«لن انسى تلك الايام ابدا» بهذه الكلمات البسيطة بدأت رحلة حديث الذكريات مع الوالد سبران القبيسي واخذ يروي فصولا وصفحات من ايام الزمن الجميل الذي خلق الرجال الاقوياء ويقول: زمننا زمن الخير والبركة فنحن جيل التضحيات الذي واجه المخاطر بالتماسك والصبر والتعاون ورغم قلة المال فقد تعلمنا الصمود في الازمات وواجهنا المصاعب بالحب والرغبة في العيش بروح الاسرة الواحدة والجسد الواحد الذي اذا مرض فيه عضو تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمى. ويضيف: رغم قلة امكانياتنا لم نعرف الديون ولا القروض ولا الاسراف وكانت لنا صناعة وطنية فالغواص يصنع ادواته والقلاف يصنع السفن بل والصياد ايضا كان يصنع السفن الصغيرة والقوارب التي يستخدمها في مهنته وكان الجميع يعرف الادخار والتوفير وهذه رسالتي لجيل اليوم والمستقبل من ابنائي واحفادي اياكم والاسراف وادخروا لمستقبلكم ويستعرض شريط ذكرياته عن عالم الغوص. ويقول: ان مهنة الغوص وصيد اللؤلؤ من المهن العريقة التي كانت مصدر الرزق للكثير من سكان الامارات بل وتجارة ايام زمان اعتمدت على بيع اللؤلؤ والسفر لبلدان بعيدة وشواطيء ممتدة حتى الهند وافريقيا واقاصي البلاد الآسيوية ورغم عمل بعض سكان الامارات بالزراعة والرعي الا أن المهنة الرئيسية لاغلبهم كانت الغوص والصيد لذلك كانت تذهب للمغاصات سفنٌ كثيرة وفي أبوظبي ودبي كانت اغلب المغاصات وعندما كانت سفن الغوص تخرج من رأس الخيمة وام القيوين والفجيرة في طريقها الى مغاصات اللؤلؤ وكانت ترسو السفن بميناء دبي ويشرع البحارة في تجهيز سفنهم بما تحتاجه من الزاد والمؤن وتزويدها كذلك بما يحتاجه البحارة من معدات ولوازم كالحبال وكل هذه التجهيزات كانت بحاجة الى سواعد وعزائم صلبة قوية يملكها رجال اشداء لهم القدرة على الصبر والتحمل وعدم اليأس والبقاء بالمغاصات اياما وشهورا طويلة بحثا عن اللؤلؤ والارزاق. مخاطر ومشاق ويسكت الوالد سبران القبيسي ثم يواصل حديثه قائلا: كانت المخاطر والمشاق تحيط بمن يعمل في مهنة الغوص فهي رحلة المخاطر الكبيرة وكانت مرحلة التحضير تبدأ في العادة حينما تصبح مياه الخليج دافئة ويستمر عمل الغواصين لمدة تزيد على اربعة شهور حتى دخول فصل الشتاء وكان تاريخ بدء موسم الغوص يختلف من سنة لاخرى وخاصة اذا دخل شهر رمضان في بداية موسم الغوص او الفصل الحار ففي هذه الحالة يتأخر ذهاب السفن الى عرض البحر حتى انتهاء هذا الشهر الكريم. ويضيف كانت الرحلات تمتد من نهاية شهر مايو حتى سبتمبر واثناء هذه الفترة الطويلة التي تقضيها السفن في المغاصات قد تعود بعض سفن الاسطول الى الميناء للتزود ببعض الحاجيات التي قد يحتاج اليها الغواصون اثناء رحلتهم كما أن كثيرا من سفن الغوص كانت تتردد على سواحل جزيرة دلما لأخذ مياه الشرب منها وكان التحضير لرحلات الغوص ذاتها يتطلب ترتيبات على الشاطيء حيث يجري اعداد «المحمل» وهو المركب لرحلة الغوص ويتم دهانها بالصل «زيت الحوت» وغيره من الشحوم والدهانات والزيوت وكذلك يتم اعداد ادوات الغوص وتزويد المركب بانواع مختلفة من الحبال والاوعية اللازمة والمجاديف كما كان يجري تزويد السفينة بالماء والزاد الكافي لغذاء العاملين على المركب اثناء الرحلة وكان ينتهي كل ذلك عندما تصبح المركب جاهزة لرحلة الغوص الطويلة سعيا وراء جلب الارزاق. عقد النواخذة ونستوقف شريط الذكريات معه لنسأله كيف كان يرتبط الغواصون بالعمل مع النواخذة؟ فيقول: عندما يتم الاعلان عن قيام رحلة غوص يتقدم الرجال الذين يرغبون في المشاركة في رحلة الغوص هذه ويوقع معهم النوخذة «بروه» اي عقدا ويعطيهم شيئا من المال لشراء احتياجاتهم واحتياجات عائلاتهم بشكل يكفيهم حتى يعود الغواص من رحلة الغوص وكان اهل الغواصين يجهزون لهم ما سوف يحتاجونه في رحلتهم الطويلة وعندما تحين ساعة الرحيل يرتفع علم اسود كنا نسمية «النوف» وتخرج الديرة كلها الصغار والكبار لوداع هؤلاء الذاهبين الى المغاصات ويدعون لهم بالسلامة والعودة بالرزق الوفير، وعادة ما يتكون طاقم المحمل من عشرين غواصا وعشرين آخرين يكونوا جالسين وعدد مماثل لهم من الرجال يطلق عليهم «سيب» اي مساعد الغواص بالاضافة الى «النوخذة» ومساعده «المجدمي» ومع اذان الفجر يستيقظ جميع من على ظهر سفينة الغوص للصلاة ويتناولون التمر والقهوة وبعد طلوع الشمس يبدأ الغوص. الغوص في الهيرات وسالناه: هل كان الغواص يصل الى أعماق الهيرات؟ فقال: نعم كان الغواص ينزل من المحمل ويظل على سطح الماء ويضع على أنفه فطاما وهو يشبه الملقاط حتى لا يدخل الماء لانفه ويؤذيه وعند خروج الغواص من الماء يرفع الفطام حتى يستطيع التنفس ولدى نزول الغواص الى الاعماق وبلوغه القاع يربط بإحدى رجليه حجر ليسرع به الى القاع فاذا وصل للقاع نزع الحجر من رجله ويقوم «السيب» بسحب الحجر بواسطة حبل يسمى «الزيبن» ويصحب الغواص معه «الديين» وهو عبارة عن السلة المصنوعة من حبال الكمبار او القطن وبها علقة يضعها الغواص في عنقه ليجمع بها المحار ويكون الغواص مربوطا من وسطه بحبل يسمى الجداء» والسيب يمسك به من الماء وعندما تصله الاشارة يقوم بسحب الغواص. المواجهة ويتنهد الوالد تنهيدة طويلة ثم يمضي قائلا: لقد تعلمنا من هذا كله كيفية مواجهة المخاطر والتعاون والصبر وعدم اليأس فكثيرا ما انقطع نفس الغواص وهو في قاع البحر او في المنتصف فيخرج من البحر غائبا عن الوعي. ويضيف: ان الهيرات التي جلبنا منها اللؤلؤ كانت عميقة جدا ومهمتنا في البحث عن المحار والارزاق شاقة للغاية خاصة أن حياة الغواص معلقة بحبل زميله «السيب» وربما يغفل «السيب» عنه فتحدث مخاطر عديدة للغواص ولذلك كان للغواص مكانة متميزة فهو الذي يباشر استخراج اللؤلؤ من قاع البحر وكان الغواص يلقى اهتماما وحفاوة واحتراما كبيرا بين اهل الديرة كما كان يشترط في الغواص أن يكون قوي البنية خبيرا بالقاع وما به من اخطار وكيفية تفاديها فقد كان الغواصون يؤدون عملا خطيرا ويتعرضون للاسماك والحيوانات البحرية المفترسة والمؤذية وكثيرا ما كان يرى الغواص اسماك الجرجور في قاع البحر وهي تمر امام ناظرية وعندها يلجأ الى حيل كثيرة للهروب منها وتجنب هجومها وبمناسبة الحديث عن الجرجور فقد كان يطلق على الغواص الماهر لقب «الجرجور» للدلالة على مهارته وقدرته على تحدي المخاطر ولذلك كان