حي المعادي أحد أرقى أحياء العاصمة المصرية والذي طالما تميز بالهدوء والشياكة والفيلات القديمة ذات الطابع الإنجليزي والشوارع المزدحمة بالأشجار إلى جانب الأبراج الفخمة، التي تطل على كورنيش المعادي بدا في الآونة الأخيرة وكأنه تحول إلى بوتقة انضم فيها الاجانب والمصريون بشكل عجيب خاصة بعد أن إزداد عدد الأفارقة من المقيمين في الحي بشكل مثير للإنتباه ويدعو للتساؤل . وقد لا يبدو سكن الأجانب فيها مثيرا للدهشة حيث يوجد بها بعض القنصليات والهيئات الأجنبية العاملة في مجال البيئة خاصة وأنهم وراء نشأة الحي نفسه إلا أن تمركز الأفارقة في حي المعادي تحديدا يبدو غريبا وهؤلاء الذين وفدوا من بلادهم حيث ضيق الحال أو الحروب الأهلية يشجعهم على هذا حرص مصر على البعد الافريقي والمنح الدراسية التي توفرها لمتفوقين منهم وهم يفدون إلى مصر إما للإقامة حتى تتحسن أحوالهم في بلادهم الأصلية أو كي تكون ترانزيت للإنطلاق إلى أمريكا وكندا وأوروبا. أهالي حي المعادي وعدد من السماسرة وأصحاب المحال يرون أن أسعار السكن المنخفضة نسبيا وهدوء الحي ومترو الأنفاق الذي أصبح يربط المعادي بالقاهرة في نحو 15 دقيقة من أهم العوامل التي شجعت الأفارقة على الإقامة بها إضافة إلى المناخ الجاف الذي تتمتع به الضاحيه القريبة من حلوان . نشأ حي المعادي عام 1907 على يد شركة ذات طابع « أنجلوساكسوني» إبان الإحتلال الإنجليزي لمصر وجاء هذا بالصدفة حيث كانت هناك شركة إسمها شركة سكك حديد الدلتا مدت خطوطها إلى حلوان وكانت القضبان تمر بطبيعة الحال بالمعادي ورفض الأهالي أن يبيعوا الأراضي اللازمة لمد خطوط السكك الحديدية فتكونت «شركة أراضي الدلتا» التي حصلت على الأراضي بثمن بخس إبان أزمة إنخفاض أسعار الأراضي في مصر كلها عام 1907. وكان يمتلك شركة القطارات سوارس وهو يهودي مصري كان أول من أدخل وسائل النقل في القاهرة من خلال عربات تجرها البغال وكان من أكبر المساهمين في شركة القطارات «موصيري» بما يملكه من أراضي «حوض البكباشي» وهي أرض حول المعادي كان قد حصل عليها البكباشي سليم من عهد الخديوي توفيق الذي أنعم عليه بها نظير خدماته المتعددة وزرعها سليم بأشجار الكروم والفاكهة وبعد رحيله باعت أسرته أملاكه إلى يهودي مصري مرموق أسمه «موصيري» أما مدير الشركة مستر آدامز فبينما كان يمر على الأراضي أعجبته مبنى فيلا على الطراز الإنجليزي وتبعه الموظفون والأصدقاء ثم جاء يهودي آخر هو «بيتون» قام ببناء معبد يهودي وساهم في تجميل الحي بغرس مزيد من الأشجار . وقد تزامن إنشاء حي المعادي مع نشأة حي مصر الجديدة فيما بين عامي 1905 و1906 عندما قرر بناؤه البلجيكي البارون إمبان كمشروع عمراني خاص أدى إلى إنشاء ضاحية هليوبوليس . وقد زادت حدة المنافسة بين الضاحيتين طبقيا واجتماعيا وثقافيا وقبيل الحرب العالمية الثانية كانت هليوبوليس تنافسها تجاريا وفي بداية الحرب العالمية الأولى كان ثمن المتر المربع في المعادي عشرين قرشا زادت عام 1938 إلى خمسين قرشا وبعد عام 1940 زادت معدلات نمو الحي خاصة بعد قيام معسكرات