من موجة تطفو على سطح البحر.. تحدق دوما في النجوم المتلالئة على صفحة الماء.. ومن غيمة داكنة يسكنها الشوق والريح والاحلام.. من التعب اليومي لقبطان فقير يبحث عن رزقه ما بين الموج الأزرق وتحت شمس ساطعة في نهار غامض مشحون بلغة الآه.. والموال.. من اب يدعى عبده عثمان مرزوق وأم تدعى سلمى جاء لهذه الدنيا محمد محملاً بالأحزان ومتشحا بالاسى والشجن لكن محمد عبده الصبي اخذ يبحث عن معنى جديد آخر للحياة فوجده في الغناء فلاذ به كملجأ أبدي ونهائي يصنع فيه اطلالته واشراقته المتجددة. من هنا شكل محمد عبده مع استاذه وصديق عمره طلال مداح ومن قبلهما رائد فن الغناء السعودي طارق عبدالحكيم قاعدة انطلاقة حقيقية تحولت الى جسر جوي حمل على متنه الاغنية السعودية لتحلق في اجواء العواصم العربية منذ اربعين عاما خلت حتى الآن.. اذ كانت الحياة الفنية في شبه الجزيرة العربية قبل هؤلاء مجرد اهازيج تراثية وفلكلور شعبي يتكيء على المجرور والعرضة والسامري والمزمار ورقصة الخبيثي والدانات وعزف السمسية السواحلية وغيرها من فنون البر والبحر التي ترافق البدو في حدوهم خلف الابل وفي حلهم وترحالهم تحت سخونة شمس الصحراء او في الابحار ضد التيار وضد الريح خلف المجهول بحثا عن الماء والكلأ ولقمة العيش في زمن صعب.. وكان لكل منهم لونه واسلوبه الخاص لكنهم جميعاً برعوا وتفوقوا في تحويل هذا الغناء الى اشبه بالصهيل والنشيد فالكلمة العامية كانت قصيدة متوهجة المعنى مملوءة بالمشاعر والأحاسيس.. وتبوأ محمد عبده هذا الخط الدرامي في الغناء السعودي منذ البداية فمع الاغنية التي قدمته للجمهور (لنا الله) اواخر الستينيات ثم اغنية لا «تردين الرسايل» و«أيوه» وارتباطه بشعر الأمير بدر بن عبدالمحسن وألحان عمر كدرس اكتمل رأس المثلث الغنائي السعودي عربيا بعد «يا ريم وادي ثقيف» لطارق عبدالحكيم وقصيدة «وترحل صرختي» لطلال مداح. لكن محمد عبده يتموضع على رأس هذا الجسر لعبور البحر والهبوط والاقلاع من مراس ومرافيء هذا العالم ليقدم فناً غنائياً من الموروث الشعبي السعودي المتطور والمتجدد عبر ايقاعات وأرتام لآلات موسيقية حديثة منحت هذا التراث ألقاً عربياً خاصاً ورسمت وحددت ملامح الأغنية السعودية ومن ثم الخليجية في وقت بدأت الساحة تشهد يومياً ظهور الاصوات الغنائية الجديدة من سوريا ولبنان ومصر وتونس والمغرب العربي والخليج، لكن محمد عبده ظل لأكثر من ربع قرن لوناً متميزاً ومتفرداً برصانة الكلمة وموسيقاه المعاصرة والتي ترتدي ثوب الاصالة والتراث. وكعادة مهرجان دبي للتسوق كان مسك الختام في حفلات حديقة خور دبي عبر ليالي التلفزيون مع الفنان السعودي محمد عبده حيث التقيناه ودار هذا الحوار: دور الغناء ـ بداية تفرض الأحداث الدامية وتعرض الشعب الفلسطيني للذبح والقتل والتدمير التساؤل المشروع حول دور الغناء العربي في دعم الانتفاضة.. فماذا تقول؟ ـ منذ الميلاد ونحن نعايش النكبات حتى أنا من مواليد 1948 تاريخ نكبة فلسطين، فكيف لنا ان ننسى مثل هذه الاحداث المهمة امتدادا الى العدوان الثلاثي على مصر حيث كنت طفلا صغيرا ثم نكسة 1967 وأحداث انتصارات اكتوبر 1973 هذه أحداث الأمة العربية المهمة تجاه اسرائيل لا أحد يستطيع ان ينساها، لكن الحدث دائما أكبر من استيعابه، وفي السعودية نحن لسنا دولة مواجهة لكن كنا متأثرين جدا بالتفاعل الفني الذي يحدث في مصر وكنا نسمع كل الاغاني من محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وتكونت لدينا في