النواخذة يتنافسون ويحاولون جذب هؤلاء الجراجير او الغواصين الماهريين للعمل في مراكبهم ورغم مخاطر هذه المهنة فقد كان اجرها بسيطا لا يتعدى قليلا من الروبيات!! وكيس رز او سكر وبعض الادوات للغوص. ويصمت الوالد القبيسي ويمضي قائلا: ورغم قلة الارزاق فالبركة كانت موجودة والفقر لم يطرق ابوابنا!! جسد واحد وعن العلاقات في السابق يقول: لقد كان بحارة المحمل يتعاملون مع بعضهم البعض اثناء رحلة الغوص كأنهم اسرة واحدة وجسد واحد وكانت هذه الاسرة تتكون من النوخذة وهو صاحب الامر والنهي والذي يقوم بتقسيم الارباح على الغيص وفي بعض الاحيان كان النوخذة هو صاحب السفينة وفي أحيان اخرى يعمل النوخذة لدى صاحب السفينة اما الغواص فهو يقوم بأشق الاعمال وهو الغوص في الاعماق تحت الماء معرضا نفسه للاختناق ويعاونه في عمله «السيب» الذي يقوم بجر حبال الغواصين وسحبهم من المياه ويراقبهم اثناء الغوص وهناك «المجدمي» وهو الشخص الذي يتولى امور المعيشة على ظهر السفينة واما «الرضيف» فيقوم بمساعدة الغواص. ويضيف: «كانت رحلة الغوص ايام زمان منظمة وكنا نصل الى مناطق الهيرات» بواسطة الة اسمها «الديرة» وهي بوصلة كبيرة نعرف منها مواقع النجوم وكنا نصل الى المغاصات ومن اهمها دلما حيث كانت السفن تأتي اليها من كل دول الخليج العربي. صناعة وطنية ويستطرد مشوار ذكرياته في عالم الغوص واللؤلؤ قائلا: كنا لا نعرف الاستيراد لادواتنا التي نستعملها في الغوص حيث كان رجال الغوص يستعملون ادوات يدوية مصنوعة بالكامل محليا في الديرة وبأيدي ابنائها الذين احترفوا العمل اليدوي!! فهذه كانت بداية الصناعة الوطنية. ويضيف من اهم ادوات الغوص «الفطام» ويقوم الغواص بتثبيته على انفه عندما ينزل الى البحر ليمنع تسرب المياه الى أنفه «والخبط» ووظيفته حماية اليدين اثناء جمع المحار «والديين» وهي سلة من الخيوط القطنية لجمع المحار. «الزيبن» وهو حبل يربط فيه حصاة من الحجر او الرصاص ويجعلها الغواص بقدميه لتسهيل نزوله للقاع وكذلك «الجداء» وهو حبل يربطه الغواص الى وسطه لرفعه عند الانتهاء من عمله وهناك الشمشول وهو لباس الغواص لدى نزوله البحر. العمل للجميع ويكشف الوالد القبيسي عن ملامح مشرقة في حياة عالم الغوص واللؤلؤ فأيام زمان لم تكن هناك بطالة والجميع يعملون بوظائف الغوص والصيد. وعن هذه الوظائف يقول: لم يكن في عالم الغوص عاطل عن العمل فالجميع يعمل ولا يتحرج أن يبدأ عمله بسيطا ثم ينمو ويتدرج حتى يصل الى وظيفة النوخذة بالاضافة لذلك هناك وظائف عديدة مثل «الجعدي» او «القعدي» وهو الشخص الذي يحل محل النوخذة والغواص وكان النواخذة يستشيرون الجعدي ويعتبرونه كاتم اسرار وغالبا ما كان النوخذة يختار لشغل هذه الوظيفة واحدا من اشقائه او ابنائه او اقاربه ويحل محل النوخذة اذا غاب ويجب أن يكون عارفا بأماكن المغاصات «الهيرات» وسمعته حسنة لدى الغواصيين وكلمته مسموعة لديهم وهناك ايضا وظائف صغيرة بالمحمل مثل «التباب» وهم اطفال صغار يقومون بالاعمال البسيطة مثل تقديم القهوة والماء وغسل الاواني وهناك وظيفة «النهام» وهو مطرب المحمل الذي يقوم بإلقاء الاهازيج للترفيه عن البحارة