتساءل هل سبق لهم أن رأوا انساناً وحشياً في هذه البقاع؟» قلت: «لم يروا الا صوره في الكتب القصصية». قال: «في بضع دقائق سيرون واحداً حقيقياً حياً.» وأخذ إيف يخلع عنه قميصه ذا المربعات الملوّنة. رماه على حطب منشور كنا قد قطعناه منذ آونة. ثم خلع قميصه الداخلي من رأسه. «ماذا تفعل، يا إيف؟» قال: «سوف أبدأ أمراً ما». وخلع ايف حذاءه المخدوش وريح مارس الباردة تعصف حولنا، مجففة العرق الذي على وجهي. لم يبال ايف بالريح الشتوية لأنه كان مغشى بالصوف فوق الظهر والذراعين كالأرنب وكان صدره اكثر صوفاً من لحية ذكر الماعز الكثة. «هل أنت ماضٍ في خلع كل ملابسك؟» أجاب: «ستكون سعيداً، واذا كنت سأصبح انساناً وحشياً، فأنا أهدف أن أكون انساناً حقيقياً». «ولكنك لن تذهب حافي القدمين، أليس كذلك؟» «أنت تعلم ان الانسان الوحشي لا ينتعل حذاء في قدمه!» وخلع سرواله وجوربيه القصيرين وجلس على قمة الجبل وضرب صدره بيديه الضخمتين مثل مجرفتين مشويتين. وأطلق زعقة ردّدت صخور الجبل البعيدة صداها عبر الوادي. لقد بدا أشبه بإنسان وحشي. «ألا تشعر بالبرد؟» «الإنسان الوحشي لا يصاب بالبرد» «ألن تكون قدماك أطرى من أن تسير عليهما فوق الخلانج والصخور؟» «إن أسفل قدميّ أشد خشونة من أن تثقبه شوكة!» أخذ إيف يمارس ضرب صدره وإطلاق صرخاته الوحشية حتى خلتُ ان عمال المنشرة يسمعوننا. كانوا يعملون على الارض في الوادي. وكانت صرخات ايف تشبه صوت سنور بري مستوحش بين منقطعات انف الجبل. وقد بدا وحشاً حقاً. وكانت بطنا ساقيه العضليتين مثل جذور شجرة متعجرة، وقدماه الطويلتان مثل أقدام عدائي التزلج، وقد تغشى بالصوف رسغا قدميه وأصابعهما. ولقد رأيت الكثير من قاطعي الخشب عراة، ولكنني لم أرَ أحداً منهم مكتنزاً بالصوف مثل إيف. قال: «انتظرني ههنا، يابيرجيس. أنوي الخروج الى الأسفل حيث عثرنا على حيوان ميت فآخذ عظماً عليه ظلف من عظامه التي بيّضتها الشمس. سأضع العظم فوق كتفي وأُنزله فوق الجبل على مسافة قريبة كافية لأن يُرى من الطريق العامة وغير كافية لإطلاق النار عليه بمسدس. أود ان أطلق ست صيحات، وأن ألوّح بهذا العظم الذي يلتصق به الظلف. ثم سأقفل راجعاً الى قمة الجبل. وسأخرج بالنكات.» ثم انطلق ايف والعظم على كتفه. وطار شعر رأسه الطويل في الريح وهو يعبر الشجيرات والخلانج مثل ثعلب احمر فزع. ووثبتُ الى منقطع أنف الجبل، لأنني أردت ان ارى ايف عندما سيقترب من الطريق العامة. وكانت كل الأشجار الان جرداء ما خلا أشجار الصنوبر والأرْز، وبضع شجرات بلوط قاسية الجذع. كان ايف ذا منظر مرعب حين كان يهبط من الجبل وثباً باتجاه الطريق العامة. وراقبته حين دنا من الطريق. كان يمسك عظم الساق فوق كتفه بيد ويفرّق الخلانج والشجيرات الملتفة باليد الأخرى. لقد هبط من الجبل بعيداً وصار الآن مثل حشرة ذات ساقين. ثم توقّف وأنزل عظمه وضرب صدره. وسمعته يطلق صيحات السنور الوحشي الهالسة. وبعد الصيحات، رفع العظم وركض نحو الطريق العامة. راقبتُ السيارات هنالك في الأسفل وهي تزيد سرعتها. كانت احداها تسير بسرعة «90» ميلاً في الساعة باتجاه غرينوود. ثم توقفت سيارة وقفز منها رجل وأفرغ مسدّسه. كنت قلقاً بشأن ايف لأنه كان يطلق النار بسرعة شديدة لم أستطع معها ان أعدّ المرات. وعجّلت سيارات اخرى حتى بلغت منتهى سرعتها، وتوقفت سيارة أخرى وقفز رجل منها وأطلق النار من مسدّسه. وكان ايف على مبعدة آمنة منهما، وهو يتسلق الجبل والعظم الأبيض فوق كتفه. وقاما بحشو مسدسيهما وظلا يطلقان العيارات النارية، ثم انطلق عدد كبير من البنادق الاخرى. تساءلت كم عدد الرجال الذين لا يحملون الأسلحة النارية في هذه البقاع. وأسرعت سيارتان عائدتان الى غرينوود. وعندما كانوا يواصلون اطلاق العيارات النارية من الطريق العامة، أطلق ايف المزيد من صيحات السنور الوحشي من قمة منحدر صخري في منتصف المسافة الى أعلى الجبل. ثم قفز الى الأسفل وعظمه فوق كتفه وراح يتسلق الجبل بسرعة أكبر من البوسوم، ذلك الحيوان اللبون الذي يقطن الأشجار ويتماوت حين يُقبض عليه. وحين وصل اليّ، كانت كل فتحة من فتحتي أنفه تُخرج سحابة بيضاء اكبر مما كنتم ترونه يفلت من مكابس آلة منشرتنا المرهقة