تعتبر اعمال المسح الجيولوجي من اكثر الطرق فعالية في دراسة طبقات الارض وفي توجيه اعمال البحث والتنقيب واستكشاف مكامن الخامات والثروات المعدنية واللامعدنية وذلك من خلال الربط المباشر لهذه المكامن والثروات بالمستويات الليتولوجية والتشكيلات الجيولوجية والصخرية المختلفة. كما تعتبر الخرائط الجيولوجية الناتجة عن هذه المسوح اساسا لكافة الدراسات والاعمال الجيولوجية اللاحقة، حيث تساعد المهندسين في تحديد مواقع الانشاءات الهندسية وتسهل عمل المنقبين عن الثروات الطبيعية والباطنية وتبين للمزارعين نوعية الترب ومواصفاتها وتقدم المعلومات اللازمة لاعمال التعدين والمقالع واستخراج النفط والغاز الطبيعي وتحديد مواقع ومصادر المواد الخام اللازمة للصناعة والبناء، كما تحدد اماكن الاستقرار الجيولوجي والاماكن المتحركة غير المستقرة والمعرضة للنشاطات الزلزالية والحركات التكتونية المتنوعة. وفي هذا الاطار تعتبر المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية من الشركات الرائدة في سوريا في مجال اعمال التنقيب عن الثروات الطبيعية واللا معدنية بالاضافة الى مشاريعها في مجال الرصد الزلزالي وتطبيق خطة عملية متطورة تهدف الى تحليل الاحداث الزلزالية عن بعد. ومن خلال موقعه كمدير عام لهذه المؤسسة يقدم الدكتور محمد طلال بلاني رؤيته العلمية حول واقع الثروات المعدنية في سوريا في ظل المشاريع الحالية والمستقبلية وذلك في اطار هذا الحوار الخاص الذي جمعنا به في مكتبه بدمشق. يقول الدكتور محمد طلال بلاني مدير عام المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية: تهدف اعمال المسح الجيولوجي الى تقديم معلومات جيولوجية تفصيلية كافية وضرورية لمختلف مجالات وفروع الاقتصاد والاعمال التنموية حيث تتضمن هذه الاعمال والمسوح دراسة كافة النواحي المتعلقة بالبنية الجيولوجية وتاريخ التطور الجيولوجي للمنطقة ودراسة الزمر الصخرية المختلفة والخامات المرافقة لها، بالاضافة الى دراسة العوامل والحركات التكتونية والجيوديناميكية المؤثرة في منطقة الدراسة وتقييم مأمولية الخامات والثروات المفيدة وتوضيح آلية توزعها في منطقة الدراسة. وقد كان من النتائج الاقتصادية لاعمال المسح الجيولوجي التوجيه بأعمال التنقيب عن الفوسفات والحديد والملح الصخري والمنجنيز والاميانت والغضار والجص والكبريت والرمال والدولوميت والاحجار الكلسية ومواد البناء. وقد اشارت المسوحات المنجزة حديثا في سوريا الى توضعات اقتصادية من خام الزيولويت وتوضعات الرمال الكوراتزية والغضاريات والصخور الكلسية شبه الرخامية والتوضعات الفوسفاتية والطف البركاني وغيرها وكثير من النتائج العلمية الهامة بالنسبة الى جيولوجية سوريا وتاريخ التطور الجيولوجي فيها. ـ وماذا عن الاحتياطي من الثروات المعدنية في سوريا في السنوات العشر المقبلة؟ ـ لا شك ان الاراضي السورية غنية بخامات معدنية ومواد بناء وصناعة عديدة، حيث تتوفر هذه المواد باحتياطات كبيرة جدا «عدة مئات ملايين الاطنان» واحيانا تصل الى المليارات مثل الفوسفات «حوالي 2 مليار طن» والطف البركاني «حوالي 3 مليارات طن» وبنوعيات ومواصفات «تركيب كيميائي وفيزيائي» عالية الجودة ومناسبة للصناعات الاساسية التي تعتمد على هذه الخامات كمواد اولية رئيسية. فالشركة العامة للفوسفات والمناجم التابعة للمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية تنتج حاليا حوالي 2.5 مليون طن سنويا من مادة الفوسفات جاهزة للصناعة والتصدير ويجرى حاليا اقامة مصنع لغسيل الفوسفات في مناجم الشرقية بطاقة 1.2 مليون طن سنويا من الفوسفات الفني بنسبة P2.5 اكثر من 31% منافس جيد من الناحية النوعية والبيئية في السوق العالمية. وبذلك سيصل انتاج الشركة من الفوسفات بنهاية عام 2002 حوالي 3.8 ملايين طن سنويا ومن المتوقع ان يزداد انتاج الفوسفات بحلول عام 2010 الى حوالي 8 ملايين طن مع ازدياد الطلب الداخلي والخارجي على هذه المادة الهامة لانتاج الاسمدة الفوسفاتية والمواد الكيميائية الاخرى ذات العلامة وقد قامت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية بجهود كبيرة خلال العقدين الماضيين لاعداد دراسات جدوى فنية ـ اقتصادية لاكثر من خمس عشرة مادة خام لاقامة صناعات جديدة تعتمد على هذه المواد بالاضافة للصناعات القائمة، كما تسعى المؤسسة حاليا لتحديث هذه الدراسات على ضوء المتغيرات التقنية والاقتصادية وترويج لاقامة مشاريع مشتركة او 10% قطاع محلي او عربي او دولي. ـ والى اين وصلت اعمال التنقيب عن الثروة المعدنية حاليا؟ ـ اعمال التنقيب عن الثروات الطبيعية المعدنية واللا معدنية هي من اهم الاعمال التي تقوم بها المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية وحسب الخطط الموضوعية فان المؤسسة تقوم بتنفيذ اعمال التنقيب عن الثروات المعدنية المحتملة والتي دلت المؤشرات الاولية عن احتمالية وجودها. كما تقوم المؤسسة باعمال التنقيب التفصيلي للخامات المعدنية واللامعدنية التي كشفتها اعمال التنقيب الاولى وذلك لتطوير احتياطياتها حيث تهدف اعمال التنقيب عن الفوسات للكشف عن توضعات جديدة للفوسات وتطوير الاحتياطات المعروفة سلفا وقد تم خلال العامين 2000 ـ 2001 اضافة 5 ملايين طن احتياطي مؤكد من الدرجة B لمكمن خنيفيس بتدمر، كما تم الكشف عن حوالي 230 مليون طن ونصف مليار طن من الدرجة C في مكمن الشرقية هذا بالاضافة لاحتياطي يزيد على مليار طن. كما كشفت اعمال المسح الجيولوجي للمنطقة البركانية الجنوبية الشرقية من سوريا عن توضعات بيروكلاستية طيفة حاوية على خام الزيوليت في ثلاثة من مواقع رئيسية «السيس ـ المكجلات ـ ام أذن». ومن خلال اعمال التنقيب الاولى والتفصيلي تم تقدير احتياطي مؤكد وشبه مؤكد بحوالي 600 مليون طن من الطف الحامل للزيوليت وتتراوح نسبته في الصخر ما بين 20 ـ 60% . مشروع الركازات ـ وماذا عن الذهب ومشروع الركازات الثقيلة؟ ـ من خلال اعمال المسح الجيوكيميائي تم العثور علي تمعدنات هيدروتر مالية في منطقتي المعرة «تل الزيتون» و«بيت جن»، حيث ظهرت هذه التمعدنات على شكل عروق تملأ الشقوق في الصخور الكلسية حيث بينت نتائج العينات السطحية والمأخوذة من حفر بأعماق تزيد على ثلاثة امتار في محتوى النحاس والرصاص والكوبالت والنيكل كما نتابع حاليا دراسة هذه المواقع بالطرق الجيوفيزيائية للتعرف على شكل وامتداد هذه المتعدنات تحت السطح. اما بالنسبة للذهب فقد تم العثور على