اثناء رحلة الغوص. ورش القلافة وكانت تنتشر ايام زمان بالديرة ورش القلافه وتشهد هذه الورش عملا متواصلا من القلاليف وايضا كافة ابناء مجتمع الغوص من الرجال القادرين على العمل في هذا الصدد. يقول الوالد أحمد القبيسي عملت بالقلافة وهي مهنة شاقة ولكنها هامة ولازالت لها اهلها ورزقها حتى اليوم واقول لابنائي لا تنتظروا الوظيفة واعملوا بورش القلافة واصنعوا القوارب والمراكب. ويضيف: بأسف اتمنى أن يسمع احفادي هذه النصيحة فابناء اليوم يحبون السهل والحياة الرغدة وادمنوا القروض والبذخ والاسراف بل ويرفضون أن يتعلموا مهنة الصيد التي اقترنت بتراث مجتمع الغوص ايام زمان. ويقول: لقد عملت قلافا وهي مهنة صناعة السفن والقوارب وكنا نطلق على صانع السفينة قلافا وللعلم فإن مهنة «القلافة» تتطلب مجهودا بدنيا كبيرا وهناك موسم كان يزدحم فيه عمل القلاليف وهو موسم «القيظ» الذي يتم خلاله اصلاح السفن وتأهيلها. وشاركت بصنع وتأهيل العديد من المحامل والسفن التي حملت النواخذة والتجار والغيص الى المغاصات وشواطيء الخليج والهند وافريقيا وصنعنا سفنا كبيرة مثل «البوم» والجالبوت، والسنبوك، والشوعى» وكنا نصنع سفينة تحمل الاشياء والاوزان الكبيرة من البضائع والافراد دون الحاجة الى الات كمصانع اليوم. يد واحدة ويقول: لقد جسد جيل الامس روح العمل الجماعي فالجميع كانوا يدا واحدة في الازمات وخير مثال على ذلك عند العزيمة وهي قيام احد القلاليف باستدعاء زملائه لانجاز سفينة او عمل تعهد بانجازه خلال مدة زمنية قصيرة كان الجميع يسارعون الى نجدته في العزيمة وذلك حتى يتمكن من الوفاء بعقده وكثيرا ما كانت هذه المشاركة دون مقابل مادي فايام الزمن الجميل بمجتمع الغوص كانت لا تعرف الماديات و«الفريج» كان يساعد بعضه بعضا بكل ازمة او كربة او ضائقة يمر بها احد افراده او عائلة من العائلات ويضيف: لذلك كانت الحياة الاجتماعية تتميز بالحضور والتفاعل وسؤال الجميع عن بعضهم فاذا غاب احد عن مجلس رمضان او المجالس الاخرى تفقده الباقين وقاموا بالسؤال عنه وكان الجميع يعرف انه يعيش داخل اسرة واحدة لذلك كان الزواج ميسورا ولا يحتاج الى مجهود فتستطيع بروبيات قليلة الزواج وبناء العرائش للسكن وللعلم لم يكن هناك مشكلة العنوسة في مجتمع الغوص فالمرأة تعرف مهمتها وهي مساندة زوجها والقيام بأعمال المنزل والاعمال اليدوية الاخرى ولا تعرف الخدم او الخادمات فهي سيدة بيتها وتدير شئونها بنفسها ويصل الشيبة سبران القبيسي الى اخر محطة من ذكرياته ويتحدث عن النعم الكبرى التي وهبها الله عز وجل لابناء الوطن واهمها نعمة تولي صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه مقاليد الحكم ويقول: جاء الوالد القائد زايد الخير ومع توليه مقاليد الحكم زادت الارزاق واتسعت ووفر لابناءه المواطنين الوظائف والمعاشات والمساكن والمزارع وكل شيء ولم يبخل عليهم ابدا وكان كريما وسخيا مع الجميع والحمد لله في ظل حكمه ننعم بالتعليم والعلاج ويجد الشباب منحة في انتظارهم عند الزواج فالحمد لله الجميع يشعرون بالسعادة والاستقرار والرفاهية ونسأل للقائد الوالد طول العمر اللهم امين.