«أصابني التعب من هذه الحياة الساكنة»، قال ذلك إيف ستون وغرز فأسه في شجرة الجوز الأبيض. «تعبتُ من لعب البوكر المرصّع والبوكر المكشوف أيضاً. يكاد عقلي ينخلع هنا، يابيرجيس، فقد عملنا هنا منذ سبتمبر الماضي ونحن الآن في مارس ولم يحدث شيء مثير». عندما كان ايف يتحدث اليّ ترك فأسه ذات القطعتين مغروزة في الشجرة ويده الكبيرة على مقبضها. وسال العرق الى اسفل وجهه فتبللت لحيته الطويلة كشعيرات كوز الذرة في شهر اغسطس بعد المطر. ونزل شعره الى منتصف عنقه الأحمر. وكان على حذائه عالي الرقبة آثار خدوش من حشيشة الباطور ذات السيقان المشوّكة. قلت: «لديّ رغبة في أن ألهو وأفرح نفسي، يا إيف.» ونظرت الى أسفل الجبل نحو الطريق العامة التي تلت النهر الرملي. «لابد ان الناس في تلك السيارات هنالك في الأسفل يقضون وقتاً طيباً». تطلّع إيف الى السيارات على جانب الجبل. ومسح العرق عن لحيته بيده الضخمة ونفضه بعيداً عنه على أوراق الشجر البنية الميتة على حين كشّر في وجهي بشيطنة في عينيه ذاتي الزرقة الفولاذية. قال: «مؤكد بما فيه الكفاية أنهم يقضون وقتاً طيباً هنالك في الأسفل. أتساءل هل سبق لهم أن رأوا انساناً وحشياً في هذه البقاع؟» قلت: «لم يروا الا صوره في الكتب القصصية». قال: «في بضع دقائق سيرون واحداً حقيقياً حياً.» وأخذ إيف يخلع عنه قميصه ذا المربعات الملوّنة. رماه على حطب منشور كنا قد قطعناه منذ آونة. ثم خلع قميصه الداخلي من رأسه. «ماذا تفعل، يا إيف؟» قال: «سوف أبدأ أمراً ما». وخلع ايف حذاءه المخدوش وريح مارس الباردة تعصف حولنا، مجففة العرق الذي على وجهي. لم يبال ايف بالريح الشتوية لأنه كان مغشى بالصوف فوق الظهر والذراعين كالأرنب وكان صدره اكثر صوفاً من لحية ذكر الماعز الكثة. «هل أنت ماضٍ في خلع كل ملابسك؟» أجاب: «ستكون سعيداً، واذا كنت سأصبح انساناً وحشياً، فأنا أهدف أن أكون انساناً حقيقياً». «ولكنك لن تذهب حافي القدمين، أليس كذلك؟» «أنت تعلم ان الانسان الوحشي لا ينتعل حذاء في قدمه!» وخلع سرواله وجوربيه القصيرين وجلس على قمة الجبل وضرب صدره بيديه الضخمتين مثل مجرفتين مشويتين. وأطلق زعقة ردّدت صخور الجبل البعيدة صداها عبر الوادي. لقد بدا أشبه بإنسان وحشي. «ألا تشعر بالبرد؟» «الإنسان الوحشي لا يصاب بالبرد» «ألن تكون قدماك أطرى من أن تسير عليهما فوق الخلانج والصخور؟» «إن أسفل قدميّ أشد خشونة من أن تثقبه شوكة!» أخذ إيف يمارس ضرب صدره وإطلاق صرخاته الوحشية حتى خلتُ ان عمال المنشرة يسمعوننا. كانوا يعملون على الارض في الوادي. وكانت صرخات ايف تشبه صوت سنور بري مستوحش بين منقطعات انف الجبل. وقد بدا وحشاً حقاً. وكانت بطنا ساقيه العضليتين مثل جذور شجرة متعجرة، وقدماه الطويلتان مثل أقدام عدائي التزلج، وقد تغشى بالصوف رسغا قدميه وأصابعهما. ولقد رأيت الكثير من قاطعي الخشب عراة، ولكنني لم أرَ أحداً منهم مكتنزاً بالصوف مثل إيف. قال: «انتظرني ههنا، يابيرجيس. أنوي الخروج الى الأسفل حيث عثرنا على حيوان ميت فآخذ عظماً عليه ظلف من عظامه التي بيّضتها الشمس. سأضع العظم فوق كتفي وأُنزله فوق الجبل على مسافة قريبة كافية لأن يُرى من الطريق