تزخر ولاية باتنة عاصمة الأوراس (450 كلم شرق الجزائر) ـ بإمكانيات سياحية كبيرة، منها الآثار الرومانية في أماكن عدة أبرزها تيمقاد أكبر مدينة رومانية محفوظة على المعمورة ، وهي مصنفة ضمن التراث العالمي وتوجد بالقرب منها مدينة «لامبيز» التي لا تقل أهمية عنها وتحوي متحفا كبيرا للآثار الرومانية ومواقع أثرية كثيرة .ويوجد بغرب الولاية قبر «مدغاسن» الشهير الذي يقف شاهدا على المواقع الجنائزية عند ملوك البربر الغابرين، وكذا قلعة «بالول» الواقعة جنوب الولاية وهي مبنى بثلاثة عشر طابقا بني بالحجر قبل قرنين وسقوفه من الخشب ويتوسط غابات الصنوبر السامق، كما تزخر باتنة بمواقع سياحية أخرى كالحمامات الطبيعية والجبال الشاهقة مثل جبل المحمل ـ 2321 كلم. الذي اتخذته السلطات الفرنسية أثناء استعمارها للجزائر موقعا للتزحلق على الثلج وهو ثاني أعلى جبل بعد جبل شليا الذي يقع شرق المدينة وبه مناظر خلابة. بيد أن موقع شرفات غوفي جنوب الولاية يبقى معلما سياحيا متميزا ليس في الجزائر فحسب بل في العالم كله . تقع قرية غوفي جنوب الأوراس على حدود مدينة بسكرة بوابة الصحراء الجزائرية، كان سكانها يعيشون على الزراعة كالنخيل والزيتون ويربون المواشي ولا سيما الماعز، لكنهم أخذوا يتعلقون بالحياة الحديثة بعد استقلال الجزائر عام 1962، وكانت شرفات غوفي كافية لتحويل القرية الصغيرة ذات الطابع الفلاحي إلى قرية كبيرة تعيش على السياحة فأخذت المحلات التجارية تنبت على طول الطريق الرئيس وبرع شبابها في فن النجارة ولا سيما النقش على الخشب والنحاس وإبداع تحف تحافظ على أناقة النقش البربري القديم وهو ما يبتغيه السياح ولا سيما الأوربيون. تقع شرفات غوفي وسط ديكور طبيعي خلاب حيث يشبهها العارفون في أمور السياحي بمنطقة الكولورادو الأمريكية، لكن ديكور شرفات غوفي أكثر تنوعا وجمالا، حيث تمتد سلاسل صخرية في تموجات بديعة ترتفع من أسفل الوادي بعلو 60 مترا، وقد حفرت العوامل الطبيعية أخاديد وبيوتا حجرية بديعة في الصخر المتناظر على ضفتي الوادي . كما بنى السكان في القرون الماضية بيوتا في تلك الأخاديد لا تزال أثارها ماثلة للعيان إلى اليوم، ويذكر شيوخ غوفي أن أجدادهم القدامى بنوا تلك البيوت ليدخروا فيها المؤونة ويحتموا بها أثناء الحروب، وهي تشبه البيوت المعلقة بمنطقة رمان شمال مدينة بسكرة وعلى مبعدة 35 كلم عن غوفي، حيث يعتقد أن «ديهيا» وتلقب عادة بالكاهنة وهي ملكة البربر التي انهزمت أمام المسلمين الفاتحين بقيادة حسان بن النعمان هي من بنت تلك البيوت المعلقة ليحتمي بها جيشها عند الحاجة. وهي شبه مغارات في جبل صخري شاهق وترتفع عن الأرض بأربعين مترا، تشير بعض الدلائل الى أن القاطنين يصلونها بواسطة حبال وسلالم خشبية ترفع بمجرد النزول أو الصعود. البيوت الحجرية وتتناسق البيوت الحجرية القديمة المنحوتة في الصخر المرتفع على ضفتي الوادي الأبيض مع الصخور التي شكلت منها عوامل الطبيعة شرفات بديعة يطل منها السائح أسفل الوادي حيث أشجار الزيتون والنخيل والرمان . أما الوادي الأبيض فيصب من أعالي جبل «شليا» الذي تعلو قممه عمامة ثلجية ناصعة طوال أيام الشتاء والربيع. ويقطع هذا الوادي مسافة 70 كيلومترا ليصل إلى غوفي، وعلى ضفتيه ترتفع هامات نخيل باسقة، وأشجار الرمان وغيرها من الفواكه، وتقصد النساء هذا الوادي للغسيل حتى اليوم، وهو ما سحر الرسامين الغربيين الذين زاروا الجزائر في فترة الاستعمار الفرنسي واستوحوا من ذلك لوحات فنية جميلة لا تزال متاحف أوروبية عديدة تحتفظ ببعضها إلى اليوم. وظلت شرفات غوفي تمارس سحرها وشاعريتها على الرسامين، حيث تنقل الفنان الجزائري طمين إلى هذه القرية وعاش فيها كما عاش الرسام العالمي إيتان دينيه من قبله بمدينة بوسعادة الجزائرية فجعلا من الطبيعة المصدر الأول للإلهام الفني. وفي أسفل الوادي تقع قرية بربرية بنيت بيوتها من الحجر وسقوفها من