قد يبدو الأمر ضربا من ضروب الخيال العلمي، لكن المخترع البريطاني هاينز ليبشوتز حلم فعلا بالنزول الى البحر في غواصة اسمنتية. ومع ان حلمه لم ير النور بعد، إلا ان ليبشوتز الذي توفي العام الماضي، عن عمر يناهز الثانية والثمانين جادل حتى النهاية بأن بناء غواصته لم يكن ممكنا وحسب، بل انه يوفر ايضا خصائص عديدة تميزه عن التصميمات الحالية. ويقول ليبشوتز ان غواصته الاسمنتية يمكنها ان تغوص الى أعماق تزيد بخمس مرات على الأعماق التي تنزل اليها الغواصات التقليدية، وتتمتع بقدرة مضاعفة بمعدل عشر مرات فيما يتعلق بمجال التحرك وطاقة التحمل. وادعى ليبشوتز ان البحرية الالمانية بنت نموذجا أوليا بطول سبعة أمتار لاختبار نظريته، وإن كان ليس هناك إلى الآن أي دليل على صحة ادعائه. في ذلك الوقت كان العديد من النقاد يرون في ليبشوتز مجرد شخص غير متزن وغريب الاطوار. لكن التطورات الأخيرة في اصناف الاسمنت الجديدة عالية التقنية تعني ان افكاره قد لا تكون على ما يبدو منها من سخافة وسذاجة. إذ يقول ديفيد كريسويل خبير الغواصات في شركة «كوينتك» البريطانية للاستشارات التكنولوجية والتي كانت حتى وقت لاحق وكالة تابعة لوزارة الدفاع: «إن بناء غواصات الاسمنت قد يكون بالفعل أمرا معقولا جدا، وأنا شخصيا معجب للغاية بالفكرة». معظم الغواصات التي تعوم على أعماق كبيرة تصنع من الفولاذ والتيتانيوم، لكن المراكب الضخمة المبنية من المعادن فقط تكون باهظة التكلفة. وقد رأى ليبشوتز ان البديل الأمثل هو الاسمنت لأنه أرخص بكثير من المعدن ويمكنه تحمل قوة ضاغطة مضاعفة دون ان يتقوض، وهو عامل أساسي بالنسبة للغواصات. وكذلك فإن انتاج السفن بهذه الطريقة سوف يكون زهيد التكلفة وسهلا، إذ لا يحتاج سوى الى صناعة قالب، ومن ثم سكب الاسمنت فيه. وليس هناك حاجة للحرفيين الذين يمضون أسابيع في لحم الصفائح الفولاذية ببعضها. وكان ليبشوتز يعتقد ان الغواصات الاسمنتية الأثقل من الماء ستحل مكان الغواصات التقليدية تماما كما حلت الطائرات الأثقل في الهواء مكان المناطيد في أوائل القرن الماضي. ومنذ ان فرغ ليبشوتز من اعداد التصميم الكامل في الخمسينيات وتقدم بطلب للحصول على براءة اختراع، عرض مشروعه على جهات رسمية عديدة، لكنه كان يجابه دائما بالرفض أو التجاهل لعدة أسباب، بما في ذلك جملة من الأسباب تتعلق بأمن وسلامة الغواصة الاسمنتية في الأعماق الكبيرة. لكن المعطيات تغيرت الآن بعد ان قطعت تكنولوجيا الاسمنت أشواطا كبيرة لم تكن بالحسبان. وبدأ جيل جديد من الكوكتيلات الاسمنتيةاللدنة فائقة القوة يبزغ للعيان في المختبرات العلمية. ويقول مايكل هولجرين خبير الاسمنت في شركة «سفيرج» لاستشارات البناء بالعاصمة السويدية ستوكهولم: «انه أمر مثير للاهتمام ان تحاول فرق الأبحاث بناء غواصة أسمنتية ما تستخدم خلائط الاسمنت الحديثة فائقة الأداء. ففي أوائل التسعينيات طور المهندسون في شركة البناء الفرنسية «بويجيه» خليطا جديدا من نوعه من الاسمنت أقوى بـ 250 مرة من الاسمنت التقليدي، وأطلق عليه اسم «اسمنت المسحوق التفاعلي». ويصنع هذا المنتج من خلط اسمنت بورتلاند ومسحوق السليكا وحبيبات الكوارتز والرمل الدقيقة مع مادة ملدنة وألياف فولاذية وماء. وقد استخدم هذا الخليط في الجسور والأبنية الواقعة في مناطق الزلازل، وإذا تم استبدال حبيبات الرمل الناعمة بحشوات معدنية وسخن الخليط الناتج الى حد 400 درجة مئوية لمدة 48 ساعة، يمكن رفع مقاومة الخليط الناتج للانضغاط الى ما يزيد على 800 ميجاباسكال، أي ضعف مقاومة الفولاذ وما يقارب مقاومة التيتانيوم. لكن مقاومة الخليط للشد لا تتجاوز 50 ميجاباسكال بالمقارنة مع 400 ميجاباسكال للفولاذ. إذن هل يمكن استخدام الاسمنت التفاعلي لبناء غواصة؟ يقول هولجرين ان اطمئنانه لركوب غواصة مصنوعة من الاسمنت التفاعلي لن يكون أقل من اطمئنانه للغواصة التقليدية. ويعتقد فيك بيري رئيس مجلس ادارة شركة «داكتال» الكندية التي تصنع الاسمنت التفاعلي انه يمكن للخليط الجديد ان يمثل بديلا رائعا للفولاذ في بناء الغواصات بشرط ان تضاف دعامات تقوية الى بدن الغواصة. لكن اسمنت المسحوق التفاعلي ليس المنافس الوحيد في هذا المجال. فقد طور فريق من طلاب جامعة ألباما الامريكية بقيادة المهندس جون جيبلرت نوعا من الاسمنت يحقق مقاومة أكبر للشد، وهو عبارة عن خليط من الكريات الزجاجية الجوفاء يبلغ قطر الواحدة منها عشر ملليمترات وعصارة الشجر ومركب الاكريليك البلمري وألياف الجرافيت واسمنت بورتلاند والماء. وتم تطوير هذا الاسمنت على نحو خاص ليكون خفيفا ومرنا لبناء مركب يشارك في سباق وطني للزوارق الاسمنتية ينظمه طلاب الهندسة الامريكيون سنويا. ويعزو جيلبرت فوز قاربه بالسباق الأخير الى حقيقة ان مرونة الاسمنت المستخدم في بنائه جعلته يتذبذب في الماء مهتزا كالسمكة مما منحه قوة دفع اضافية. ويقول جيلبرت: «يستطيع الاسمنت الذي طورناه تحمل قوى الضغط والثني بفضل مرونته. وقد بدأنا نجري تجارب على استخدامه لبناء بعض اجزاء الطائرات لأنه أكثر مقاومة للانفجار من الفولاذ». ويبدو جيلبرت واثقا في ان هذا الخليط الاسمنتي سيكون مثاليا لبناء الغواصات بسبب قوته الفائقة ومرونته الفريدة التي تجعله قادرا على تحمل درجات عالية من الضغط الخارجي في الأعماق الكبيرة. وفي اطار أول خطوة نحو نقل هذه الرؤية الى حيز الواقع، يخطط المهندس موثيان جوناسكران، اختصاصي الاسمنت الذي يدير شركة «سيكار انتربرايز» الهندسية الامريكية لبناء أول قارب اسمنتي يلامس فيه آفاق الحلم الغالي الذي ناضل ليبشوتز من أجله حتى النهاية. ترجمة: علي محمود عن «نيوساينتست»