السعودية الصورة الوطنية الحماسية فنياً في الغناء، كما مرت علينا أحداث اليمن وتفاعلنا معها ونحن نتناول أي عمل وطني يتبادر الى ذهننا الأعمال الوطنية التي قدمت على حناجر وأقلام الفنانين المصريين ومن هنا تكن لدينا الحس الغنائي الوطني. والحقيقة اننا لم نتفاعل مع قضية فلسطين فنيا إلا منذ الانتفاضة الأولى في العام 1987 حيث بدأنا نستوعب هذه القضية فنيا من خلال تجاربنا وتعايشنا معها، وقد أقمنا حفلات خيرية وجمعنا آخر مرة مبلغ ستة ملايين ريال سعودي في دعم لأمهات وأطفال الشهداء، اضافة الى الكثير من التبرعات العينية مثل سيارات الاسعاف وغيرها، وفي الواقع ان العمل الفلسطيني يتكثف يوما عن يوم ويظهر مفعوله ويعبر عن أمل مستقبلي يؤكد بأن النصر قادم للفلسطينيين لا محالة رغم ما تصاب به القضية من نكسات ستبقى المقاومة موجودة ومؤشر حقيقي للنصر في ظل الحقوق الضائعة والمفقودة، ولهذا فإن الانتفاضة يجب دعمها بالمال وليس بالغناء! ـ فترة اعتزالك 8 سنوات أو احتجابك ثم عودتك أثارت الكثير من الجدل.. فهل كانت الأسباب متعلقة بالجماعات الاسلامية أو رأي الأئمة وانتشار الفتاوى؟ وهل العودة كانت بقرار حكومي؟ ـ لم أعتزل، بل احتجبت عن المسرح وعن الظهور المباشر لمدة 8 سنوات في وقفة محارب.. وقفة مراجعة مع النفس.. مع الذات، واستفدت كثيرا جدا لكنني عندما بدأت احتراف الفن لم يكن ذلك عن «عبط» لأنني قرأت جميع الفتاوى وأعرف رأي الأئمة كلهم وآراء التابعين، ومدرك تماماً لما أفعل، والآن أدرك ان الفن فعاليات اجتماعية مثله مثل أي شيء آخر في الحياة حلال وحرام بدرجات، وأي حاجة نحسن استخدامها يمكن ان تكون مباحة أو نسيء استخدامها تكون حراما، وهذا ما ينطبق على كل الأمور الدنيوية، لكن في تلك الفترة كانت بالفعل هناك تيارات اسلامية كثيرة، وكان الأفضل أن أقف وأتأمل وأتعامل مع الأوضاع السائدة، ففي تلك الفترة وجدت مجموعات معينة تدعو الى عدم السماح لفعاليات الفن بالاستمرار، وهذا يحدث مع أية نكبة أو نكسة تحل بالوطن، حيث يحمل البعض الفن كسبب رئيسي في ضياع الشباب وحدوث هياج في الشارع العربي، كما مرت عليّ ظروف خاصة حيث مرضت أمي وتوفيت في الفترة نفسها، لكنني كنت مستمرا في الغناء الوطني وقدمت أكثر من خمسين عملاً. ـ الغناء الوطني.. ما مفهومك لهذا النوع من الغناء؟ وهل كان مقدمة لعودتك بقرار حكومي؟ ـ الحمد لله ربنا «سترها» معاي جداً ولست محتاجاً لأخذ أي مبالغ من الحكومة مقابل عودتي لأن الفن رسالة فكر وما في شك ان الدولة تفتقد لرموزها وعندما يتوقف صوت مثل صوت محمد عبده عن الغناء لفترة طويلة لابد أن تفكر الدولة والمسئولون عن سبب هذا التوقف نحن وطنيون 100% ونتفاعل مع ما يمر به الوطن من احداث بشكل طبيعي وتلقائي والغناء الوطني هو العمل الحقيقي الذي يصدر بصدق من الاعماق والوجدان والتغني بحب الوطن عندنا من خلال الملك كقيمة تراثية بغض النظر عن الاسم عبد العزيز «فيصل» او فهد فالبدو عندنا عندما تسألهم عن الملك يقولون: بن سعود اصبح الحكم عندنا من التراث التقليدي الذي يوميا نتنفسه .. يوميا نغنيه .. يوميا نلبسه .. يوميا مقلد أو متقلدين به! الانتماء السياسي ـ وبهذا المعنى هل لك أي انتماء سياسي معين؟ ـ يثور ويمور محمد عبده قائلا أنا لا آكل من الشعارات السياسية قومي/ بعثي وحدوي/ ناصري / اشتراكي هذه كلها لا تمثل عندي اي شيء على الاطلاق كما أنني لست من اليمين او الشمال انا مع الوسط وانا نموذج عربي فيه الكثير من السلبيات والكثير ايضا من الايجابيات انا مع الحق والنهج الفيصلي الذي فتحنا عيوننا عليه قال ليست لنا قضية مع اليهود كدين ولكن قضيتنا مع الصهيونية والاحتلال نحن أمة اسلامية لاشرقية ولاغربية عندنا حضارة ونتطلع لان نكون متقدمين وندين لكل شعوب العالم التي علمتنا وندين لكل من له حق ومن له سبق التقدم والتحضر ونتطلع ان نكون مثله واحسن منه ولكن كنا وكان المهلكات الاربع هذه لست معها فالعرب عموما عندهم طموح وممكن ان يساهموا في نهضة العالم المتحضر لكن لدينا سلبيات كثيرة في العالم الاسلامي بينما هذه السلبيات في العالم العربي اقل! ـ لاحظت التواصل الجماهيري الكبير معك في اغنياتك القديمة مرحلة، البدايات: لنا الله ـ وابعاد ـ ايوه وغيرها بينما كانت الاغنيات الجديدة والتي تتسم بالايقاع والموسيقى المصرية غير مقبل او متفاعل معها الجمهور فهل هذا التحديث والتجديد غير موفق منك أم ماذا؟ ـ هذه ملاحظة فنية فعلا جيدة وانا معك ولاحظت ذلك ولكن التفسير واضح فالنغمة الشعبية تدق فورا في الوجدان وعلى طول يتفاعل معها الجمهور واي شكل من اشكال الموسيقى المتطورة يقف الجمهور عندها طويلا ليتأمل قبل ان يتذوق وأنت تعرف ان الانسان عموما يتفاعل مع الفن الفلكلوري الشعبي ولكني اؤكد لك بأن الايقاع الداخلي في الغناء والشعر اكثر تأثيرا في النفس من الايقاع الظاهري! ـ وهل هذا ما دفع الفنان طلال مداح لان يختلف معك في الرؤى الفنية في المقدمات الموسيقية المطولة في الثمانينيات ؟ ـ مهما اختلفت فنيا مع المرحوم الفنان طلال مداح فإن علاقتي به تظل علاقة تلميذ باستاذه وعلاقة اخ بأخيه وزميل مهنة بزميل وكنا قط لاننفصل عن بعضنا البعض وحتى في السفر كنا نسافر معا لبيروت والقاهرة وكنا نقيم الحفلات العامة والخاصة معا وشركاء في التكاليف المالية معا في الرحلات والجولات وكل مناحي الحياة هو استاذي وصديق عمري 40 عاما بأكملها؟ ـ تميز عنك المرحوم مداح بالتركيز اكثر على الاغنية القصيرة بينما ابتعدت انت كثيرا عن الفصحى في الغناء العاطفي فلماذا؟ ـ يهز محمد عبده رأسه موافقا تماما على الملاحظة لكنه يقول فعلا حدث ذلك لكننا في السعودية نعتمد على غناء الفصحى او الشعر في مقدمة الاغنية كموال وهذه الطريقة في الآداء قللت كثيرا من الاعتماد على غناء الاغنية بكاملها شعرا فصيحا لكنني بالفعل سآخذ هذه الملاحظة بكل عناية واهتمام في اعمالي المستقبلية. ـ رغم كثرة الاصوات الغنائية في السعودية هناك تشابه كبير بينها فمن هي الاصوات الواعدة من وجهة نظرك وسوف يكون لها مستقبل جيد؟ ـ نعم .. نعم هذا التشابه موجود وهو في السعودية وفي كل الساحات العربية وعندنا عبد المجيد عبدالله وراشد الماجد يمكن تقول عنهما انهما اكدا حضورهما وشهرتهما وصلت الاقطار العربية الاخرى لكنني ارى ان الصوت القادم والواعد هو ماجد الفارس.. ـ اخيرا حدثنا عن الوجه الآخر لمحمد عبده في المنزل مثلا او رأيك بالحاج متولي وما شابه ذلك من طرائف؟ ـ حسنا يضحك محمد عبده قائلا انا اخذت الكثير من اسلوب التربية الحديثة وتعاملت مع اسرتي وبناتي وابنائي بالكثير من الديمقراطية واحاول ان امزج هذا الاسلوب مع ماتربيت عليه من عادات وتقاليد لكنني افاجأ بأنهم جميعا في البيت يعاملونني مثل سي السيد!! فماذا افعل معهم؟ ـ هم اختاروا ذلك! اما شخصية الحاج متولي هذا فأنا اكرهها جدا لانه رجل متخلف يتزوج بهدف السرقة والسيطرة على اموال زوجاته ثم يرفض ان يتزوج ابنه من الفتاة التي يحبها انه رجل مريض.