اشتهرت اليمن منذ القدم بصناعة الفضة وصياغتها بأشكال ونماذج مختلفة تفنن الصاغة في ابراز مهاراتهم بتلك النماذج التي ظلت الى حدود ما قبل عشرين عاما هي الحلى الرئيسية لزينة المرأة اليمنية، ثم اخذ الاقبال على الفضة يتراجع شيئا فشيئا نتيجة انصراف المرأة اليمنية عنها الى الذهب والعقود المستوردة من المعادن والجواهر الاخرى. غير انه ومنذ منتصف التسعينيات عادت لمعدن الفضة مكانته في السوق اليمنية وعند المرأة اليمنية بعد ان ظهر صناع جدد وصاغة يشكلون هذا المعدن وفق تقليعة الحاضر واذواق النساء العصريات وتعزي استعادة صيغة الفضة لمكانتها في السوق اليمنية ولدى المرأة اليمنية الى الجهود التي بذلتها الهيئات المعنية بالصاغة التقليدية والحرفية في اليمن لاحياء العديد من تلك الحرف التي كانت في حكم المنعدمة او في طريقها للاندثار نظرا لان المصوغات القديمة وجدت طريقها الى الخروج من اليمن اما عن طريق السياح الاجانب او سماسرة اجانب ومحليين كانوا يطوفون في القرى والبوادي اليمنية لجمعها بأبخس الاثمان، ومن ثم بيعها لتجار من بلدان شتى. وفي هذا الاطار يقول علي مانع المنحدر من منطقة اوصاب المشهورة بصناعة الفضة وهو احد صائغيها ان العشر سنوات الاخيرة وربما الخمس عشرة سنة الاخيرة شهدت اقبالا كبيرا على المصوغات الفضية اليمنية التقليدية التي اخذت تتسرب الى خارج اليمن، واخذ هذا الاقبال على المشغولات الفضية التقليدية في اليمن خلال تلك الفترة شكلين اثنين: الاول تمثل باقبال السياح الاجانب على شراء العقود العتيقة كتحف نفيسة يحبذون جلبها الى بلدانهم وكان يلاحظ خلال المواسم السياحية النشطة الكثير من النساء الاجانب وهن يتحلين بتلك العقود او الخواتم في الاسواق اليمنية وادى هذا الاقبال على المصوغات التقليدية الفضية الى تزايد عدد المحلات التي فتحت ابوابها لبيع تلك المشغولات على هؤلاء السياح الاجانب، ويوضح مانع في هذا الاطار قائلا الجدير بالاشارة ان تلك المحلات التي انتشرت خلال الخمس عشرة سنة الماضية كان نشاطها محصورا فقط بجمع العقود والحلى الفضية التقليدية ومن ثم تصنيعها وتنظيفها وعرضها للبيع في تلك المحلات التي لم يكن لها اي نشاط في مجال الصياغة وهذا ادى الى تسرب وخروج الاشكال الجميلة والنادرة، وعلاوة على ذلك اتخذ تسريب حلي هذا المعدن النفيس الى الخارج شكلا اخرا حيث تزايد عدد الوسطاء والسماسرة الذين كانوا يجوبون المناطق والقرى اليمنية بحثا عن الانواع النادرة من القلائد والعقود والخواتم وكان يدفعهم الى ذلك ان الكثير من تلك العقود كانت مطعمة بأحجار ثمينة وغالية جدا مثل الياقوت والجواهر والزبرجد وغيرها واستطاع مثل هؤلاء السماسرة الذين كانوا يعملون لوسطاء لتجار اجانب ان يجمعوا ما غلا ثمنه بأبخس الاثمان مستغلين تراجع اهمية الحلي الفضية عند المرأة اليمنية والاستغناء عنها بالتزين بالذهب ولان مثل تلك العقود والقلائد هي في الاصل متوارثة من الاجداد والاباء الى الابناء والاحفاد فقد كانت بعضها مطعمة بأحجار نفيسة وغالية الثمن يصل بعضها الى الاف الدولارات كما هو الحال بالنسبة لحجر الياقوت ومع الاسف الشديد الكثير منا لم يدرك الامر الا بعد فوات الاوان. وعلى سبيل المثال كان هناك تاجر اوكراني وزوجته يأتون الى اليمن ويجمعون تلك الحلي بغرض جمع الاحجار الكريمة التي عليها وبالتالي الاستفادة منها استفادة مزدوجة حيث كانوا يحملونها الى الخارج لبيعها كعقود فضية ويبيعون احجارها بأثمان خيالية ولم ندرك الامر الا مؤخرا عند معرفة سر اقبال الاجانب على هذه العقود ودفع ثمن مقابل لها يفوق سعرها المعتاد، ويخلص علي مانع الى القول ان مثل هذه العوامل كادت ان تؤدي الى انقراض القلائد والعقود التقليدية اليمنية من السوق. تراجع الحلي من الواضح ان تراجع اهمية الحلي الفضية عند المرأة اليمنية ساهم ايضا الى جانب تسربها من اليمن الى الخارج في ركود سوق الفضة وتراجع نشاط صياغته وصناعته بشكل كبير وفي هذا الاطار، يقول طاهر ناجي الذي كان احد الصناع المهرة قبل عشرين سنة وعاد للعمل من جديد في