العامة وغير كافية لإطلاق النار عليه بمسدس. أود ان أطلق ست صيحات، وأن ألوّح بهذا العظم الذي يلتصق به الظلف. ثم سأقفل راجعاً الى قمة الجبل. وسأخرج بالنكات.» ثم انطلق ايف والعظم على كتفه. وطار شعر رأسه الطويل في الريح وهو يعبر الشجيرات والخلانج مثل ثعلب احمر فزع. ووثبتُ الى منقطع أنف الجبل، لأنني أردت ان ارى ايف عندما سيقترب من الطريق العامة. وكانت كل الأشجار الان جرداء ما خلا أشجار الصنوبر والأرْز، وبضع شجرات بلوط قاسية الجذع. كان ايف ذا منظر مرعب حين كان يهبط من الجبل وثباً باتجاه الطريق العامة. وراقبته حين دنا من الطريق. كان يمسك عظم الساق فوق كتفه بيد ويفرّق الخلانج والشجيرات الملتفة باليد الأخرى. لقد هبط من الجبل بعيداً وصار الآن مثل حشرة ذات ساقين. ثم توقّف وأنزل عظمه وضرب صدره. وسمعته يطلق صيحات السنور الوحشي الهالسة. وبعد الصيحات، رفع العظم وركض نحو الطريق العامة. راقبتُ السيارات هنالك في الأسفل وهي تزيد سرعتها. كانت احداها تسير بسرعة «90» ميلاً في الساعة باتجاه غرينوود. ثم توقفت سيارة وقفز منها رجل وأفرغ مسدّسه. كنت قلقاً بشأن ايف لأنه كان يطلق النار بسرعة شديدة لم أستطع معها ان أعدّ المرات. وعجّلت سيارات اخرى حتى بلغت منتهى سرعتها، وتوقفت سيارة أخرى وقفز رجل منها وأطلق النار من مسدّسه. وكان ايف على مبعدة آمنة منهما، وهو يتسلق الجبل والعظم الأبيض فوق كتفه. وقاما بحشو مسدسيهما وظلا يطلقان العيارات النارية، ثم انطلق عدد كبير من البنادق الاخرى. تساءلت كم عدد الرجال الذين لا يحملون الأسلحة النارية في هذه البقاع. وأسرعت سيارتان عائدتان الى غرينوود. وعندما كانوا يواصلون اطلاق العيارات النارية من الطريق العامة، أطلق ايف المزيد من صيحات السنور الوحشي من قمة منحدر صخري في منتصف المسافة الى أعلى الجبل. ثم قفز الى الأسفل وعظمه فوق كتفه وراح يتسلق الجبل بسرعة أكبر من البوسوم، ذلك الحيوان اللبون الذي يقطن الأشجار ويتماوت حين يُقبض عليه. وحين وصل اليّ، كانت كل فتحة من فتحتي أنفه تُخرج سحابة بيضاء اكبر مما كنتم ترونه يفلت من مكابس آلة منشرتنا المرهقة بالعمل. كان العرق يقطر من لحيته الماعزية وحاجبيه اللذين يشبهان حشيش السرطان. وكان شعره الطويل مبللاً ومنداحاً على رأسه. وقد تدلى لسانه فوق شفتيه اللتين يعلوهما شعر لحيته ونزّ قليل من الدم على رسغي قدميه من الخدوش التي سببتها الخلانج الشجرية. قلت: «عجيب أنك لم تواظب على عملك. لقد بدأت شيئاً ما». همهم: «آمل ذلك». قلت: «وأنت ترتدي ثيابك، سأطمر هذا العظم تحت أوراق الشجر. فقد يندسّ أحدهم حولنا في هذا المكان متطفلاً». قال: «ولكنني سأحتاج اليه مرة أخرى». وسرعان ما كنا نجرّ منشارنا ذا السن حادة الى شجرة الجوز البيضاء المقشورة. وكنا قد أنزلنا الشجرة أرضاً عندما سمعنا جلبة رجال يصعدون الجبل باتجاهنا. «أأنت متيقّن أنك دفنت العظم في أوراق الشجر؟» «أجل». وشرعنا نقطّط الشجرة الكبيرة. وكان ايف يصعد جانباً وأنا أصعد الجانب الآخر ومع كل منا فأسه ذات القطعتين. ولم نكن قد بلغنا ذروة الجبل عندما اعتلاها والي العدل برادلي ومعه سبعة رجال. كانت المسدّسات