بيان 2: في بيته بحي الدقي بالقاهرة يعيش وحيدا مع ذكرياته التي باتت الشيء الوحيد الذي لا يفارقه بعد أن انحسرت عنه أضواء الشهرة والمجد حيث تقدم به العمر فهو الآن قد تجاوز الـ 90 عاما، ولكنه لايزال قادرا على العطاء بالرغم من تجاعيد الزمن التي كست ملامحه وغطت بعلاماتها نضارة وجهه الذي لا تفارقه ابتسامة الرضا أبدا رغم هجرة التلاميذ والزملاء والأصدقاء من حوله. والفنان الكبير محمد توفيق صاحب تاريخ فني طويل وهو من جيل الرواد الذين أعطوا حياتهم للتمثيل والاخراج والعمل العام في شتى المجالات الى جانب أنه أحد رجال الفن الأكاديميين الذين قدموا للحركة المسرحية أجيالا من الممثلين الكبار من خلال عمله أستاذا بمعهدي السينما والفنون المسرحية بأكاديمية الفنون المصرية وقام بالتدريس في المعاهد الفنية في العراق وسوريا والكويت. ـ سألت الفنان محمد توفيق عن أحواله وكيف يقضي أوقاته وهو حالياً بعيد عن الأضواء لا يخرجه من وحدته سوى الأولاد والأحفاد؟ ـ أنا الحمد الله بخير وأشعر بالرضا وحياتي تسير بشكل روتيني عادي ولا أغادر المنزل مثل أيام زمان لأن حركتي أصبحت بطيئة وأكتفي بالراديو وشاشة التلفزيون وأقرأ القرآن وأصلي وأستقبل أفراد أسرتي ويلتف من حولي أولادي وأحفادي وهم كل دنيتي وأحيانا أتلقي اتصالات هاتفية من بعض الأصدقاء الذين يتذكروني فيسألون عني جزاهم الله كل خير وأحيانا أخرى أجلس في حجرتي وحيدا مع ذكرياتي. ـ ولماذا لم تستثمر أوقاتك في كتابة مذكراتك وأنت صاحب تاريخ فني جرى بمئات القصص والحكايات والاسرار؟ ـ خلال سنوات سابقة كنت أسجل بعض ذكرياتي ثم اصابني ضعف النظر ورغم استخدامي للنظارات الطبية الا أنني «زهقت» وقلت في نفسي أن تاريخي موجود محفوظ في السينما منذ بداية الأربعينيات وحتى آخر أفلامي «عفاريت الأسفلت» مع محمود حميدة وسلوى خطاب وجميل راتب وعايدة عبد العزيز واخراج أسامة فوزي وقد حصد الفيلم عشرات الجوائز المحلية والعالمية وأنا سعيد بالأولاد الجدد الذين شاركوا في اعداد وصناعة هذا العمل لأنه مختلف عن غيره من الأفلام الموجودة الآن. ـ تمضى لحظات صمت يقول بعدها الفنان محمد توفيق: حكاية المذكرات عايزة صحة ووقت ومزاج رايق ثم أنا عندي تاريخ كويس قادر على أن ينوب عني في الكلام فمثلا أكثر من 50 سنة سينما ثم عشرات بل مئات المسلسلات في الاذاعة والتلفزيون وسنوات أخرى عملت فيها في محطة الـ «بي.بي.سي» البريطانية وقمت بانشاء عشرات الفرق المسرحية وجمعية أنصار التمثيل وقدمنا أجيالاً وراء أجيال ولابد أن هؤلاء عندهم ذكريات يمكن أن تتحدث عني أفضل من أتحدث أنا عن نفسي. لا توجد أدوار تستفزني ـ مادامت لاتزال قادراً على العطاء فلماذا لا تعمل على شاشة التلفزيون في السهرات والمسلسلات الدرامية؟ ـ يا سيدي أنا آخر مسلسل مثلته كان «سامحوني ماكنش قصدي» وكانت الشخصية لطباخ عجوز أعتزل مهنته ويعيش وسط ناسه وأهله في حي شعبي ومن بعده لم أمثل شيئا رغم أن ابني المخرج عبده دياب في الاذاعه طلبني للعمل معه في بعض أعماله الدرامية ولكنني أعتذرت وما فيش أدوار جديدة تستفزني لاعود للتمثيل مرة أخرى التمثيل لم يعد فنا له أصوله مثل أيام زمان ولكنه أصبح اليوم قائماً على العلاقات العامة وأشياء أخرى لا أريد الخوض فيها الآن! ـ وانتقل مع محمد توفيق الى نقطة أخرى في حواري وأسأله عن أحب أفلامه