هذه الصنعة منذ اربع سنوات انه بسبب تراجع الاقبال على الحلي الفضية عند المرأة اليمنية اغلق الكثير من الصناع محلاتهم بل ان اغلبهم هجر هذه المهنة وتحول الى مهن اخرى والقليل منهم ممن كانوا يمتلكون بعض المال تحولوا من صياغة الفضية الى صياغة الذهب تماشيا مع الموضة، ويستطرد طاهر موضحا ان نشاط هؤلاء اصبح محدودا للغاية الى حدود الاربع سنوات او الخمس سنوات الماضية اد بدأ يعود هذا النشاط الى السوق شيئا فشيئا مع تبني الدولة لاعادة التأهيل لهؤلاء الصناع وتدريبهم في المركز الوطني للحرف اليدوية مضيفا ان النشاط لسوق الفضة رغم عودته الا انه يظل دون الآمال المعقودة عليه. وفي الاطار ذاته يقول عبدالمجيد المصباحي مدير التدريب في المركز الوطني للحرف اليدوية في الحقيقة ان صناعة وصياغة الفضة في السنوات الاخيرة كادت ان تكون في حكم الصناعة المنقرضة بعد ان تركها الكثيرون وهجروها بسبب تراجع جدواها والاقبال عليها والمعروف ان اليمن عبر التاريخ كانت تشتهر بهذه الصنعة بل ان هناك مدنا ومناطق محددة ارتبط اسمها بصياغة الفضة مثل صعدة وزبير واصاب وحراز لكنها خلال السنوات العشرين الماضية فقدت تلك الاهمية وتراجع بصورة كبيرة فيها الاشتغال بصياغة الفضة الى درجة كبيرة في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من الشباب من البطالة كما ان نهم السياح الاجانب على العقود والقلائد الفضية التقليدية وتهريبها من قبل وسطاء وسماسرة يمنيين واجانب الى الخارج كاد ان يمحي ويقضي على الخبرة الجمالية والفنية لهذه الصناعة التي تراكمت عبر مراحل التاريخ وشكلت بتراكمها ذلك جزءا من التراث الفني اليمني التقليدي، وامام هذه المخاطر التي اخذت تحيط بهذا النشاط لم يكن امام الحكومة اليمنية ممثلة بوزارة الثقافة والهيئات المعنية بالمحافظة على التراث الا ضرورة الاسراع بتبني خطة لتدارك ما يمكن تداركه، وكان احداث المركز الوطني للحرف التقليدية واليدوية احدى ثمار هذه الخطة الذي بدأ منذ العام 1997 بتنظيم دورات تدريبية وتم استقدام المتخصصين الذين كانوا يعملون في تلك الحرف وتركوها او ظلوا يمارسونها على نطاق محدود ومن اولئك صاغة وصناع الفضة الذين باشروا بتنفيذ برامج تدريبية داخل المركز للكثير من الشباب الذين انخرطوا في دورات مكثفة استمرت لمدة ستة اشهر وعلى فترات متفرقة وعند انتهائهم من تلك الدورات اشتغلوا في محلات لصياغة الفضة او افتتحوا محلات خاصة بهم وبالنتيجة بدأت هذه الصنعة التي كادت ان تندثر بالعودة الى السوق اليمنية شيئا فشيئا كما تم استعادة هذا النشاط لبعض من وجوده كما هو واضح من خلال تزايد عدد المحلات في السوق اليمني. العودة للقديم ويقول ابراهيم محسن احد صاغة الفضة في سوق صنعاء القديمة السنوات الاربع الاخيرة شهدت عودة المرأة اليمنية الى اقتناء الحلي الفضة اما على هيئة قلائد او سلاسل او عقود وخواتم والكثير من الصاغة يحاولون مجاراة الذوق العصري من خلال تشكيل نماذج عصرية تلائم اذواق شباب اليوم علاوة على صناعة اشكال وفق الطراز التقليدي حيث الفتيات من المثقفات والمتعلمات يحبذن تلك الانواع التقليدية او التي تحاكيها ويستطرد ابراهيم موضحا ان الرجال ايضا خلال السنوات الاخيرة اصبحوا اكثر ميلا الى اختيار دبلة الخطوبة من الفضة او الخواتم التي يحبذونها وبدأ الكثير منهم يتخلى عن عادة ارتداء الدبل او الخواتم من الذهب مرجعا ذلك الى الصحوة الاسلامية التي تحرم ارتداء او التزين بالذهب وتحث الناس على الابتعاد عنه لتحريمه واستبداله بالفضة وهذا ساهم في استعادة النشاط لمكانته وحضوره. واجمالا يرصد المتابع عودة ملحوظة لصناعة وصياغة الفضة في السوق اليمنى بيد ان هذه العودة تظل محدودة اذا ما قورنت بالمكانة التي كان يحتلها معدن الفضة كعملة نقدية في مختلف العصور او كحلي تتزين بها المرأة اليمنية والسبب ان اذواق النساء والرجال على حد سواء صارت تتحكم بها وسائل وقيم تترسخ يوما بعد يوم لا يمكن ان تفسح المجال واسعا لذلك الازدهار والرواج الذي كان يحظى به معدن الفضة في حياة اليمنيين قديما.