تتدلى على أردافهم في بيوتها الجلدية. ولديهم بنادق طويلة كذلك، بنادق ونشستر وبندقية ذات قوة عالية. وسأل والي العدل برادلي، وهو يتنفّس لاهثاً: «ألم تروا انساناً وحشياً هنا، ياشباب؟» همهم ايف: «لا، لم نَرَ». سألتُ: «من رأى إنساناً وحشياً؟» اتكأ والي العدل برادلي على جذْم شجرة، وظل يلهث. كان بديناً في وسطه ونحيلاً في بقية جسمه. وقد تزنّر بنطاق جلدي حول بطنه. وكانت وجنتاه ورديتين مثل الأوراق التويجية لزهرة الخوخ. همهم والي العدل: «رآه عدد كبير من الناس في الطريق العامة». وقال نائبه النحيف ذو المسدسين: «كان يحمل فوق كتفه عظماً أبيض كبيراً». وقال آخر: «لقد أحدث ضجة رهيبة». قلتُ: «سمعت ضجة هالسة من فوق في الجانب الآخر من الجبل قبل مدة قصيرة». همر والي العدل: «كان ذلك هو. وقد صوّب نحوه عدة رجال ولكنهم لم يستطيعوا ان يصيبوه. قالوا ان الرصاصة لم تكدّره. وأغمي على كثير من نساء البيت في المقاعد الخلفية للسيارات. وهن الان في غرينوود يتلقين العلاج من الصدمة في مكتب طبيب الجنون». وقال نائب يحمل بندقية ونشستر: «كان عارياً مثل فرخ دجاج منتوف الريش. وقالوا انه كان يضرب صدره ويزعق مثل سبع الجبل، ثم يقضم عظماً كبيراً كان يحمله». سأل والي العدل برادلي: «ألم يأت الى هذه الطريق؟» فقال ايف متكئاً على مقبض فأسه: «لم أر هنا على هذا الجبل سوى بيرجيس. فاذا جاء الى هذه الطريق، فقد كنت ذاهباً في طريق اخرى. لن تردني أبداً عندما يكون هناك انسان وحشي. انني لا اصدق وجوده وكفى!». قال والي العدل برادلي: «ان عدداً كبيراً من الناس الذين يوثق بهم قد رأوه بأعين سليمة. وأوقفوا سياراتهم وأطلقوا النار عليه. لقد هبط في جنح الليل الى الطريق العامة ومعه قطعة العظم الكبيرة. أخمّن انه لم يكن ليعبر الى الطريق العامة ولم يفرغ عليه «سلاّخ الطير القبيح» مسدّسه الخاص عيار 38. وقد رأته الكثيرات من النساء. قلن انه أشبه بحشرة منه بإنسان». سأل ايف: «هل أبدو مثل حشرة، ياوالي العدل؟» تأوه والي العدل برادلي: «آه، لا، يا ايف ستون. كان ذلك الانسان الوحشي أشْعَرَ كالماعز. وباستطاعته ان يرفعك ويقطعك ارباً ارباً». ضحك ايف: «الانسان الوحشي». قال النائب ذو البندقية: «حسبي ان أقول لكم يا شباب ان الأفضل لكم أن تحملوا أمتعتكم. فقد يجيء الى هذه الجهة». قلت وأنا أهزّ رأسي قليلاً: «هذا ما سوف أفعله. فقد أصبت بالبرد منذ ان توقفت عن التقطيع. اراهن ان ذلك الانسان يعيش هنالك تحت احد منحدرات الصخور». قال والي العدل برادلي: «اخبرت الشباب أنه كان متجهاً الى هذه الناحية حيث تعيش غالباً ماشية الناس والخرفان والخنازير البرية. وقد جئنا الى هذه الجهة عندما سمعنا التقطيع. اعتقدنا انكم يمكن ان تكونوا قد رأيتموه». قال ايف: «لا، ياوالي العدل، لم نره. إلا اذا كنت انا ذلك الانسان الوحشي!» قال والي العدل برادلي: «لن تكون ذلك النوع من الإنسان الذي قالوا انهم رأوه، يا إيف ستون». ثم قاد رجاله صُعُداً في الجبل الى المنحدرات الصخرية. وهمس ايف: «انهم مهزوزون، أليسوا كذلك؟ ماذا بشأن خشّاب من دون ثياب والخشّاب نفسه بثياب؟ من المؤكد ان الثياب تصنع الانسان». أنهينا عملنا اليومي وذهبنا الى سقيفتنا. غسلنا وجهينا الملتحيين، وتناولنا عشاءنا ثم التحقنا بلاعبي لعبة البوكر المرصّع. وكان ايف اسعد من اي وقت رأيته فيه من قبل. وكان كل امريء يتحدث عن الإنسان الوحشي. وأخبر ايف كل امريء انه كان الإنسان الوحشي. وقالوا لايف ان يكفّ عن قول ما لا يصدّق. وقال توبي بوستيك، بياع خشبنا الذي كان في غرينوود عندما وصلت التقارير الى والي العدل، ان الناس في البلدة كانوا شديدي الفزع يخشى كل منهم النزول الى الشوارع بمفرده. وفي اليوم التالي كنا قد عدنا الى العمل. وقد تناولنا منذ آونة غداءنا المكوّن من الفاصولياء الباردة والبطاطا المقلية وخبز الذرة المبلول بالقهوة السوداء الباردة عندما جاء مدير العمل أوليفر سبريفز صاعداً التلال ومعه صحيفة. كان في صفحتها الأولى عنوان رئيس عن الإنسان الوحشي، وصورة لذلك الإنسان من منتصف الجسم فما علاه وهو يحمل عظماً على كتفه. قال ايف: «دعني أرَ الصورة، يامعلم». فناول مدير العمل الصحيفة لإيف. قلت وأنا أنظر الى الرأس والكتفين: «لا تبدو تلك الصورة تشبهك الان مثلما تشبه الحشرة، فليس ذلك فمك ولا هاتان عينيك. وعلى صدرك شعر أكثر مما على هذا الإنسان. انها ليست صورة جيدة لك، يا إيف». قال ايف مكشراً: «هذه اول مرة تنشر صورتي في الصحيفة فكان عليهم ان يشوشوني. عجيب كيف استطاعوا ان يلتقطوا لي صورة وأنا أعدو مثل ثعلب». قال مدير العمل اوليفر: «لا تكن مغفلاً، يا إيف. ان احد الفنانين قد رسم تلك الصورة بناء على وصف أحد الرجال». قال إيف مكشراً: «كنت أبدو اكثر وحشية من تلك الصورة عندما كنت من دون ملابس. انظر، يامعلم، ان الخشّابين في السقيفة لا يعلمون ذلك، لأنه لم يسبق لي ان أضعتُ لعبة البوكر المكشوف». غرغر مدير العمل اوليفر مثل ديك رومي «اذا كانت لديّ فكرة فهي أنك قد تصرّفت بحماقة في عملك هذا. فأنا لم يسبق لي أن أحضرت الصحيفة الى هنا، وأنت تحاول ان تجعلنا نعتقد أنك الإنسان الوحشي، ولكنك لم تكن الانسان الذي رآه الناس يوم أمس. وهو فالت في هذا الجبل وأنا أريدكم جميعاً أن تحملوا ادواتكم المعدنية من الان فصاعداً. واسطموه اذا لم تستطيعوا ان تقبضوا عليه حياً. وإياكم ان تتركوه يفر». قلت: «اود الاحتفاظ بهذه الصفحة، يا معلم. أريد ان اريها لكل الشباب الليلة حتى يعرفوا ماذا يشبه». قال: «حسناً، يابيرجيس، أنت تتكلم بشيء من العقل». وترك الصفحة ومضى الى واجباته المتعلقة بمراقبة عملنا. وقمنا أنا وإيف بتقطيع الأشجار طيلة النهار وذهبنا الى البيت والى سقيفتنا في تلك الليلة. وكان كل حديثنا بعد العشاء عندما كنا نلعب البوكر المرصّع وسمار الغمغمة هو عن الإنسان الوحشي. وعندما أوينا الى الفراش أنا وايف كانت تسيطر علينا الرغبة في التمادي والإمعان في الضحك. وفي اليوم التالي أحضر مدير العمل اوليفر الصحيفة الى حيث كنا نعمل. قال وهو يسير صُعداً: «توقفا عن نشر الخشب وانظرا. ان ذلك الإنسان الوحشي قد جاء الى غرينوود في الليلة الماضية». كانت الصورة نفسها منشورة مع شخص مشهور اخر. وصرحت الصحيفة ان كلارا دور سايزمور قد خرجت في وضح النهار لإطعام فراخ دجاجاتها فوثب من مغرسة الزهر نحوها انسان يبدو مثل