يروى في احدى قصص التراث الانساني القديم، ان هناك امرأة معدومة اعتادت سؤال الناس للحصول على بعض ما يسد رمقها من أكل ومال.. وفجأة وبدون مقدمات رزقت هذه «الشحاتة» بأموال لا حصر لها لا أحد يعرف مصدرها، مما جعلها تحقق كل الأماني التي كانت ترجوها وأولها بناء قصر ضخم مملوء بالخدم والحشم.. لكن وبعد كل هذا الثراء لم تشعر الشحاتة المليونيرة ابداً بالسعادة الى ان راودتها فكرة جعلتها تذوق طعم هذه السعادة، فما كان منها الا ان شيدت داخل القصر ملحقاً ملأته بالأبواب، فكانت تنزل من قصرها في الصباح الباكر، وهي ترتدي ملابس الشحاتة، وتحمل في يدها كيسا مملوءاً بالأموال والذهب، وتقوم بطرق أبواب الملحق لتمارس مهنة الشحاتة في الوقت نفسه تقوم بفتح الباب لنفسها وتعطي لنفسها مبلغا من المال او قطعة ذهب، ثم تخرج لتواصل طرق كافة الأبواب، ومرة تعطي نفسها المال، ومرة أخرى تنهرها وتطردها!! بهذه الطريقة وجدت طعم السعادة لانها اعتادت حياة الشحاتة، وتقمصت هذه الشخصية ذاتها فلم تستطع الاموال الطائلة اخراجها من هذه الشخصية!! وهكذا هو الانسان لا يستغني ابداً عن طبعه وطمعه، ولو أعطي الواحد منا وادياً من ذهب لتمنى ان يكون له واد ثان!! هذه القصة راودت مخيلتي عندما كان قاسم سلطان مدير عام بلدية دبي يتحدث في محاضرته التي تحدثنا عنها الاسبوع الماضي حول انجازات واستراتيجية البلدية.. والربط بين القصة والمحاضرة يكمن في واحدة من أهم المعوقات التي تواجه التخطيط في البلدية، وهي وجود نوعية من البشر لا همّ لها في هذه الدنيا سوى السعي للحصول على أكبر قدر من المال بكافة الوسائل والطرق، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة البلد او مصلحة المواطنين.. هذه النوعية من البشر تستغل طيبة كبار المسئولين وحبهم الشديد لخدمة الناس، وتحلّيهم بالعادات العربية الأصيلة التي تجعلهم يتحرجون في رد أي سائل مهما كان السؤال او السائل، وبالتالي فان هؤلاء الناس لا يتورعون عن التقدم للحصول على استثناءات معينة من اجل مصالحهم الشخصية البحتة متناسين ان الاستثناء معناه تجاوز القانون الذي وضع من أجل مصلحة عليا، وتجاوزه يعني وقوع ضرر ما اما على البلد، او على مواطن آخر.. ولكن في نظرهم هذا لا يهم فاذا «سلمت انا وناقتي، وش عليّ من رفاقتي»!! وبسبب ذلك فان كثيراً من المشاريع التخطيطية المهمة تتأثر بشكل سلبي بسبب هذه الاستثناءات.. قاسم سلطان ألقى بالمسئولية الكاملة على هؤلاء المواطنين الذين يعلمون علم اليقين ان القانون لا يسمح، ويتعمدون احراج كبار المسئولين والتوجه لهم بطلبات غير منطقية للحصول على تلك الاستثناءات، وفي ذلك كثير من اللامبالاة وكثير جداً من الأنانية وحب الذات وتجاهل المصالح العليا للبلد.. الغريب ان معظم الذين يلجأون لهذه الطريقة هم من فئة لا تحتاج لهذا التجاوز ويستطيعون العمل بدونه، فهو سيزيد رصيدهم تماماً مقدار ما تزيد قطرة الماء في البحر، ولكن هو الطبع البشري.. الطمع، وحب الذات، وهل من مزيد.. هل من مزيد؟! وللأسف فان البعض يفتخر بذلك ويعتبره امراً شرعياً، بل ان البعض يدّعي النزاهة ونظافة اليد، وعدم الاستغلال، وهو يزحف على يديه ورجليه للحصول على امتيازات اضافية جراء استثنائه من قانون معين، فهل يختلف ذلك عن الاستغلال وهل يختلف ذلك عن الفساد؟!! تساءل النائب العام ابراهيم بوملحة في المحاضرة عن عدم وجود حديقة صغيرة في احدى المناطق المأهولة بالمواطنين وذلك لحفظ اطفالهم من خطر اللعب في الشوارع والطرقات، فكان الجواب من مدير البلدية بأن الارض المخصصة لتشييد الحديقة وضع أحدهم يده عليها وحصل عليها بطلب استثناء!! وتساءل الدكتور انور قرقاش عن سبب هجرة المواطنين من وسط المدينة وانتقالهم الى مناطق بعيدة، وعن سبب وجود العزاب في المناطق السكنية الخاصة بالمواطنين، فكان الجواب بكل بساطة: ومن الذي يقوم بتأجير المنازل للآسيويين العزاب؟! ومن الذي يسعى للحصول على أوامر لبناء مبانٍ تجارية في وسط المناطق السكنية؟! ونحن أيضاً نتساءل لماذا يحصل البعض على حقوق ليست لهم؟! ولماذا يسعى البعض من الذين انعم الله عليهم في مشاركة محدودي الدخل في كل شيء حتى قروض الاسكان ومساعدات البناء والصيانة؟! اعتقد ان الجواب يعرفه الجميع فهي النفس البشرية والرغبة في الحصول على أكبر قدر من المكاسب.. مجاناً.. ولا يهم من يدفع الفاتورة!!