تخضع دراسة تاريخ الفن، شأن اي منهج تاريخي آخر، بين الحين والآخر للكثير من عمليات اعادة النظر. ففي اوائل القرن العشرين كان نقاد الفن ينظرون الى الرسام لورينزو لوتو، ابن مدينة البندقية في القرن الخامس عشر، باعتباره رجلا عصابيا، ذا موهبة هامشية، تأخذه نوبات من النزعة الدونية. اما الآن فيكال المديح بالجملة لهذه الموهبة الفنية الخاصة التي عبرت عن النفس البشرية في لحظات السمو، وهذه النظرات التي تقف على النقيض تماما من بعضها تأتي كلها معا في سياق معرض جديد بعنوان: «لورينزو لوتو: اكتشاف فنان النهضة» اقيم في الولايات المتحدة ونظمه معرض الفنون الوطني في واشنطن. وأعمال المعرض السبعة والاربعون، والتي تتنوع مابين اعمال تصويرية واعمال دينية ولوحات شخصية واعمال رمزية تقدم هذا الفنان في مجمل مراحل حياته الطويلة وغير المستقرة، وابطال لوحات لوتو هذه هم تجار ونبلاء يقدمون من دون تمجيد لهم، ويبدون وهم يحملون مؤشرات غناهم الذي اتى على حساب حياتهم الشخصية. بل لا يتردد لوتو في رسم مريم التي تكثر صورها في اعمال الغربيين كشابة عفيفة لكنه يقدمها في احدى لوحاته وقد هرمت وتعبت من الحياة. وهذه النزعة في اعمال لورينزو لوتو ورفضه للاعتراف بما يعترف به الآخرون حوله هو الذي دفعه الى التغريد خارج السرب بين فناني عصره، وجعله يغرد منفردا ومنبوذا كفنان. يقول ديفيد آلان براون القيم على المعرض والمسئول عن جناح الرسم الايطالي في عصر النهضة في المعرض الوطني للفنون: «كان معاصرو لوتو وخصوصا تيتيان يسعون لتحقيق وحدة التكوين في اعمالهم ليحصل المشاهد على انطباع كلي. اما لوتو فكان على عكس ذلك يهوى التركيز على التفاصيل. وما وجده فيه نقاد القرن السادس عشر من عيوب لم يفلح الا في جعله فنانا اكثر جاذبية بالنسبة لنا نحن الذين نعيش في عصر وعي الذات النفسي والمعاناة النفسية. ولو كان هذا الفنان قد ولد في عصرنا لما احتاج للكثير من الخيال ليصوره بمالديه من صراحة مخيفة وبساطة مباشرة كتلك التي لديان آربوس او ريتشارد امنيدون. يقول براون في كتيب المعرض وهو يقدم للفنان: «لو كان لوتو عصابيا فعلا لكان عصابيا وظيفيا». وكانت تقنية الرسم عند لوتو مستمدة فعلا من تقنيات سابقيه. كما كانت لديه معرفة جيدة بالثقافة الفكرية لعصره، كما كان يأخذ من اعمال الآخرين مصادر الهام لأعماله، وعمل في كل اجناس التشكيل اللوني لرعاة كثيرين كلفوه بانجاز اعمال لهم، لكن فيما قد يكون هذا النهج الواعي للمستوى قد اسهم في وجود لوحات لوتو على الساحة الفنية الا انه لايفسر اصالة او طبيعة جاذبية هذه الاعمال. ولد لوتو عام 1480 أي انه اكبر سنا بقليل من تيتيان واصغر قليلا من جيورجيوني كما تعلم الرسم على يد احد فناني البندقية وربما كان الفيس فيفاريني او جيوفاني بيلليني. وغادر البندقية، مسقط رأسه، في سن 25 عاما ليبدأ حياة مهنية جديدة اخذته في كل ايطاليا بحثا عما يأتي بالتوازن لروحه. وعلى الرغم من أنه من المستحيل حتى الآن على نقاد الفن معرفة ما الذي دفعه للخروج في رحلته الطويلة هذه، الا ان كتابا خطه بيده يصف فيه رحلته يورد فيه الاعمال التي كلفه بها رعاة الفن والاسعار التي تقاضاها وكيفية دفعها له وتكلفة المواد كما يورد فيه ايضا بعض تفاصيل حياته الشخصية وحياة بعض اقاربه واصدقائه والاماكن التي سكن فيها وخيبات امله من الاصدقاء وغضبه من عدم مقدرته على تحقيق نجاح يعطيه المجد الشخصي بين افراده من الفنانين. وبالنسبة لاي فنان ايطالي عاش في القرن السادس عشر كانت الحياة خارج البندقية او روما او فلورنسا التي ازدهرت فيها الفنون بفضل الفن والثروة التي جرت بأيدي الناس نتيجة ازدهار التجارة كانت تعني الحكم على الذات بالبقاء في الظل. وتلقي الرسائل التي كتبها لوتو لزبائنه بعد سنوات قضاها في الترحال والعودة الى الوطن البندقية عام 1525 تلقي مزيدا من الضوء على شخصية هذا الفنان. ويقول البروفيسور بيتر هامفري من جامعة سانت اندروز في كتيب المعرض ان نغمة مراسلات لوتو كانت دفاعية على الاغلب ومحبطة كما كتب عدة مرات عن احباطاته وقلقه وشرود ذهنه. لكن هناك ايضا اشارات الى عاطفة انسانية عميقة حينما يعبر عن حزنه على موت الاصدقاء والتزامه الديني العميق الذي ينعكس في اللوحات التي رسمها للمباني الكنسية في كل انحاء ايطاليا الى جانب اللوحات الخاصة التي رسمها حول المواضيع الدينية. جلال الخليل