حيوان. وقالت انها صرخت وهُرعت نحو الدار، وسقطت عند الباب وأُغمي عليها. وقال زوجها، ووردلي سايزمور، انه وثب من السرير عندما سمع سقوطها لدى الإغماء. وسرعان ما استردت وعيها وأخبرته بما حدث. فاختطف بارودة صيده ولكن الوقت كان أكثر تأخراً من ان يقبض على المعتدي. قال ايف بفخر: «لقد بدأت بالأمر حقاً، ولكنني لم أنزل من الجبل الى هناك في الليلة الماضية لأثير كلارادور ووردلي» وألقى مدير العمل اوليفر نظرة صارمة الى إيف ومرّر الصحيفة اليّ. وحذّر ايف: «تحسن صنعاً لو توقفت عن الكلام السائب قبل ان يتم توقيفك لانك غير عاقل. انا لا أريد أن أخسر انساناً جيداً ذا فأس». وسار مدير العمل اوليفر نحو المنشرة. وفي يوم السبت جاء مدير العمل اوليفر سبريغز ومعه صحيفة اخرى. وفي هذه المرة كان الإنسان الوحشي يجمع البيض في قن دجاج على ارض غرينوود. وصرّحت الصحيفة ان ايكي دارلنفتون قد ملأه بكل الخردق الذي أعدّه للتلال. وقال انه قفز عالياً وأطلق صيحة وحشية عندما أطلق النار عليه، ولكنه صدّ بالبيض عن نفسه. قال ايف: «أنت نمت معي يابيرجيس، وانت تعلم أنني كنت في البيت على السرير». ولم نحصل على عدد يوم الأحد ولكن مدير العمل اوليفر قال ان فيه قصة اخرى عن أعماله. وفي عدد الاثنين كانت ثمة قطعة صغيرة تتساءل لماذا لم يتم القبض على الإنسان الوحشي الخطير. وصرّح عدد الثلاثاء انه تمت رؤيته في منتصف الليل في الشارع الرئيس في غرينوود. وقد أفرغ الماريشال فلاي بترفيلد فيه مسدّسه، ولكه برغم انه انجرح افلح في الفرار. قال ايف وهو يقهقه: «ياللرماية البائسة، وغرينوود تحتاج الى ماريشال افضل. ولكنني لم اكن هنالك. كنت في الفراش باكراً بعد ان ساعدت بيرجيس على تقطيع اشجار الزان الكبيرة». وفي يوم الأربعاء، رأت امرأة اخرى وهي تجمع البيض في غرفة تخزين العلف في ضواحي غرينوود هذا الإنسان الوحشي وهو يختلس شيئاً فشيئاً حول المتبن. ولم يُغمَ عليها ولكنها صرخت حتى سمعها كل الناس في الجوار وأقبلوا عليها راكضين. ولكن الإنسان الوحشي توارى بين أشجار الصفصاف على امتداد «خليج الأَرْز». وفي اليوم التالي عثر هستر، وهو غلام سايلاس ماكمري، على أثر قدمه الحافية الكبيرة فوق الرمل، وقال ان الأثر كان طويلاً بعض الشيء مثل قدم عدّاء التزلّج وعريضاً مثل عارضة معترضة. ومرّ أسبوع ولم يُذكَر شيء في الصحيفة عن الانسان الوحشي. ولم يأت اوليفر لزيارتنا. وتساءلنا ماذا حدث له منذ ان خفّت حدة الإثارة. قال ايف: «ان ذلك الانسان الوحشي يجب ان يثير الناس من جديد. فهذا المكان ميت، ولا اثارة الان، ولايزال البوكر المرصّع بليداً وانتظر ايف ثلاثة اسابيع اخرى حتى اخذت الأشجار تورق. وأخبرني ايف: «انه لوقت مناسب لزيارة الطريق مرة اخرى قبل ان تصبح الأشجار شديدة الاخضرار». وخلع ايف ثيابه ونعليه ورماهما في سارية خشبية بجانب جذع شجرة. وتناول العظم من تحت أوراق الشجر، ثم أطلق صيحة سنور وحشي هالسة وأخذ سبيله في الجبل. وزعق ايف وهو يثب نحو الطريق العامة. ورأيت سيارة تحوّل سيرها وتُقفل عائدة بسرعة الى غرينوود. ثم حوّلت سيارة أخرى سيرها. وتوقفت احدى السيارات وسمعتُ صوت مسدس يدوّي. وسمعتُ ايف يصرخ وقد