بالعمل. كان العرق يقطر من لحيته الماعزية وحاجبيه اللذين يشبهان حشيش السرطان. وكان شعره الطويل مبللاً ومنداحاً على رأسه. وقد تدلى لسانه فوق شفتيه اللتين يعلوهما شعر لحيته ونزّ قليل من الدم على رسغي قدميه من الخدوش التي سببتها الخلانج الشجرية. قلت: «عجيب أنك لم تواظب على عملك. لقد بدأت شيئاً ما». همهم: «آمل ذلك». قلت: «وأنت ترتدي ثيابك، سأطمر هذا العظم تحت أوراق الشجر. فقد يندسّ أحدهم حولنا في هذا المكان متطفلاً». قال: «ولكنني سأحتاج اليه مرة أخرى». وسرعان ما كنا نجرّ منشارنا ذا السن حادة الى شجرة الجوز البيضاء المقشورة. وكنا قد أنزلنا الشجرة أرضاً عندما سمعنا جلبة رجال يصعدون الجبل باتجاهنا. «أأنت متيقّن أنك دفنت العظم في أوراق الشجر؟» «أجل». وشرعنا نقطّط الشجرة الكبيرة. وكان ايف يصعد جانباً وأنا أصعد الجانب الآخر ومع كل منا فأسه ذات القطعتين. ولم نكن قد بلغنا ذروة الجبل عندما اعتلاها والي العدل برادلي ومعه سبعة رجال. كانت المسدّسات تتدلى على أردافهم في بيوتها الجلدية. ولديهم بنادق طويلة كذلك، بنادق ونشستر وبندقية ذات قوة عالية. وسأل والي العدل برادلي، وهو يتنفّس لاهثاً: «ألم تروا انساناً وحشياً هنا، ياشباب؟» همهم ايف: «لا، لم نَرَ». سألتُ: «من رأى إنساناً وحشياً؟» اتكأ والي العدل برادلي على جذْم شجرة، وظل يلهث. كان بديناً في وسطه ونحيلاً في بقية جسمه. وقد تزنّر بنطاق جلدي حول بطنه. وكانت وجنتاه ورديتين مثل الأوراق التويجية لزهرة الخوخ. همهم والي العدل: «رآه عدد كبير من الناس في الطريق العامة». وقال نائبه النحيف ذو المسدسين: «كان يحمل فوق كتفه عظماً أبيض كبيراً». وقال آخر: «لقد أحدث ضجة رهيبة». قلتُ: «سمعت ضجة هالسة من فوق في الجانب الآخر من الجبل قبل مدة قصيرة». همر والي العدل: «كان ذلك هو. وقد صوّب نحوه عدة رجال ولكنهم لم يستطيعوا ان يصيبوه. قالوا ان الرصاصة لم تكدّره. وأغمي على كثير من نساء البيت في المقاعد الخلفية للسيارات. وهن الان في غرينوود يتلقين العلاج من الصدمة في مكتب طبيب الجنون». وقال نائب يحمل بندقية ونشستر: «كان عارياً مثل فرخ دجاج منتوف الريش. وقالوا انه كان يضرب صدره ويزعق مثل سبع الجبل، ثم يقضم عظماً كبيراً كان يحمله». سأل والي العدل برادلي: «ألم يأت الى هذه الطريق؟» فقال ايف متكئاً على مقبض فأسه: «لم أر هنا على هذا الجبل سوى بيرجيس. فاذا جاء الى هذه الطريق، فقد كنت ذاهباً في طريق اخرى. لن تردني أبداً عندما يكون هناك انسان وحشي. انني لا اصدق وجوده وكفى!». قال والي العدل برادلي: «ان عدداً كبيراً من الناس الذين يوثق بهم قد رأوه بأعين سليمة. وأوقفوا سياراتهم وأطلقوا النار عليه. لقد هبط في جنح الليل الى الطريق العامة ومعه قطعة العظم الكبيرة. أخمّن انه لم يكن ليعبر الى الطريق العامة ولم يفرغ عليه «سلاّخ الطير القبيح» مسدّسه الخاص عيار 38. وقد رأته الكثيرات من النساء. قلن انه أشبه بحشرة منه بإنسان». سأل ايف: «هل أبدو مثل حشرة، ياوالي العدل؟» تأوه والي العدل برادلي: «آه، لا، يا ايف ستون. كان ذلك الانسان الوحشي أشْعَرَ كالماعز. وباستطاعته ان يرفعك ويقطعك ارباً ارباً». ضحك ايف: «الانسان الوحشي». قال النائب ذو البندقية: «حسبي ان أقول لكم يا شباب ان الأفضل لكم أن تحملوا أمتعتكم. فقد يجيء الى هذه الجهة». قلت وأنا أهزّ رأسي قليلاً: «هذا ما سوف أفعله. فقد أصبت بالبرد منذ ان توقفت عن التقطيع. اراهن ان ذلك الانسان يعيش هنالك تحت احد منحدرات الصخور». قال والي العدل برادلي: «اخبرت الشباب أنه كان متجهاً الى هذه الناحية حيث تعيش غالباً ماشية الناس والخرفان والخنازير البرية. وقد جئنا الى هذه الجهة عندما سمعنا التقطيع. اعتقدنا انكم يمكن ان تكونوا قد رأيتموه». قال ايف: «لا، ياوالي العدل، لم نره. إلا اذا كنت انا ذلك الانسان الوحشي!» قال والي العدل برادلي: «لن تكون ذلك النوع من الإنسان الذي قالوا انهم رأوه، يا إيف ستون». ثم قاد رجاله صُعُداً في الجبل الى المنحدرات الصخرية. وهمس ايف: «انهم مهزوزون، أليسوا كذلك؟ ماذا بشأن خشّاب من دون ثياب والخشّاب نفسه بثياب؟ من المؤكد ان الثياب تصنع الانسان». أنهينا عملنا اليومي وذهبنا الى سقيفتنا. غسلنا وجهينا الملتحيين، وتناولنا عشاءنا ثم التحقنا بلاعبي لعبة البوكر المرصّع. وكان ايف اسعد من اي وقت رأيته فيه من قبل. وكان كل امريء يتحدث عن الإنسان الوحشي. وأخبر ايف كل امريء انه كان الإنسان الوحشي. وقالوا لايف ان يكفّ عن قول ما لا يصدّق. وقال توبي بوستيك، بياع خشبنا الذي كان في غرينوود عندما وصلت التقارير الى والي العدل، ان الناس في البلدة كانوا شديدي الفزع يخشى كل منهم النزول الى الشوارع بمفرده. وفي اليوم التالي كنا قد عدنا الى العمل. وقد تناولنا منذ آونة غداءنا المكوّن من الفاصولياء الباردة والبطاطا المقلية وخبز الذرة المبلول بالقهوة السوداء الباردة عندما جاء مدير العمل أوليفر سبريفز صاعداً التلال ومعه صحيفة. كان في صفحتها الأولى عنوان رئيس عن الإنسان الوحشي، وصورة لذلك الإنسان من منتصف الجسم فما علاه وهو يحمل عظماً على كتفه. قال ايف: «دعني أرَ الصورة، يامعلم». فناول مدير العمل الصحيفة لإيف. قلت وأنا أنظر الى الرأس والكتفين: «لا تبدو تلك الصورة تشبهك الان مثلما تشبه الحشرة، فليس ذلك فمك ولا هاتان عينيك. وعلى صدرك شعر أكثر مما على هذا الإنسان. انها ليست صورة جيدة لك، يا إيف». قال ايف مكشراً: «هذه اول مرة تنشر صورتي في الصحيفة فكان عليهم ان يشوشوني. عجيب كيف استطاعوا ان يلتقطوا لي صورة وأنا أعدو مثل ثعلب». قال مدير العمل اوليفر: «لا تكن مغفلاً، يا إيف. ان احد الفنانين قد رسم تلك الصورة بناء على وصف أحد الرجال». قال إيف مكشراً: «كنت أبدو اكثر وحشية من تلك الصورة عندما كنت من دون ملابس. انظر، يامعلم، ان الخشّابين في السقيفة لا يعلمون ذلك، لأنه لم يسبق لي ان أضعتُ لعبة البوكر المكشوف». غرغر مدير العمل اوليفر مثل ديك رومي «اذا كانت لديّ فكرة فهي أنك قد تصرّفت بحماقة في عملك هذا. فأنا لم يسبق لي أن أحضرت الصحيفة الى هنا، وأنت تحاول ان تجعلنا نعتقد أنك الإنسان الوحشي، ولكنك لم تكن الانسان الذي رآه الناس يوم أمس. وهو فالت في هذا الجبل وأنا أريدكم جميعاً أن تحملوا ادواتكم المعدنية من الان فصاعداً. واسطموه اذا لم تستطيعوا ان تقبضوا عليه حياً. وإياكم ان تتركوه يفر». قلت: «اود الاحتفاظ بهذه الصفحة، يا معلم. أريد ان اريها لكل الشباب الليلة حتى يعرفوا ماذا يشبه». قال: «حسناً، يابيرجيس، أنت تتكلم بشيء من العقل». وترك الصفحة ومضى الى واجباته المتعلقة بمراقبة عملنا. وقمنا أنا وإيف بتقطيع الأشجار طيلة النهار وذهبنا الى البيت والى سقيفتنا في تلك الليلة. وكان كل حديثنا بعد العشاء عندما كنا نلعب البوكر المرصّع وسمار الغمغمة هو عن الإنسان الوحشي. وعندما أوينا الى الفراش أنا وايف كانت تسيطر علينا الرغبة في التمادي والإمعان في الضحك. وفي اليوم التالي أحضر مدير العمل اوليفر الصحيفة الى حيث كنا نعمل. قال وهو يسير صُعداً: «توقفا عن نشر الخشب وانظرا. ان ذلك الإنسان الوحشي قد جاء الى غرينوود في الليلة الماضية». كانت الصورة نفسها منشورة مع شخص مشهور اخر. وصرحت الصحيفة ان كلارا دور سايزمور قد خرجت في وضح النهار لإطعام فراخ دجاجاتها فوثب من مغرسة الزهر نحوها انسان يبدو مثل حيوان. وقالت انها صرخت وهُرعت نحو الدار، وسقطت عند الباب وأُغمي عليها. وقال زوجها، ووردلي سايزمور، انه وثب من السرير عندما سمع سقوطها لدى الإغماء. وسرعان ما استردت وعيها وأخبرته بما حدث. فاختطف بارودة صيده ولكن الوقت كان أكثر تأخراً من ان يقبض على المعتدي. قال ايف بفخر: «لقد بدأت بالأمر حقاً، ولكنني لم أنزل من الجبل الى هناك في الليلة الماضية لأثير كلارادور ووردلي» وألقى مدير العمل اوليفر نظرة صارمة الى إيف ومرّر الصحيفة اليّ. وحذّر ايف: «تحسن صنعاً لو توقفت عن الكلام السائب قبل ان يتم توقيفك لانك غير عاقل. انا لا أريد أن أخسر انساناً جيداً ذا فأس». وسار مدير العمل اوليفر نحو المنشرة. وفي يوم السبت جاء مدير العمل اوليفر سبريغز ومعه صحيفة اخرى. وفي هذه المرة كان الإنسان الوحشي يجمع البيض في قن دجاج على ارض غرينوود. وصرّحت الصحيفة ان ايكي دارلنفتون قد ملأه بكل الخردق الذي أعدّه للتلال. وقال انه قفز عالياً