العديد من حبات الذهب في العينات المأخوذة من رسوبات عدد من الاودية في منطقة الغاب حيث يتابع البحث للوصول الى مصدر هذه الحبات. كما دلت اعمال المسح الركازي في مناطق شرق وغرب انهدام الغاب في اواسط سوريا على وجود فلزات عميقة المنشأ «جارنت، بيروكسين، المنيت، كروم سبينل» وبينت نتائج تحليل هذه الفلزات في مخابر خارجية في روسيا وفرنسا، والهند بأن تركيبها يشبه مثيلاتها في الصخور العميقة المنشأ، كما ان المعطيات الحقلية والمخبرية المتوفرة من المناطق المدروسة على جانبي الانهدام تؤكد وبشكل اولي انه تم تحديد فلزات «جارنت، كروم وبوكسيد» من مناطق القرداحة، المعرة، وادي النقير، تشبه بخصائصها التركيبية مثيلاتها في الكمبرليت الحامل للالماس من النمط الايكلوجيتي. كما ان النتائج الحقلية والمخبرية التي تم الحصول عليها حتى الان ايجابية ومشجعة لاستمرار البحث والتنقيب عن الصخور العميقة المنشأ والتي من المفترض ان تكون مصدرا لهذه الفلزات. ـ كيف تمتلك المؤسسة شبكة متطورة للرصد الزلزالي، ما اهمية هذه الشبكة وما هي قدرة الابحاث التي يجري تتسجيلها لتطوير الكود السوري؟ ـ بالفعل تمتلك المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية شبكة متطورة للرصد الزلزالي مؤلفة من قسمين: شبكة تليمترية وشبكة الحركات القوية، حيث تقوم هذه الشبكة بتسجيل الاحداث المحلية والاقليمية وتفسيرها واسقاطها على الخرائط المناسبة لمعرفة توزع هذه الاحداث ومطابقتها مع الوحدات البنيوية للاراضي السورية بهدف تعزيز المعرفة العلمية عن النشاطات السيسمولوجية وامكانية استخدامها في تطوير الكود الانشائي السوري. كما ان بدء عمل شبكة الرصد الزلزالي في بداية عام 1995 يعتبر نقطة تحول اساسي في مجال تخفيف الخطر الزلزالي في سوريا، حيث بدأت الشبكة تقدم اساسا للمعطيات المسجلة آليا والمعالجة في تخديم كل الجهات المعنية بالعمل الزلزالي والدراسات والبحوث المرتبطة وخصوصا تلك المعنية بتخفيف الخطر الزلزالي في سوريا والتي تمثل خمسين محطة رصد مع الجزء الشمالي والغربي من سوريا حيث ستضاف مجموعة اخرى ضمن خطة التوسع التي ستشمل كامل الاراضي السورية. ـ وهل هذا التوسع سيشمل مشروع تحليل الاحداث الزلزالية عن بعد؟ ـ يهدف مشروع تحليل الاحداث الزلزالية عن بعد الى القيام بتحليل الحدث الزلزالي عن طريق الفني المحلل من منزله باستعمال خط هاتفي موصول به حاسب محمول بحيث يتلقى المحلل اشارة انذار عندما يتم تسجيل حدث معين لدى المحطة المركزية للرصد الزلزالي الذي يقوم بشكل آنٍ بتأسيس الاتصال مع المحطة المذكورة ونسخ الملف الخاص بالحدث ومعالجته وتحليله في حال كونه حدثاً زلزالياً واعطاء كافة البارامترات المتعلقة به الى الجهات ذات العلاقة وذلك عن طريق الفاكس وخلال مدة اقصاها 10 ـ 15 دقيقة من بدء التسجيل وتلقي الانذار وبنفس الوقت يحفظ على منظومة الحوسب المحمولة الموجودة في منازل الفنيين المحللين، حيث يعتبر هذا المشروع في مراحله الاخيرة وسيتم الانتهاء منه وتطبيق استخدامه بشكل نهائي في فترة قريبة جدا بعد ان يتم الاختبار الاولي عليه، وذلك ضمن العقود المنفذة مع الكادر السوري والتي ابرمت مع مركز الدراسات والبحوث العلمية في سوريا.