بدأ يصعد الجبل عائداً. ولم يعد إيف الى جهتي. ولذا أخفيت ثيابه تحت أوراق الشجر وأخذت اعدو نحو المنحدرات الصخرية حيث تنمو أشجار الحور العالية. ورأيت رجالاً يصعدون الجبل. وكان والي العدل برادلي اشد بدانة من ان يقود نوّابه المسلّحين. فكان يتبعهم، ويصيح آمراً. وقال وهو يشهق بأنفاسه: «امسكوا به حياً، ياشباب، سنبيعه لسيرك مقابل ثروة كافية لتسديد المديونية المضمونة بالسندات عن مقاطعة غرينوود». فكرتُ: «لقد ضاع ايف. فأمسكوا به في حَلْق الوادي». ورأيت ايف واقفاً ويداه مرفوعتان. وليس معه العظم الان، لأن الرجال أطبقوا عليه من كل الجهات. وصرخ ايف: «هل رأيته»؟ فسأل والي العدل برادلي: «ارى من؟» قال وهو يلهث: «ذلك الإنسان الوحشي الملعون. لقد ضعضع رأسي بعظم كبير وأخذ ملابسي. وأنا لا أهرب من لا أحد. وأنتم تعلمون انني لست الرجل الذي كانوا يصوّبون عليه في غرينوود». «اذن، اين هو؟» سأل ذلك والي العدل برادلي متمايلاً متجرجراً في الجبل وهو يمسك بالأشجار. «أين؟» قال ايف: «لا تسلني، أنا نفسي اريد ان أعرف. اسأل بيرجيس هل هو في أمان؟» صرخت: «أنا في أمان، يا إيف. لقد راوغتُه». قال والي العدل برادلي لنوابه: «أسرعوا الى المنحدرات. سيروا وأوقفوه هناك! اذا لم تستطيعوا ان تروه، فتّشوا كل منحدر صخري!» قال ايف: «اعطوني بعض الملابس، أيها الخشابون. فأنا اشعر بالبرد واريد أن اخفي عريي» قال والي العدل برادلي: «اعتقدت انك تريد. انت اكثر صدقاً مما ذكر التقرير ان الانسان الوحشي كان! فأنت يمكن حتى أن تجعل من نفسك انساناً وحشياً مناسباً». وأعطى والي العدل برادلي لايف قميصاً من قمصانه الزائدة التي كان يرتديها. وكان أحد النوّاب يرتدي زوجاً زائداً من السراويل. فخلعهما من أجل ايف. وأسرع والي العدل برادلي والنوّاب الستة الى المنحدرات الصخرية. وشرحت لمدير العمل اوليفر ما حدث لايف وأخذناه من الجبل حافي القدمين بالقميص المستعار والسروالين المستعارين الى طبيب الجنون ليعالجه من الصدمة. وفي اليوم التالي نشرت جريدة غرينوود صورة ايف على الصفحة الاولى مع قصة طويلة تروي كيف ضربه الانسان الوحشي بعظم على رأسه وهرب بثيابه. وصرّحت الصحيفة ان بيّاع الخشب ايف ستون سوف يتعافى ولكنه قد ترضرض بصورة سيئة، وصرّحت كذلك أنني أنا بيرجيس رافيت قد تمكّنت من النجاة باختبائي في أحد المنحدرات الصخرية. قال ايف: «على الإنسان الذي يعيش حولنا ان يرتدي الثياب في عالم الحداثة هذا». وانطرح ايف اسبوعين كنت فيهما أعطيه لزقة الحليب المحلّى والطلح البري وأفركهما فوق جسمه لأقضي على السم الذي أصابه من الكروم التي على المنحدرات والتي لامست معظم جسده وهو يركض عبرها. ضحك كل بياعي الخشب عندما قرأوا الصحيفة. وقال مدير العمل اوليفر سبريغز لرجال المنشرة وبياعي الخشب: «لقد حذّرته. وكان ايف استون متعالماً وذلك بما لديه من الكلام الكثير الفالت الآتي من أحبولته الكبيرة. وهو لم يشأ ان يبالي بنصيحتي. وقد حذّرتكم جميعاً ان تحملوا ادواتكم المعدنية التي يمكن قذفها! والآن ترون من كان على حق!». ولم يقل مدير العمل اوليفر أي شيء آخر، اذ كان من شأن ضحكنا أن يكمّ صوته. ـ قاص امريكي معاصر