الجيش البريطاني . عزلة اجتماعية وقد كان بعد حي المعادي عن قلب القاهرة يجعله أكثر عزلة حتى كان أهلها يطلقون عليها وصف «أجمل قرى الصعيد» ولكن هذه العزلة قضت عليها عوامل عدة أولها نشأة الكورنيش في نهاية الخمسينيات ونشأة طريق صلاح سالم والأوتوستراد. وربما هو ما دفع سكان المعادي إلى إنشاء ما يسمى رابطة سكان وملاك المعادي عام 1956 للحفاظ على مواصفات الحي الاجتماعية والثقافية وصدر عن الرابطة دليل يحدد مواصفات المواطن الصالح داخل الحي باعتباره صاحب شخصية مميزة فهو لا يقود سيارته بسرعة ويحترم قواعد المرور ولا يتلف الأشجار ولا يثير الضوضاء ساهم في أعداد هذا الدليل الدكتور مصطفى مشرفة وهو عالم جليل ومن أبرز المثقفين المصريين في القرن العشرين . وقد عملت الرابطة على تحقيق أغراضها في مباشرة كل ما من شأنه رفاهية القاطنين بالمعادي والدفاع عن مصالحهم العامة والعمل على احتفاظ الضاحية بطابعها الخاص وكان يرأس الرابطة د. مصطفي مشرفة وعدد كبير من المثقفين منهم الدكتور وحيد رافت خبير القانون المعروف وعدد من الأجانب. حي الأجانب اثبتت الوثائق التاريخية أن المعادي كان مرتبطا بالأجانب لاسيما وأن نشأته جاءت على يد الاحتلال البريطاني وقد شهدت المنطقة الوانا من الأجانب الوافدين . وقد كان إنشاء نادي المعادي العريق عام 1920 على يد عدد من المؤسسين الإنجليز تحت اسم «نادي جولف المعادي وظلت أسماء رؤساء مجالس الإدارة والأعضاء من الأجانب حتى عام 1951 حين تكون أول مجلس مصري اعضاؤه من المصريين ولكن هذا لم يكن يمنع التواجد الأجنبي في الحي خاصة بعد تأسيس مشروع مترو الأنفاق الذي ربط بين المعادي والعاصمة بيسر وهو حي يسهل الإنتقال منه إلى باقي الأحياء . كما أن هدوء حي المعادي والطابع الراقي الذي لازال سكانه يحرصون على تحقيقه عاملا هامت لبقاء الاجانب في المعادي وهو هدف عاونهم فيه الأجانب المقيمون من هذه الأعمال ما قامت به جمعية محبي الأشجار بالمعادي والتي قادت حملة هامة لانقاذ منطقة وادي دجلة التي تحولت إلى غرفة سرية مهجورة ووكر للإرهاب والترهيب والنفايات ووجهت الدعوة لجهاز شئون البيئة كي يحول الوادي إلى أجمل واحه سفاري في مصر وهو مأوى للطيور المهاجرة وبعض الطيور الصحراوية مثل الغراب النوحي والأبلق الحزين والبوم الكبير كما تعيش في هذا الوادي أنواع من الثعابين والثديات مثل الثعلب الأحمر والفأر أبو شوك بالإضافة لأنواع نادرة من الحيوانات . وهذا الوادي خاصة قام بإكتشافه بعض الأجانب الذين يعيشون في حي المعادي والذين دأبوا على قضاء عطلة الأسبوع وممارسة رياضة ركوب الدراجات والبحث عن المغامرات في وادي دجلة الذي يبعد عن الحي الراقي بنحو خمسة عشر دقيقة . وقد كانت محاولاتهم مع جمعية محبي الأشجار دافعا لتسجيل الوادي كمحمية طبيعية . ملجأ الأفارقة كانت معادي الخير حتى نصف قرن مضى والتي سميت نسبة إليها اسم حي المعادي حيث كانت توجد بها معديات للإنتقال بين ضفتي النيل يمتلكها رجل يدعى الخيري كان العامة يسمونها «الحبخانة» أي مخزن الذخيرة التي كان يستخدمه الجنود