الخشب وسطوحها من التراب، وهي شاهد على النمط المعماري الذي عرفته المنطقة في القرنين الماضيين. وتجتمع في غوفي أجواء الصحراء والجبال والصخور التي تلين وتشكل لوحات بديعة يكتسي جمالها مزيدا من التعبير والسحر أثناء شروق الشمس أو غروبها وهي لحظات ساحرة طالما أسرت زوار المكان خاصة الأجانب منهم. أنامل المرأة في خدمة السياحة استعدت مدينة غوفي منذ فترة الاستعمار الفرنسي لتكون منتزها وموقعا سياحيا متميزا فكان الأوروبيون يزورونها أفواجا ويكون إقبالهم أكثر في فصلي الشتاء والربيع حيث الجو معتدل ومنعش، وقد ورث سكانها حسن استقبال الضيوف والزوار، فالمرء لا يحس أنه غريب في غوفي لأن السكان يتسابقون على تقديم المساعدة التي تسمح له بقضاء أحلى الأوقات . وفي ظل ازدهار السياحة نشطت الصناعات اليدوية والحرفية النسوية، فشاركت المرأة مشاركة فعالة في السياحة وبرعت في حياكة مفروشات بديعة من الصوف والوبر وشعر الماعز نالت شهرة كبيرة لدى السياح الأوروبيين، وقد انتشر على طول الطريق الرابط بين مدينتي بسكرة و باتنة الذي يتوسط القرية ما يقارب من عشرين محلا لبيع التحف، لكن أبوابها اليوم صارت موصدة لأن حال السياحة لم يعد كما كان في السابق ويذكر سكان القرية أن السياحة تأثرت بتصاعد الأزمة السياسية في الجزائر مطلع التسعينيات، وازدادت تدهورا مع تفاقم المشاكل الأمنية منذ عام 1994 فانقطع السياح الأجانب من سويسريين وفرنسيين وألمان وغيرهم من الأوربيين، كما ثقلت حركة السياح الجزائريين فكسدت الصناعات التقليدية ولم يجد الشباب موارد الارتزاق فهاجر أغلبهم إلى المدن الكبرى بدءا بباتنة عاصمة الولاية بحثا عن أسباب العيش. كما حول الفندق الوحيد الذي كان يستقبل السياح إلى مقر لأفراد الجيش الذين جاءوا لرد الجماعات المسلحة بعدما اغتال رجالها العديد من المواطنين عبر الطريق المؤدي إلى غوفي. فغرقت المنطقة في النسيان والإهمال، بل أخذت مواقعها السياحية تتعرض للتلف بسبب قلة العناية. وتحدث رئيس بلدية غسيرة ـ التي تنتمي إليها قرية غوفي ـ عما آل اليه الوضع وقال « إن المواقع السياحية تمر بفترة حرجة جدا ويهددها خطر غير مسبوق . وقد أغلق 15 محلا لبيع الزرابي والتحف التقليدية أبوابها، وكانت في الماضي تنشط طوال السنة، كما أن بيوت القرية القديمة بغوفي أخذت في السقوط الواحدة تلو الأخرى . وقد وجهنا نداءات عاجلة إلى وزارة السياحة لترميم المساكن القديمة والقلعة والمسجد التاريخي الذي بناه أحمد باي لما فر من قسنطينة إثر سقوطها في يد الفرنسيين ».ولم يخف رئيس البلدية قلقه إزاء تراجع عدد السياح . ويتضح أن الظروف الأمنية ليست السبب الوحيد في ذلك لأن الحالة الأمنية تحسنت جذريا في السنتين الأخيرتين، لكن حال القطاع لم يتغير، ويرى مدير السياحة أن غياب السياح يعود إلى انعدام هياكل الاستقبال والترفيه كالفنادق اللائقة ووسائل الاتصال وغيرها من أسباب راحة الزوار . ومن جهته يقول مفتش السياحة والصناعات التقليدية أن قرية غوفي تملك إمكانيات سياحية كبيرة ومواقع عذراء تحتاج إلى استثمارات كبيرة في هذا المجال مثل بناء هياكل الاستقبال لتشجيع تدفق السياح، وكذا بعث النشاطات الثقافية المعروفة بالمنطقة مثل مهرجان غوفي الذي أقيم عام 1996 وتوقف في عام 1998 بالرغم من الصدى الكبير الذي حققه. وذكر مدير السياحة لولاية باتنة أن هناك دراسة جارية لبناء قرية سياحية في غوفي مجهزة بالمرافق الضرورية والتجهيزات الحديثة لتستقبل السياح في أحسن الظروف، فيما يتم ترميم القرية القديمة لتبقى معلما سياحيا وشاهدا على الهندسة المعمارية البربرية في تلك المنطقة. و بالنظر إلى الإمكانيات الطبيعية الكبيرة التي تمتلكها المنطقة وجه المسئولون المحليون دعوات لرؤوس الأموال الجزائرية والأجنبية للاستثمار في قطاع السياحة وإحياء غوفي لتصبح قطبا سياحيا رائدا ليس في الجزائر فحسب بل وفي المغرب العربي كافة.