وأطلق صيحة وحشية عندما أطلق النار عليه، ولكنه صدّ بالبيض عن نفسه. قال ايف: «أنت نمت معي يابيرجيس، وانت تعلم أنني كنت في البيت على السرير». ولم نحصل على عدد يوم الأحد ولكن مدير العمل اوليفر قال ان فيه قصة اخرى عن أعماله. وفي عدد الاثنين كانت ثمة قطعة صغيرة تتساءل لماذا لم يتم القبض على الإنسان الوحشي الخطير. وصرّح عدد الثلاثاء انه تمت رؤيته في منتصف الليل في الشارع الرئيس في غرينوود. وقد أفرغ الماريشال فلاي بترفيلد فيه مسدّسه، ولكه برغم انه انجرح افلح في الفرار. قال ايف وهو يقهقه: «ياللرماية البائسة، وغرينوود تحتاج الى ماريشال افضل. ولكنني لم اكن هنالك. كنت في الفراش باكراً بعد ان ساعدت بيرجيس على تقطيع اشجار الزان الكبيرة». وفي يوم الأربعاء، رأت امرأة اخرى وهي تجمع البيض في غرفة تخزين العلف في ضواحي غرينوود هذا الإنسان الوحشي وهو يختلس شيئاً فشيئاً حول المتبن. ولم يُغمَ عليها ولكنها صرخت حتى سمعها كل الناس في الجوار وأقبلوا عليها راكضين. ولكن الإنسان الوحشي توارى بين أشجار الصفصاف على امتداد «خليج الأَرْز». وفي اليوم التالي عثر هستر، وهو غلام سايلاس ماكمري، على أثر قدمه الحافية الكبيرة فوق الرمل، وقال ان الأثر كان طويلاً بعض الشيء مثل قدم عدّاء التزلّج وعريضاً مثل عارضة معترضة. ومرّ أسبوع ولم يُذكَر شيء في الصحيفة عن الانسان الوحشي. ولم يأت اوليفر لزيارتنا. وتساءلنا ماذا حدث له منذ ان خفّت حدة الإثارة. قال ايف: «ان ذلك الانسان الوحشي يجب ان يثير الناس من جديد. فهذا المكان ميت، ولا اثارة الان، ولايزال البوكر المرصّع بليداً وانتظر ايف ثلاثة اسابيع اخرى حتى اخذت الأشجار تورق. وأخبرني ايف: «انه لوقت مناسب لزيارة الطريق مرة اخرى قبل ان تصبح الأشجار شديدة الاخضرار». وخلع ايف ثيابه ونعليه ورماهما في سارية خشبية بجانب جذع شجرة. وتناول العظم من تحت أوراق الشجر، ثم أطلق صيحة سنور وحشي هالسة وأخذ سبيله في الجبل. وزعق ايف وهو يثب نحو الطريق العامة. ورأيت سيارة تحوّل سيرها وتُقفل عائدة بسرعة الى غرينوود. ثم حوّلت سيارة أخرى سيرها. وتوقفت احدى السيارات وسمعتُ صوت مسدس يدوّي. وسمعتُ ايف يصرخ وقد بدأ يصعد الجبل عائداً. ولم يعد إيف الى جهتي. ولذا أخفيت ثيابه تحت أوراق الشجر وأخذت اعدو نحو المنحدرات الصخرية حيث تنمو أشجار الحور العالية. ورأيت رجالاً يصعدون الجبل. وكان والي العدل برادلي اشد بدانة من ان يقود نوّابه المسلّحين. فكان يتبعهم، ويصيح آمراً. وقال وهو يشهق بأنفاسه: «امسكوا به حياً، ياشباب، سنبيعه لسيرك مقابل ثروة كافية لتسديد المديونية المضمونة بالسندات عن مقاطعة غرينوود». فكرتُ: «لقد ضاع ايف. فأمسكوا به في حَلْق الوادي». ورأيت ايف واقفاً ويداه مرفوعتان. وليس معه العظم الان، لأن الرجال أطبقوا عليه من كل الجهات. وصرخ ايف: «هل رأيته»؟ فسأل والي العدل برادلي: «ارى من؟» قال وهو يلهث: «ذلك الإنسان الوحشي الملعون. لقد ضعضع رأسي بعظم كبير وأخذ ملابسي. وأنا لا أهرب من لا أحد. وأنتم تعلمون انني لست الرجل الذي كانوا يصوّبون عليه في غرينوود». «اذن، اين هو؟» سأل ذلك والي العدل برادلي متمايلاً متجرجراً في الجبل وهو يمسك بالأشجار. «أين؟» قال ايف: «لا تسلني، أنا نفسي اريد ان أعرف. اسأل بيرجيس هل هو في أمان؟» صرخت: «أنا في أمان، يا إيف. لقد راوغتُه». قال والي العدل برادلي لنوابه: «أسرعوا الى المنحدرات. سيروا وأوقفوه هناك! اذا لم تستطيعوا ان تروه، فتّشوا كل منحدر صخري!» قال ايف: «اعطوني بعض الملابس، أيها الخشابون. فأنا اشعر بالبرد واريد أن اخفي عريي» قال والي العدل برادلي: «اعتقدت انك تريد. انت اكثر صدقاً مما ذكر التقرير ان الانسان الوحشي كان! فأنت يمكن حتى أن تجعل من نفسك انساناً وحشياً مناسباً». وأعطى والي العدل برادلي لايف قميصاً من قمصانه الزائدة التي كان يرتديها. وكان أحد النوّاب يرتدي زوجاً زائداً من السراويل. فخلعهما من أجل ايف. وأسرع والي العدل برادلي والنوّاب الستة الى المنحدرات الصخرية. وشرحت لمدير العمل اوليفر ما حدث لايف وأخذناه من الجبل حافي القدمين بالقميص المستعار والسروالين المستعارين الى طبيب