السودانيون الذين يعسكروا في معادي الخيري وقد ظلت هناك لفترة طويلة حارة في المعادي أسمها حارة السودانيين. إستمرت المعادي موطنا رئيسيا لإقامة السودانيين في مصر وأيضا الأفارقة حيث تضم مصر جالية أفريقية كبيرة تشمل أكثر من 38 جنسية مختلفة يمثل السودانيون أغلبها إذ أن الجالية السودانية بمصر وحدها تبلغ 4 ملايين شخص . ويرجع توطن الأفارقة في حي المعادي وتحديدا منطقة حدائق المعادي إلى عوامل عدة يشرحها أحد السماسرة ويدعى عمر محمد قائلا أن أسعار السكن بمنطقة حدائق المعادي منخفضة نسبيا وهي تناسب ظروف الأفارقة الوافدين الذين يعانون من ظروف اقتصادية سيئة في بلدانهم . وقد يتقاسمون السكن معا فقد يكون في الشقة الواحدة ثلاث أسر تدفع إيجارا حوالي 450 جنيها بمعدل مائة وخمسين جنيه للأسرة الواحدة . كما أن منطقة حدائق المعادي التي تسكنها الطبقة المتوسطة يتسم بإنخفاض أسعار السلع المختلفة عن منطقة المعادي التي تسكنها الطبقة الراقية في دجلة والسرايات وقد شجع مترو الأنفاق وهو أرخص وأسهل وسائل المواصلات الأفارقة على الاقامة بالمعادي . سليمان صاحب إحدى الأعمال التجارية يقول : لي زبائني من السودانيين الذين يقطنون بالجوار وجاءوا هربا من الاضطرابات من جنوب السودان أو الحروب الأهلية في مناطق أخرى من افريقيا بحثا عن الاستقرار ويساعدهم على هذا تقارب العادات والتقاليد وأن الشعب المصري طيب ومضياف. ويضيف مايكل «جنوب السوداني» لقد ضقت ذرعا بالإضطرابات الموجودة هناك والتي زادت سوءا مع تدهور الأحوال الاقتصادية فأتيت إلى المعادي حيث يسكن أصدقاء لي بالقرب من الكنيسة الاجتماعية التي تعتني بالأفارقة المغتربين وتقدم لهم خدمات عديدة من تدريس العربية ومهارات الكمبيوتر كما أنها تساهم في إيجاد فرص عمل لنا أما ثعبان وهو اسمه فقد حصل على شقه بحدائق المعادي بالإشتراك مع شقيقه مهي كما يقول رخيصة الثمن وقريبة من المواصلات إلى جانب هؤلاء يتركز نسبة كبيرة من الأفارقة في المعادي من الدبلوماسيين الذين يصطحبون ذويهم معهم . الخدم والتراحيل ومعظم هؤلاء الأفارقة يكسبون لقمة العيش من اعمال التراحيل أو باعة متجولين في الشوارع . أما السيدات فلهم وظيفة معروفة هي العمل في مجال الخدمة خاصة وأن هناك اقبالا من سيدات الطبقة الراقية بالمعادي على الاستعانة بمن تقوم بأعباء المنزل ورعاية الأطفال وبدت الموضة مؤخرا في جلب الخادمة الأفريقية التي قد يصل راتبها إلى 400 دولار شهريا حيث أنها كما يقول أحمد عاشور السمسار : تتسم بالأمانة والنظافة وإجادة اللغة الإنجليزية وتؤدي عدة مهام في آن واحد في مهارة وإتقان من تنظيف المنزل وشراء الطلبات وكي الملابس وقراءة القصص بالإنجليزية للأطفال قبل النوم أي أنها تجعل الأسرة في غنى عن الطباخ والمكوجي ومربية الأطفال . احتياطات أمن هذا وبعد إنتشار مرض الإيدز بين مواطني الدول الأفريقية وجنوب شرق آسيا يطالب الأجنبي عند عودته للعمل في مصر بتقديم شهادة جديدة تثبت خلوه من مرض نقص المناعة الإيدز وان تكون الشهادة سارية المفعول في حالة إقامته بصفة دائمة