يعيش سوق الدواء في مصر أزمة فعلية خاصة مع اقتراب موعد تطبيق اتفاقية التربس العام 2005 والتي تشمل اسعار الادوية والعقاقير الطبية حيث يزداد احتكار المنتج الاجنبي للسوق، اضافة الى القفزة التي شهدتها اسعار صرف الدولار الامريكي، ماذا يقول الخبراء في هذه المسألة قبل ان يضيق الاحتكار حلقته اكثر واكثر على هذا السوق الحيوي، التقرير الثاني يعرض اراء بعض المختصين بالدواء وصناعته. في البداية يؤكد الدكتور امجد العطيفي استاذ ادارة الاعمال بالجامعة الامريكية ان الاحتكار اسلوب اقتصادي سييء وتمارسه الدول الرأسمالية المتقدمة على حساب الدول النامية والفقيرة وهذه سياسة عنصرية كما أن اتفاقية الجات وجدت للحفاظ على تكريس الاحتكار للدول الصناعية على حساب دول العالم الاخرى. ويضيف ان تجارة حيوية وخطيرة مثل الدواء وصلت سوقها الى 50 مليار دولار سنويا كنسبة تجارة عالمية تأتي في المرتبة الثانية عالميا بعد تجارة السلاح وهذا دليل بالغ على اهمية صناعة الدواء ماليا واجتماعيا باعتبار ان الجميع عرضة للمرض فلا احد فوق المرض سواء كان غنيا او فقيرا ولكن بنسب معينة فالفقير امراضه كثيرة لعدم وجود تغذية سليمة او بمعنى اخر اكثر عرضة لامراض سوء التغذية. وهناك حقيقة مهمة وغائبة فاتفاقية التربس عند تطبيقها عام 2005 ستؤدي لارتفاع اسعار الدواء الحالية الى نحو 12 ضعفا وهو امر خطير جدا.. ولابد ان تحدث مشاكل عديدة من جراء ذلك وخاصة ان عدد المرضى في تزايد مستمر بسبب تلوث البيئة وزيادة نسب الفقر وزيادة عدد السكان بصورة مخيفة.. ولابد ان نطلق في مصر مصطلح الامن الدوائي لان صناعة الدواء استراتيجية ولا تتحمل العبء المتمثل في الاحتكار ويمكن اعتبار المرض احد اهم التهديدات الرهيبة للامن القومي باعتبار القوى البشرية في مصر عنصرا مهما لرأسمال التنمية الاقتصادية. وللقضاء على نظام الاحتكار في مجال الادوية لابد من تطبيق بعض الاجراءات ومنها ضرورة توفير ضمانات للقيام ببحوث التطوير المهمة. وكذلك دخول الشركات المصرية المنتجة للدواء في تحالفات واندماجات استراتيجية واقصد الشركات الخاصة والشركات التابعة لقطاع الاعمال العام فالمصلحة العليا للوطن تتطلب ذلك ويمكن ايضا اقامة شركات دواء مشتركة بين المستثمرين المصريين والاجانب بحيث تكون اسعار الدواء في متناول الجميع ولا يكون معيار تحقيق اعلى ربحية هو الهدف الاساسي فلابد من مراعاة البعد الاجتماعي لمستهلكي الدواء في مصر بمقياس متوسط الدخل السنوي وهو بالتأكيد يختلف عن امريكا واوروبا. وأقترح اقتصار استيراد المواد الخام اللازمة لصناعة الدواء من الهند والصين وكوريا لانها بالتأكيد اقل من تلك التي نستوردها من اوروبا وامريكا وتؤدي نفس الدور وستساعد على خفض اسعار الادوية في مصر. ولابد من انتاج انواع جديدة من الدواء تعتمد اساسا على تكنولوجيا الابحاث التي يجب ان تمول حكوميا للحفاظ على ثبات الاسعار مع الاخذ في الاعتبار تفعيل فكرة انشاء السوق العربية المشتركة للدواء. ومن الضروري الاهتمام بتحسين كفاءة المنتجات ومنع استيراد الادوية التي لها بديل محلي.. مع تدريب وتأهيل الكوادر في الخارج كمحاولة للاستفادة من التطور الهائل لصناعة الدواء في هذه الدول ومن المعروف ان حجم سوق الدواء محليا وصل الى 15 مليار جنيه. تنوع المصادر والانتاج ويؤكد الدكتور حافظ حسن استاذ الاقتصاد بجامعة حلوان ان السوق المصرية تحتاج الى قانون يحكم العلاقة بين البائع والمستهلك طالما ان هناك اتجاها كاملا نحو التحول الى نظام الاقتصاد الحر الذي يقوم على قوانين العرض والطلب وآليات السوق المفتوحة التي ينتج عنها ظواهر احتكارية في بعض القطاعات الانتاجية.. فالاحتكار يعني انفراد المنتج او المستورد بالسوق بسلعة معينة او خدمة مع حرمان بقية المنتجين او المستوردين من دخول السوق وما تعانيه الاسواق المصرية اليوم هو عين الاحتكار وهناك صور عديدة للاحتكار منها احتكار القلة اي تحكم بضعة افراد في انتاج او استيراد احدى السلع التي ينشط ويزداد الطلب عليها