الى قلبه فيقول: ـ كل أفلامي جيدة ومعظمها أدوار مهمه لايمكن حذفها من السيناريو وفيها دراما تفيد الناس مثل «شيء من الخوف» و«الأخ الكبير» و«لك يوم يا ظالم» و«قصة الوداع» و«اللص الشريف» و«أرض النيل» و«امرأة في الطريق» و«حسن ونعيمة» و«أرض الأحلام» و«تحت الصفر» و«سوبر ماركت» و«الوحش» و«بابا أمين» وهذه الأفلام التي أتحدث عنها ليست بترتيب تمثيلها ولكن هي حسب ما تمليه على ذاكرتي فأنا الآن تجاوزت الـ 90 عاما وكويس قوي انني أتذكر هذه الأعمال. ـ محمد توفيق عملاق السينما من أكثر الممثلين الذين تأثرت بهم أثناء العمل أمام الكاميرا وتركوا بداخلك بصمة قوية؟ ـ زكي رستم وفاتن حمامة ومحمود مرسي وحسين رياض ومحمود المليجي وشادية وعماد حمدي ويوسف وهبى ومحمود السباع وعبد الوارث عسر وكريمه مختار وسعاد حسني ونجلاء فتحي ويحيي شاهين. ـ وأحب أعمالك التلفزيونية التي تتذكرها الآن؟ ـ هناك أبو العلا البشري و«مايزال النيل يجري» و«القاهرة والناس» و«لسه بحلم بيوم» و«طعم الأيام» و«العسل المر» و«بين السرايات» و«يوميات ونيس» ـ وأحب الممثلين الى قلبك من الجيل الجديد؟ ـ نور الشريف ومحمد صبحي وهما من تلاميذي في معهد التمثيل وهما على درجة كبيرة من الموهبة والانضباط والالتزام والثقافة والوعي والفهم ولم يتسرب اليهما الغرور لذلك أعمالهما في صعود مستمر وأيضا أنا من أشد المعجبين بسمير غانم فهو فنان أصيل. ـ أراك تدخن بشراهه فلماذا لم تقلع عن التدخين وأنت في سن لا يسمح لك بهذا الآن؟ ـ التدخين يلازمني منذ سنوات طويلة وأحاول التقليل منه ولا أستهلك سوى علبه واحدة في اليوم. لورانس أوليفييه ـ ماذا تتذكر عن المسرح وما هي أشهر أعمالك؟ ـ المسرح جزء من كياني وحياتي وقدمت مئات المسرحيات وربما لا أتذكر منها الآن سوى عدد قليل مثل «قنديل أم هاشم» و«الزلزال» و«حبر على ورق» و«حادث قطار» و«24 ساعة» ولا تنسى انني بدأت في الفرقة القومية للتمثيل عام 1935 من خلال مسابقة تقدم اليها ألف شاب في ذلك الوقت نجح من بينهم 7 فقط كنت أنا واحداً منهم وكان زملائي حسن حلمي ومحمود السباع وعبد العليم خطاب ومحمد الغزاوي وسامية فهمي وحسن سالم ورشحنا لبعثة في بريطانيا وهناك تتلمذت على أيدي سيرلورانس أوليفييه وسير مايكل ردجرين وجورج ديفين وكان من زملائي في الدراما النجم العالمي ريتشارد بيرتون وهؤلاء ساهموا جميعا في تكويني الفني ولو لم أعد لمصر لأصبحت اليوم فنانا عالميا كما توقع لي أساتذتي وزملائي في لندن. ـ من أحسن مخرج مسرحي من وجهة نظرك في المسرح المصري الآن؟ ـ جلال الشرقاوي. ـ وفي التلفزيون؟ ـ المخرج محمد فاضل أفضل مخرجي تلفزيوني. ـ وفي الاذاعة؟ ـ عبده دياب. ـ ومن هو أفضل نجم أو نجمة مسرحية؟ ـ سناء جميل ممثله مسرحية ليس لها مثيل واشرف عبد الغفور يعجبني جداً وسمير غانم كممثل كوميدي له لونه وسكته. وقبل أن أوجه اليه سؤالا آخر قال بصوت هادئ: أرجوك كفاية أسئلة لأنني أشعر بالارهاق ولا تجعلني أعود بذكرياتي لأكثر من ذلك لأن هذا يمثل خطورة على صحتي وأعصابي وشرايين المخ لا تتحمل المزيد من النقاش والحوارات مع الصحفيين التي لا تنتهي أبدا وبالمناسبة أنا من عشاق مهنة الصحافة وكنت أتمنى أن أكون صحفيا ولكن القدر صنع مني ممثلا ومخرجا وفنانا ومعلما للأجيال وأرجو أن أكون نجحت في ذلك والعلم عند الله سبحانه وتعالى.