بيان 2: لم يكن عالم الآثار الأمريكي وليام ساتورنو يتصور انه سيتعرض لما تعرض له من جوع وعطش وانهاك عندما اختار نمطاً غير محبذ في الاستكشاف يعتمد على تتبع خطى عصابات نهب الآثار، ومع ذلك كله فقد أثمر هذا الأسلوب معه العام الماضي في جواتيمالا عندما عثر عن طريق المصادفة على لوحة جدارية في حضارة المايا بحالتها الأصلية تقريباً وبدأ باعادة تأريخ الفن ما قبل الكولمبي. وقد شرع ساتورنو الذي يعمل لصالح برنامج نقوش المايا الهيروغليفية بمتحف بيبودي في التحقق من وجود بلاطتين حجريتين تحملان نقشين تذكاريين في سان بورتولو بمنخفضات بيتان، وصل ساتورنو إلى الموقع لكنه لم يجد أي نقوش هناك، فأصيب بخيبة أمل كبيرة، وكان التعب والحر الشديدان قد نالا منه فالتمس الظل في خندق حفره رجال النهب والسلب مؤخراً للوصول إلى هرم أثري دفين. وبينما هو متوار هناك سلط مصباحه اليدوي على جدران النفق فرأى ما أذهله، ويتذكر ساتورنو تلك اللحظات المثيرة التي لا تنسى، قائلا: «انتابتني نوبة ضحك ومشاعر مختلطة يصعب وصفها، فلقد شاهدت لوحة جدارية تعود لحضارة المايا، كانت قطعة أثرية نادرة جداً، واللصوص نزعوا جزءًا منها وتركوها. شعرت بأني الرجل الأسعد حظاً على وجه الأرض». وسرعان ما عاد ساتورنو للموقع واصطحب معه عالمي الآثار ديفيد ستيورات وهكتور اسكوبيدو من جامعة «ديل فالي» الجواتيمالية، وبمقارنة اللوحة الجدارية بنقوش نافرة منجزة بالأسلوب الفني ذاته، استنتج العلماء ان تاريخ اللوحة يعود إلى عام 100 ميلادي، أي قبل 150 عاماً من بداية عهد المايا الكلاسيكي. عثر على الجدارية التي يبلغ طولها أربعة أقدام في حجرة صغيرة ملحقة بهرم يحيط به هرم خارجي كانت الحجرة مليئة بكسارة الحجارة التي جلبت للمكان لأغراض التوسع في بناء الهرم ولكن ساتورنو يعتقد ان الرسم الزيتي يغلف الجدران الأربعة كلها. حراسة النفق قام الفريق بختم النفق بالشمع الأحمر ووضعوا حراساً عند مدخله، وبدأ العلماء بعد ذلك يفكرون ملياً في مغزى اكتشافهم حيث يقول ساتورنو: «ان اللوحة الجدارية التي عثرت عليها بمحض الصدفة تعني ان كل ما نتحدث عنه انه من عصر المايا الكلاسيكي ربما يعود لفترة أقدم بكثير مما كنا نعتقد». وقد تبدت هشاشة اللوحة بوضوح خلال دقائق من اكتشافها حيث عثر على قطعة كبيرة منها مكسورة وملقاة على الأرض بين الاقذار. قام ساتورنو بكثير من العناية والحرص بإعادة القطعة إلى موضعها الأصلي على الجدار المتقلقل. ويعزو ساتورنو بقاء اللوحة الجدارية في حالة ممتازة حتى الآن إلى طبقة الطين الواقية التي كسا بها رجال المايا قبل ان «يقتلوا» الحجرة بصورة شعائرية عندما ملأوها بكسارة الحجارة. تابع ساتورنو وستوارت البحث بين الانقاض في أرض الحجرة والتقطوا نثرات صغيرة من الجدارية وأرسلوها فيما بعد إلى المختبر من أجل تحليل المواد الصباغية التي استخدمها فنانو المايا في الرسم في ذلك العصر والتمحيص في طبيعة المواد اللاصقة المستخدمة لتعليق اللوحة بالجدار بهذه المتانة التي تنم عن تقدم حرفي مثير للاعجاب حققته تلك الشعوب البدائية. وسيتضح معنى ومغزى هذا الاكتشاف الأثري الهام خلال الشهور القليلة المقبلة عندما يطلق ساتورنو برنامجاً مدته خمسة أعوام للحفر والتنقيب في الموقع ذاته ولصيانة الآثار الفنية المكتشفة هناك، وفي حين ان حجم الحجرة لا يزال مجهولاً إلا ان ساتورنو يتكهن بأن القسم الظاهر من اللوحة الجدارية لا يشكل سوى نسبة 10 بالمئة من حجمها الكامل. ويقول ساتورنو ان اكتشاف هذه اللوحة الجدارية القديمة قد يكون بأهمية اكتشاف ان فن عصر النهضة بدأ قبل قرون مما كنا نتوقع. ويعتقد العلماء ان الجزء المكشوف في الجدارية الزيتية يصور مشهداً من أساطير المايا، ويقول البروفيسور كارل تاوب في جامعة كاليفورنيا انه يمثل اكساء إله الذرة، حيث تظهر في اللوحة نساء نصف عاريات ورجل أسود الوجه يركعون أمامه. لكن ديفيد ستوارت يحذر من التسرع في تفسير الرسومات الأسطورية ويقول: «ان اللوحة قديمة جداً، ولا يمكن الجزم الآن بتأويل تفاصيلها». ويرى علماء آخرون ان الطابع الشعائري الواضح في الهرم الذي يبلغ ارتفاعه 80 قدماً يعزز احتمال نفسير اللوحة الجدارية من منظور أسطوري له علاقة بآلهة المايا وطقوس التعبد ويجمع هؤلاء على ان الجدارية تعتبر أقدم لوحة معروفة إلى الآن لأساطير المايا. علي محمد