داخل الاسواق وهذا من الصعب التحكم فيه او القضاء عليه وقد استوعبت هذه المسألة الدول العريقة في الاقتصاد الحر و تصدت له من خلال قوانين دعم المنافسة ومنع الاحتكار. ويضرب الدكتور حافظ مثلا احتكاريا بما احدثه احتكار قلة منذ فترة ليست بعيدة لحزام الامان والسكر، والتلاعب في الاسعار خير دليل على ان المستهلك هو الضحية الاولى من جراء ذلك فالمحتكر يفرض شروطه القاسية ويطرد الشركات والكيانات الصغيرة والمتوسطة من الاسواق فيضطر المستهلك الى الشراء بالاسعار التي يحددها المحتكر وذلك له اثار اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة ومن شأنها القضاء على المشروعات الصغيرة واهدار فرص العمل المحققة والتي يصعب ايجادها مرة اخري. ويستعرض الدكتور جلال غراب رئيس الشركة القابضة للادوية ورئيس غرفة الصناعات الدوائية نوعا اخر من الاحتكار وهو عملقة الانتاج وهو الوجه القبيح.. واستخدمت السوق آلية رهيبة لغزو الاسواق وفرض هيمنتها بعد علم الجميع ان البقاء للاقوى ولا مكان للضعيف حيث يقوم العاملون في مجال ما بدمج مؤسساتهم في كيان واحد عملاق وهذا الاندماج قد يكون مقبولا لدول العالم النامي ومنها مصر بالتأكيد. وفي مجالات حيوية واستراتيجية مثل الدواء الا اننا نجد الاندماجات اكثر وضوحا في امريكا وخاصة الشركات المنتجة للدواء والسلع الاساسية وهذا يشكل نوعا سيئا من انواع الاحتكار اللامتكافيء لانها تخدم فئة معينة لتحقيق مصالح خاصة دون اي اعتبار او النظر للاخرين بهدف الانفراد بالاسواق الداخلية والخارجية وتحقيق اعلى ربحية ممكنة من عملقة الانتاج «الاندماج» وهذا يشكل خطورة على الاقتصاد الوطني باكملة ولابد من مواجهته والتصدي له بكل حزم بجانب القيام بمساعدة ودعم المؤسسات الانتاجية الصغيرة قبل ان تنهار تماما. واشار الى ان الشركة القابضة للادوية بدأت في اتخاذ بعض الاجراءات واستخدام آليات جديدة لتطوير انتاجية الشركات التابعة لها بهدف زيادة عمليات التسويق داخليا وخارجيا واوضح ان تحديد آليات العمل الجديدة ستكون نتيجة وجود شركات دواء متعددة الجنسيات في مصر تقوم بتصنيع وانتاج نفس الدواء المحلي بينما كانت هذه الشركات في الفترة السابقة لا تعمل الا في انتاج الماركات العالمية فقط بل وزاد الامر دخولها المناقصات التي تعلن عنها شركات الادوية المصرية. ومن الضروري اكمال المساعي الخاصة بانشاء تحالفات استراتيجية مع السعودية وليبيا والسودان في الوقت الذي تمتلك فيه مصر تحالفات فعلية مع كوريا الجنوبية والصين والهند.. و هذه الخطوات مهمة للتصدي لعمليات الاحتكار والتي ستظهر بوضوح بعد تطبيق اتفاقية الجات. ويقول د.حاتم القرنشاوي عميد كلية التجارة بجامعة الازهر : الاحتكار سياسة اقتصادية سيئة ولها العديد من الاضرار الاقتصادية التي تعرقل التنمية لاي مجتمع وأري ان قانون منع الاحتكار الصادر منذ ايام سيكون له دور مهم في تنظيم ذلك، مشيرا الى ان معظم الدول المتشابهة اقتصاديا تنشيء اتحادات فيما بينها من اجل مواجهة اشكال الاحتكار وخاصة في المجالات التي لا تتطلب ذلك، مثل صناعة الدواء المطلوب لكل مواطن لانه لا يملك حرية الاختيار ولا يستطيع احد مثلا الهروب من المرض. ان الاحتكار في الاسواق خاصة في الدواء يحمل في طياته ظلما وعدم تكافؤ لان المحتكر يحصل على ثمن اعلى من قيمة سلعته ويحقق لنفسه ارباحا لا يستطيع تحقيقها في غياب الاحتكار وهذه الظاهرة لا توجد في مصر فقط بل في معظم دول العالم المتقدم ايضا والتي ينتشر بها الاسماء الكبيرة في مجالات كثيرة، وبالتالي تملك الرغبة والقدرة على التحكم في الاسعار او المبيعات وبالتالي القضاء نهائيا على الصناعات والكيانات الصغيرة وهذا بالطبع غير مطلوب بشكل او بآخر ويمكن مواجهة الاحتكار من خلال تحسين جودة المنتجات الوطنية وفتح اسواق جديدة في افريقيا وخاصة ان مصر عضو بمنظمة الكوميسا ومنظمات اقتصادية وتجارية متعددة. كما يمكن ايضا زيادة تأهيل العاملين في المجالات الصناعية والانتاجية لتنمية الفكر الاقتصادي.