الجنون ليعالجه من الصدمة. وفي اليوم التالي نشرت جريدة غرينوود صورة ايف على الصفحة الاولى مع قصة طويلة تروي كيف ضربه الانسان الوحشي بعظم على رأسه وهرب بثيابه. وصرّحت الصحيفة ان بيّاع الخشب ايف ستون سوف يتعافى ولكنه قد ترضرض بصورة سيئة، وصرّحت كذلك أنني أنا بيرجيس رافيت قد تمكّنت من النجاة باختبائي في أحد المنحدرات الصخرية. قال ايف: «على الإنسان الذي يعيش حولنا ان يرتدي الثياب في عالم الحداثة هذا». وانطرح ايف اسبوعين كنت فيهما أعطيه لزقة الحليب المحلّى والطلح البري وأفركهما فوق جسمه لأقضي على السم الذي أصابه من الكروم التي على المنحدرات والتي لامست معظم جسده وهو يركض عبرها. ضحك كل بياعي الخشب عندما قرأوا الصحيفة. وقال مدير العمل اوليفر سبريغز لرجال المنشرة وبياعي الخشب: «لقد حذّرته. وكان ايف استون متعالماً وذلك بما لديه من الكلام الكثير الفالت الآتي من أحبولته الكبيرة. وهو لم يشأ ان يبالي بنصيحتي. وقد حذّرتكم جميعاً ان تحملوا ادواتكم المعدنية التي يمكن قذفها! والآن ترون من كان على حق!». ولم يقل مدير العمل اوليفر أي شيء آخر، اذ كان من شأن ضحكنا أن يكمّ صوته. ـ قاص امريكي معاصر عندما يذكر اسم المفكر المارتنيكي فرانز فانون، تقفز إلى الذهن على الفور نظريته في العنف السياسي وخاصة الضوء الذي تلقيه على المستعمِر (بكسر الميم) والمستعمَر (بفتح الميم)، في العالم الثالث مع التركيز على علاقة الصراع والتحدي بين الاستعمار وحركات التحرر، وقد ظل هذا الارتباط قائماً لسنوات طويلة حتى ذاع صيته في العالم أجمع باعتباره أول من طرق هذا الباب وفتح النافذة التي جلبت له الكثير من المتاعب نظراً للمخاطر التي شكلتها هذه النظرية بالنسبة للدول الاستعمارية. في الآونة الأخيرة، أطلت هذه النظرية بقوة على الساحة العالمية من جديد، ولكن من منظور البحث في العلاقة بين المثقف ومجتمعه ودوره في تطوير هذا المجتمع، بعيداً عن الأطر التقليدية للصدام مع السلطة، وهو ما يعيد بشكل أو بآخر أصداء طروحات أنطونيو جرامشه عن المثقف العضوي. وهذا الكتاب الذي نناقشه هنا يجيب عن السؤال: كيف استطاع فرانز فانون أن يساعدنا في فهم طبيعة العملية السياسية في أفريقيا بصفة خاصة أثناء الاحتلال وبعده؟ بمعنى أن الهدف هو تقديم اختبار حقيقي للأفكار التي زادت حول الانسان والمجتمع في أفريقيا أثناء الاحتلال وبعده التي وردت في الكتابات السياسية للمفكر فرانز فانون. وتلك مهمة مزدوجة تعكس مهمتين في آن، الأولى: شرح العلاقة بين أفكاره والمناخ الذي كتب فيه هذه الأفكار، وهذه المهمة بدورها تطرح العديد من الأسئلة التي تبحث عن إجابات نقدية لها، مثل: ماذا يقصد فانون؟ ما الذي يربط بين أفكاره التي تدور حول السياسة الأفريقية أثناء الاستعمار وبعده؟ وكيف نشأت هذه الأفكار أساساً؟ والمهمة الثانية جوهرها أن هناك مهمة النقد والتقويم ولكي نضطلع بهذه المهمة لابد من معرفة إلى أي مدى تعد هذه الأفكار قيمة وصالحة ومقنعة. هاتان المهمتان كلتاهما مرتبطتان إحداهما بالأخرى، ذلك انه على طريقة التقويم النقدي وحده ستصل إلى الفهم الدقيق ومن ثم الاعجاب بأفكار فرانز فانون. الأسئلة الأكثر أهمية هناك اهتمام متجدد يعطي كتابات فانون أهمية كبرى في محاولته للفهم والمساعدة في التوصل لما أسماه «العلاقة بين الأبيض والأسود». هذا التعبير يعود أساساً إلى نوع معين من الاتصال بين الثقافة والعرق تدعمه ـ من وجهة نظره ـ الاستعمار والحكم الاستعماري. وهناك ثلاثة أسئلة تطرح نفسها حول نقد فانون لبعض جوانب الاستعمار: ـ السؤال الأول: ما الذي يقدمه نموذج نقد فانون للاستعمار و الحكم الاستعماري؟ ـ الثاني: كيف استمر في تطوير نقده؟ ـ الثالث: ماذا كان يعني بالموقف الاستعماري؟ ويقول المؤلف إن الطبيعة غير المتوازنة لنقد فانون للاستعمار تكمن أولاً في رفضه لترشيد الاستعمار كعبء للرجل الأبيض. وثانياً تكمن في رفضه للطبيعة التقدمية للاستعمار وثالثاً في مرجعيته لأثر الكيد المرتد للاستعمار على الدول المحتلة. وهناك نماذج كثيرة من هذا النقد للاستعمار توجد أيضاً لدى مفكرين سود مثل إيميه سيزير. ومن المثير للجدل أن أعمال فانون، خاصة تلك التي تتعلق بالعلاقة بين الأبيض والأسود، تعكس محاولته اليائسة لإيجاد حل للدراما الشخصية في العمل السياسي والفلسفة. وهناك شعور سائد بأن المفكرين السياسيين هم نتاج بيئتهم الاجتماعية، وان أفكارهم وكتاباتهم تتأثر بالطبيعة المعقدة للقوى والمؤثرات الاجتماعية التي تعرضوا لها، وفي حالة فرانز فانون فإن كتاباته عن الاستعمار تعود جذورها إلى البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أوجدها حكم الاستعمار الفرنسي في كل من الجزائر وجزر المارتنيك التي كانت موطن هذا المفكر الثوري البارز. وهكذا، فإن المارتنيك والجزائر وفرنسا تشكل المصدر الأساسي لكتاباته عن الاستعمار والتفرقة العنصرية، على الرغم من انه قد استفاد من مناقشات مع رعايا دول استعمارية من مناطق أخرى في العالم، وقد قرأ كثيراً عن الاستعمار والتفرقة العنصرية وكذلك من خلال سفرياته إلى دول أخرى غير الدول الثلاث المذكورة. وتعتمد نظرية الحكم الاستعماري الفرنسي ـ التي تنعكس على السياسات الاستعمارية الفرنسية ـ على مذهب المساواة بين جميع الشعوب وافتراض سيادة الثقافة والحضارة الفرنسية. وإذا أثير جدل ـ مثلما حدث مع ماركس وانجلز ـ بأن الاستعمار يمكن أن يقدم (أو بالفعل هو يقدم) فوائد مادية، فإن رد فانون على مثل هذا الجدل هو أن مثل تلك الفوائد غير منطقية، عند مقارنتها مع القاعدة المادية الضعيفة الحالية للمجتمعات الرازحة تحت نير الاحتلال. وهنا يبرز سؤال: ما هو هدف فانون من نقد الاستعمار؟ وكيف طوّر هذا النقد؟ إن الهدف الأساسي له يرتبط ارتباطاً وثيقاً باهتمامه بفك قيد العزلة عن الانسان الأسود، وهذا يعكس إيمان فانون بقدرة الرجال على تغيير مواقفهم في الحياة. وفي هذا المجال قال فانون: إن الإنسان هو الذي يخلق المجتمع. وتعد فكرة الموقف الاستعماري أطروحة أساسية في تحليل فانون لطبيعة الاستعمار. لكن ما الذي كان يقصده بالموقف الاستعماري؟ إن تشخيصه للموقف الاستعماري يحمل تشابهاً صارخاً مع تشخيص مجموعة من علماء الانثروبولوجيا والاجتماع والنظم الاجتماعية البريطانيين والفرنسيين يمكن النظر إليها باعتبارها من صنع الانسان للعمل كجسر بين الفرد والمجتمع. ويخلص المؤلف في هذا الصدد إلى ان نموذج فانون للمجتمع الاستعماري مشتق من تجارب فرنسا والجزائر وجزر المارتنيك، وبإدراك الاختلافات في المواقف فإنه يقترح ويحدد السمات الاجتماعية والنفسية للمجتمعات الاستعمارية عموماً. نموذج المجتمع الاستعماري في واحد من أهم فصول الكتاب الذي نناقشه هنا يحدد المؤلف، أدلي جينادو، فكرتين رئيسيتين لنقد فانون للاستعمار، الأولى فكرة إدراكه لدور العنف في الموقف الاستعماري والفكرة الثانية تدور حول الرابطة التي حددها بين اللغة والثقافة. وكان الهدف من طرح هاتين الفكرتين هو تفسير عواقب نوع محدد من الاتصال بين العرق والثقافة في الموقف الاستعماري. تقويمه لهذا الاتصال مفاده ان الاستغلال الذي يمارسه الأوروبيون ليس استغلالاً سياسياً واقتصادياً فحسب، ولكن استغلال ثقافي نفسي أيضاً. وقد تأثرت أفكار فانون بفكرة العنف.. فماذا يعني فانون بالعنف؟ إن مشكلة العنف تعد مشكلة جوهرية وبالغة الأهمية في أفكار فانون، وهي أيضاً التي تطالب بالتفريق بين أفكاره التي تؤكد أن الموقف الاستعماري هو موقف يتسم بالعنف، وبين تبريره الأخلاقي للعنف كأداة فعّالة للتحرر. والفشل في تحديد هذه التفرقة أو تأكيدها هو عيب أساسي من وجهة نظر فانون. ويقول فانون في هذا الصدد إن الموقف الاستعماري يأخذ شكل العنف، وهو يُدين هذا العنف الذي ابتُلي به المستعمَر (بفتح الميم) على يد المستعمِر (بكسر الميم). ويرى أن هذا العنف لا يفضي إلى الإدراك الذاتي للمحتل. والعنف أنواع منه ما هو نفسي ومنه ما هو هيكلي، فهل هناك ثمة علاقة بينهما؟ يرى فانون أن طبيعة العلاقة تكمن في حقيقة أن محاولة أن تصبح أبيض تنعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمستعمر، وكما يقول فانون: «من الناحية التاريخية يجب أن نفهم أن الرجل الأسود يريد أن يتحدث الفرنسية، لأنها المفتاح الذي يستطيع أن يفتح الأبواب التي كانت محرمة عليه قبل خمسين عاماً». وهنا يتطرق فانون إلى العلاقة بين اللغة والثقافة، ورأي فانون واضح وصريح في هذه العلاقة، حيث يقول إن هناك اهتماماً أساسياً لظاهرة اللغة، لأنها تتضمن فكرة أنه لكي تتحدث يجب أن تتعايش تماماً مع الآخر. ويضيف أن اللغة تساعد أيضاً في الموقف الاستعماري في الاحتجاج على الحكم الاستعماري. وعلى الرغم من أن فانون قدّم في هذا البحث وجهة نظره في دور العنف واللغة في الموقف الاستعماري، إلا أنه اقترح أيضاً تقسيم العنف الاستعماري إلى عنف طبيعي وعنف هيكلي وعنف نفسي. فانون والحرية أحد الأبعاد الأساسية في الفكر السياسي عند فرانز فانون هو مشهد الرجل المحتل وهو في ثوب الرجل المتحرر، هذا التحرر هو مرحلة في طريق نضاله وتحقيق حياة كريمة له. والمهمة الحتمية لتحقيق ذلك من وجهة نظر فانون هي: «تحرر الرجل الملون من نفسه أولاً». الجهل والظلم والكراهية والاستغلال هي بعض العقبات الأساسية التي يجب التخلص منها إذا أراد الرجل الواقع تحت الاحتلال أن يتحرر، وتستهدف استراتيجية فانون تحديد التحرر. يستخدم كلمة «التحرر» بمعنى القضاء على الاستعمار وإلغاء الحكم الاستعماري. ومن هذا المنطلق، فإن التحرر والقضاء على الاستعمار أمران متلازمان ومرتبطان بالاستغلال السياسي، وبمعنى آخر فإن التحرر يعني أكثر من التحرر السياسي بالنسبة لفانون، فهو يفرق بين التحرر الحقيقي والتحرر المزيف. وهناك فكرة أخرى مرتبطة ببحث فانون حول العنف، وهي فكرة الصراع أو النضال. يقول فانون إن العبد ـ من هذا المنظور ـ هو المحتل يفقد الاحترام والاعتراف من جانب سيّده عندما يحصل على حريته عن طريق سيده وليس بطلبه الحرية من سيده أي المستعمر. ولذلك فإن العبد يجب ـ عن طريق نضاله وجهوده الخاصة ـ أن ينتزع الحرية من سيده وأن العبد يجب أن يعمل من أجل تحقيق هذه الحرية. وفكرة العمل من وجهة نظر فانون تختلف عنها من وجهة نظر هيجل الذي يرى ان العلاقة المتبادلة بين السيد والعبد ترجع اساساً إلى طبيعتها التكاملية. فالعبد والسيد كلاهما يعتمد على الآخر. فالعمل بالمعنى الضيق للنشاط الاقتصادي أو الانتاجي يصبح آلة لتحرر العبد عند هيجل، ذلك لأن السيد يعتمد على انتاجية العبد وبالتالي لا يستطيع ان يلغي دور العبد. أما فانون فيقول إنه في الموقف الاستعماري لا يوجد اعتراف أو تبادل في العلاقة بين الأسود والأبيض، والعمل من وجهة نظر فانون هو العمل الثوري العنيف لتغيير الموقف الاستعماري. ولكن ما قيمة تفرقة فانون بين القضاء على الاستعمار الحقيقي والمزيف؟ تكمن هذه القيمة في الاختلاف بين أن تناضل من أجل تحرير نفسك وأن تجلس حتى يتم تحريرك أو إجلاء الاستعمار عنك. ويدين فانون العنف الجسدي الذي استخدمته الجماعات الحاكمة بعد جلاء الاستعمار في أفريقيا من أجل تحقيق وتجميع الثروة. وهناك وجهة نظر جديرة بالمناقشة حول اقتصاديات العنف وتكمن جدارة وجهة النظر هذه بالمناقشة في أن صاحبها هو مكيافيللي، فهو يقول إن الرجل هو الذي يستخدم العنف لإفساد الأشياء وليس لإصلاحها وفي ذلك ما يستحق اللوم. وفي هذا تفريق بين الإبداع السياسي والهدم السياسي وهو ما عبر عنه فانون. إن مكيافيللي يقول إن العنف هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على الانحطاط والتدهور في ظل ظروف معينة، أما فانون فهو أيضاَ ينظر إلى العنف الجسدي باعتباره وسيلة للقضاء على انتهاك الآدمية التي يمارسها المستعمر ضد الواقع تحت نير الاستعمار. كما أن إدانته لنظام الحزب الواحد في أفريقيا تكمن في أن هذا النظام يتميز باستخدام العنف الجسدي لقمع المعارضة. وفانون ليس مدافعاً عن الاستخدام العشوائي للعنف الجسدي كوسيلة للتحرر، كما أن تمييزه بين التحرر الحقيقي والتحرر المزيف يثير مشكلات كبرى، ترتبط أساساً بالتمييز بين النضال من أجل التحرر وبين جلاء الاستعمار طواعية. نظرية التحرر ما الذي يعنيه فانون بالثورة؟ الواقع أنه لم يحدد مفهومه لهذا المصطلح في أي موضع من أعماله الكاملة، لكنه لديه مفهوم معين للثورة ـ على الرغم من انه نابع من التجربة الجزائرية التي عايشها ـ إلا أنه يضرب جذوره في مفهوم الثورة في التقاليد الفكرية الماركسية اللينينية، فماركس يقول إن مفهوم الثورة ينبع من حتميتها ومن حقيقة انها تحتاج إلى اعادة نظر بين الحين والآخر، وما فعله فانون في هذا الصدد هو أنه تبنى مفاهيم ماركس ولينين حول المجتمع والدولة والثورة، وطبقها على الحقيقة التاريخية الملموسة للجزائر وبقية أفريقيا والعالم الثالث المحتل. وموقف فانون من النظرية الماركسية اللينينية يجب أن يوضع في الإطار العام للنماذج اليسارية للتحديث المطروحة أمام مفكري العالم الثالث. وينظر فانون إلى الثورة باعتبارها عملية للتغيير الاجتماعي، وهذا المفهوم للثورة كعملية يخدم أهداف فانون، فهو يمكنه من التفرقة بين التحرر الحقيقي والمزيف والهياكل التعبوية المختلفة وأنواع الحكم التي يمكن اشتقاقها من أي نوع من أنواع التحرر. ويربط فانون بين الأخلاق والسياسة، وهذا الربط يعتمد على منظور الفردية النمطية. وعلى الرغم من أنه أكد الحاجة إلى النظر إلى الفرد باعتباره ممثلاً أخلاقياً ذاتياً، إلا أن فانون يرفض الفردية الخاصة لأنه يؤمن بترشيد العمل الإنساني وحتمية المشاركة الأخلاقية في النظام الاجتماعي. من هنا فهو ينظر إلى ترشيد أو عقلانية العمل الانساني باعتباره أمراً متوافقاً في ارتباط الفرد بالآخرين. والهدف من ذلك هو كشف العامل المشترك بين البشر وأفكار فانون حول الالتزام ترتبط ارتباطاً كبيراً بدور المفكر في المجتمعات الأفريقية المعاصرة. لكن فكرته حول دور المثقف أو المفكر ليست نخبوية أو ذات برج عاجي. دور مختلف للمثقفين بالنسبة لفانون فإن دور المثقف لابد أن يكون دوراً نشطاً بمعنى أن يكون منخرطاً في الحياة الاجتماعية والنقد الاجتماعي، بل يجب أن يمتد إلى مجال الخدمة العامة. والمثقفون الأفارقة الذين انخرطوا في الخدمة العامة، وغمسوا أنفسهم في عملية صنع القرار سمحوا بذلك بأن «يُنوّموا» أنفسهم مغناطيسياً ـ إن جاز التعبير ـ بفعل سحر السلطة ومزاياها العديدة. والموقف في أفريقيا يشير إلى قبول وتنفيذ ما تتضمنه معارضة فانون في هذا الصدد. وكما يتضح من السياسة التي اتبعتها في وقت من الأوقات كل من غانا ونيجيريا، فإن المثقف الأفريقي يلعب الآن دور المنشق والمثقف المغرد خارج السرب. ويبدو أن هناك قطاعاً من المثقفين الأفارقة قد قبلوا أن هذا البحث ـ الذي تبناه فانون ـ حول الدور الدقيق للمثقف الأفريقي في إظهار التناقضات في المجتمعات الأفريقية يمكن أن ينجح. وتبقى مشكلة واحدة، وهي إثبات وتدعيم الهياكل التنظيمية للربط بين هذه الراديكالية وراديكالية البروليتاريا وراديكالية الفلاحين. والإطار الذي يعتمد عليه فانون في تفسير السياسات الأفريقية يؤكد السلوك السياسي رفيع المستوى في سياقها التاريخي والثقافي. والبعد الأخلاقي ليس أقل أهمية لأنه دفاع فانون المستميت عن الحاجة إلى إعادة هيكلة المجتمعات الأفريقية مهمة للغاية من أجل الحرية، حرية الفرد. وقد أبدى فانون اهتماماً خاصاً بالتغيير وعملية التحول في العالم أجمع، ذلك أنه أبدى اهتماماً بالسياسات والاستراتيجيات التي يمكن أن تؤدى إلى التحول المطلوب. لكنه في الوقت نفسه يرى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين السياسة في منطقة ما والسياسة في منطقة أخرى. والمشكلات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تواجه أفريقيا لا يمكن حلها بمعزل، كل منها عن الأخرى. ويرى فانون ضرورة تطبيق نظريات الاعتماد على تحليلات العمليات السياسية في أفريقيا المعاصرة. وفانون هو صاحب فكرة عموم أفريقيا، وهذه الفكرة تنبع من محاولته للربط ليس فقط بين العرب وأفريقيا السوداء، ولكن أيضاً بين أفريقيا العربية والشتات الأفريقي في الكاريبي. وينظر فانون أيضاً إلى الثورة الجزائرية من منظور أفريقي أوسع نطاقاً وأشمل، وهو ينظر إليها كمرحلة على طريق النضال القاري بل والعالمي ضد الاستعمار والاستعمار الجديد حيث يقول فانون: «من أجل تحريك أفريقيا وتعاون منظماتها وإعادة هيكلة جماعاتها تحت لواء المبادئ الثورية، من أجل المشاركة في الحركة المنظمة للقارة، هذا هو العمل الذي اخترته». ومن مفهوم عموم أفريقيا نفسه فإنه يدين الوطنية بمفهومها الضيق والتي تصل إلى الجزئيات في أفريقيا حيث لاحظ ان «الوحدة الأفريقية تزيل القناع عن وجهها وأفقها الضيق، وحصر نفسها في الإقليمية».