لم يكن مقر قبيلة جاوى شمالي تايلاند الا قرية صغيرة مهمشة لا يسمع عنها من حولها من التايلانديين او غيرهم من ابناء الشعوب الآسيوية المجاورة شيئاً يذكر، حتى وقت قريب، عندما تحولت الى مثار حديث القارة الآسيوية بأسرها، بامتداداتها الشاسعة وازدحامها السكاني، الرهيب، وذلك صيتها من بانكوك وبروناي الى جاكارتا وسنغافورة وذلك بفضل امتلاك اهلها لطائر القمرية وهو احد انواع اليمام ويشتهر بقدرته على التغريد. وغدا امتلاك مثل هذا الطائر مصدر شعور بالفخر ورمزاً للهيبة ليس فقط في تايلاند وحدها ولكن في مختلف ربوع القارة الآسيوية. وقبيلة جاوى تلك تنحدر من اصول مسلمة حين نزح معظم سكانها في الماضي القديم من المنطقة التي تعرف الآن باسم مالي. وفي الوقت الذي لا يتعدى فيه راتب المدرس من ابناء تلك القبيلة 2500 بات شهرياً، تقدر قيمة الطائر الواحد من طيور القمرية بأكثر من مليوني بات اي مايوازي 33 الف جنيه استرليني، وتقدر قيمة البيضة الواحدة لهذا الطائر بـ 50 الف بات على الرغم من ان الانسان الذي يبتاعها لا يحصل على ضمان بأنه سوف يحصل من خلالها على طائر يمكنه التغريد. ولقد جاءت تربية وامتلاك مثل ذلك الطائر ـ الكنز بمثابة بئر لا ينضب من المال والجاه لأهل هذه القرية التي قلما يخرج ساكنوها بعيداً عن حدود قريتهم او يحتكون بساكني القرى والقبائل المجاورة، وجاء هذا الطائر ليمكن الفلاح والمزارع البسيط الذي كان بالكاد يحصل على ما يسد به رمقه ورمق اسرته من ان يعيش عيشة الاثرياء شريطة ان يحسن تربية ذلك الطائر والتعامل معه ويمكنه من التغريد، وهي المهارة التي تحول الطائر الى مغرد فريد من نوعه. وانتشر صيت هذا الطائر في ربوع تايلاند حتى انه اصبح من المألوف ان يشاهد السائح في تايلاند يومياً العديد من المسابقات في التغريد التي تبرز مهارة هذا الطائر وتثبت بالفعل انه يساوي القيمة المالية الكبيرة التي تدفع في شرائه. اهم تلك المسابقات التي تقام بشكل منتظم هي تلك التي تنظمها منظمة «الاسيان»، والتي يشترك فيها حوالي 2500 طائر من طيور القمرية يتم وضعها في اقفاص مطلية بالذهب وتعلق من خلال عمود معدني يصل طوله الى سبعة امتار يساعد على حدوث رنين لصوت الطائر ويصل به الى مسامع الحاضرين. وتخصص المنظمة عدداً من المحكمين ليحددوا الفائز من تلك المسابقة، حيث يقفون اسفل كل عمود ويقدرون مدى رخامة صوت كل طائر وتميزه ويتحدد سعر كل طائر تبعاً للتقديرات المختلفة للمحكمين. وقد فاز في آخر مسابقات المنظمة طائر يطلق عليه اسم «بيسوت»، وقدر المحكمون ثمنه بمليوني بات، غير ان مالكه رفض بيعه بهذا الثمن، وقال انه لا يستطيع ان يتخلى عنه لانه لا يوجد بديل له لديه. وهذا الطائر العجيب ميزه المحكمون عن كل الطيور المتسابقة الاخرى بسبب صوته الاستثنائي، ويعرف عنه انه لا يغرد اذا لم يكن في حالة نفسية جيدة، واثناء احدى فترات المسابقة رفض التغريد مطلقاً اعتراضاً على وصول رائحة عدد من الاسماك كان يتم شواؤها بجانبه ولم يستأنف التغريد الا بعد ان تمت ازالة آثار الشواء من جانبه. ويعرف ان كل عائلة من عائلات تلك القبيلة تمتلك على الاقل طائراً واحداً من طيور القمرية، ويلقبونه باسم «طفل المنزل» وبسبب قيمتها المالية الكبيرة يعتني ملاك تلك الطيور بها بدرجة كبيرة، حيث يقومون بتغذيتها بالفيتامين اسبوعياً والعناية بنظافتها بشكل كبير، حيث يقومون بتطهير ريشها بشكل منتظم بمختلف انواع المطهرات والمنظفات، حتى يتجنبوا اصابتها بأي مرض. ويقومون ايضاً بتزويدها بالاعشاب العلاجية المناسبة عند التقاطها لأي وباء قد يكون منتشرا في المنطقة، ومن تلك الاعشاب الفلفل الاسود المخلوط بالعسل الابيض وروث البقر الممزوج بالماء العذب. ويقوم مالك الطائر بفحصه كل صباح، وذلك قبل ان يقوم بالتغريد. ولا تعد عملية مساعدة الطائر على التغريد امراً يسيراً، اذ يتطلب هذا من المرء مهارة خاصة وصبراً طويلاً، وملاطفة الطائر بجميع الاساليب حتى يحصل منه على ما يريد. ويتم وضع الطائر في كل صباح ومساء قبل التغريد وبعده، سواء ما يتم من خلال مسابقات او ما يقوم به الطائر في متجر المالك خلال عرضه للبيع، في مكان عالٍ في الهواء الطلق حتى يتأقلم مع الطبيعة المحيطة به ويأخذ افضل ما بها من هواء طلق يساعده على الوصول الى حالة نفسية مريحة تشجعه على التغريد. وتأخذ الاقفاص التي توضع بها هذه الطيور شكلاً مميزاً وتصقل عادة بالذهب الخالص مما يساعد على تميزها وتجميلها في نظر الانسان الذي يقوم بعملية الشراء ويمكن ان يصل ثمن القفص الواحد الى 120 الف بات. ومالكو هذا الطائر يأخذونه معهم اثناء تأدية الصلاة في المساجد لتحل به البركة ويمكنهم بيعه بأعلى الاسعار. ويقوم مالكو هذه الطيور ببيعها وتصديرها الى الدول الآسيوية المجاورة، مثل الصين واليابان وماليزيا وغيرها، حيث تباع بأغلى الاسعار. غير ان الكثير من مربي هذه الطيور لا يهتمون بالثروة التي يمكنهم الحصول عليها من عملية البيع، حيث يفضلون ان يحتفظوا بها كأحد مؤشرات الهيبة والتميز، حيث غدوا بفضل تلك الطيور محط انظار القارة بأكملها يقصدهم السياح من كل حدب وصوب ليتعرفوا على هذا الطائر ـ المعجزة. ترجمة: حاتم حسين عن «صنداي تايمز مجازين»