لو كان الشعر من العلوم التطبيقية لاستطعت ان تميز جيده من رديئه بمعيار لا يخطيء، وهو امتحانه في ميدان الصناعة والاختراع، ولقلت في تقديره: ان ما ابدع منه ونفع جيد مقبول، وان ما اجدب منه وعقم رديء مرذول. ولو كان موضوعه الاقتصاد والتجارة لقسته بمقياس لا تكذب ارقامه، وهو مقدار الربح والخسارة، ولقلت في تقويمه: ان حسنه ما اجدى وثمر المال، وان قبيحه ما افقر واخسر، وقاد الى الكساد، ولكنه ليس من المعارف التي يمكن ترجمتها بالأجرام والارقام حتى يمكن قياسه بالشبر والعدد، ولا من الزروع والثمار حتى يمكن وزنه بالرطل والقنطار، ولا من الفكر الخالص حتى يسأل عما فيه حقائق يقبلها المنطق، وعما فيه من اباطيل يرفضها العقل. انه ادب، والادب موصول النسب بالفن. وعمل الفنون الاول ان تصور لك الحياة على نحو اجمل مما يعرضها عليك الواقع، وان تزفها اليك بلبوس كلبوس العروس، فيه من الجمال فوق ما فيه من النفع. والجمال يمتع ولا يقنع، والتمتع به شيء نسبي متغير لا قطعي ثابت. فالذي يمتعك قد لا يمتع غيرك، والذي يسوؤك قد يعود على غيرك بأعظم السرور. واختلاف الناس فيما يرتضون ويبغضون مردود الى اختلافهم في الأذواق. إفيعني ذلك ان الذوق ملكة شخصية خالصة، ونزوع فردي خاص، واستجابة ذاتية لما في النصوص من جمال وقبح، وصنعة وطبع، وانه لا ارتباط بينه وبين العلم المكتسب؟ قد تذهب هذا المذهب، وتشفع رأيك بما تلاحظ من اختلاف في الاذواق بين قوم عاشوا في عصر واحد، ودرسوا في مدرسة واحدة، ثم في جامعة واحدة، ثم فارقوا مقاعد الدرس، وتسنمو منابر التدريس، فاذا هم اضداد لا انداد، يميل احدهم الى الحداثة، ويميل الآخر عنها. ويؤثر ثالثهم الرشاقة والرقة، والرابع الجزالة والفحولة، فلا تعلل هذا الافتراق في النقد بعد الاتفاق في الدرس، والائتلاف في النشأة، والاغتراف من منهل واحد، الا بتنوع الاهواء وتعدد المنازع، وتلون الطباع وحينئذ لا تملك إلا ان تقول بلسان حازم حاسم: الذوق موهبة لا اكتساب. في خاطرة سابقة ذهب «محك النقد» مذهبك، اذ زعم ان الذوق ملكة، لا تضبطها قاعدة، وموهبة لا تستند الى تشريع، وان اختلاف الناس في أذواقهم واحكامهم يساوي اختلافهم في قسمات الوجوه، وفي بصمات الاصابع، ثم بدا له فيما ذهب اليه بداء آخر. بدا له ان الحكم على الذوق بأنه موهبة خالصة حكم مرتجل، يستند الى ظواهر الاشياء لا الى جواهرها، وينظر الى الثمار المتدلية على الاغصان، ولا يغوص الى الجذور الضاربة في التراب. وادرك انه كان متأثراً بقول عبد القاهر الجرجاني: «ان الاحساس قليل في الناس. فلست تملك من امرك شيئاً، حتى تظفر بمن له طبع، اذا قدحته ورى، وقلب اذا أريته أرى». وادرك كذلك انه كان غافلاً عن قول ابن سلام: «اذا اخذت درهماً، فاستحسنته، فقال لك الصراف: انه رديء، فهل ينفعك استحسانك.. ان للشعر صناعة وثقافة يعرفها اهل العلم كسائر اصناف العلم والصناعات، منها ما تثقفه العين، ومنها ما يثقفه اللسان». وبين هذين القولين فرق: فالجرجاني نظر الى الجانب النفسي من الذوق، فرده الى الطبع السليم، والحس الرهيف، والقلب المفطور على الصفاء والذكاء، المجهز بالحدس لا بالدرس، وبالنظرة الثاقبة لا بالعلم الواسع. وابن سلام نظر الى الجانب الثقافي، فقدم الخبرة على الفطرة، والصنعة على الطبع. ولهذا شكك في حكم الذوق ما لم يكن صاحبه على حظ من الدراية، يعينه على تمييز الذهب من النحاس، وعلى قدر من التمرس بالنصوص، يبصره الفرق بين الصحيح الفصيح والسقيم الذميم. وهذا التشكيك نزع من النقاد اعتزازهم بمواهب كواذب، واعترارهم بملكات خادعات او مفتراة، وكشف عنهم توهمهم انهم المعنيون بزناد الجرجاني الذي يوري اذا اقتدح، وبقلبه الذي يبصر مالا تبصره قلوب الآخرين. ومع ان محك النقد يجل الجرجاني اي اجلال، ويقدمه على ابن سلام في اكثر الميادين، فانه ههنا يرجح ابن سلام، ويرى ان الذوق ليس شعاعاً من نور يقذفه الخالق في قلب المخلوق، فحيثما اتجه اضاء، وحيثما وقع التمع. وانما هو بذرة يحتاج نموها الى زرع وسقاية، ويتطلب ازهارها واثمارها عناية ورعاية، وما السقاية والعناية والرعاية الا الثقافة المكسوبة. وكما ان البذرة اذا قيست بالشجرة تضاءلت تضاؤل النملة قرب الفيل فالموهبة الفطرية لا تعدل من الثقافة المكسوبة اكثر من ذرة او بذرة، ولا اكبر من نملة او نحلة. وهذا يعني ان الذوق ليس جوهرة من ماس متحجر، لا يكبر ولا يتغير، وانما هو مخلوق حي، ينمو ويزكو، ويخصب وينجب. وهبه موهبة لا كسباً، فهو موهبة ربانية التكوين انسانية التلوين، تجتمع فيها ثقافات الماضي والحاضر، وتعذيها آداب العصور المتلاحقة، تصقلها تجارب الناقد ودربته، وتمرسه بالتحليل والتعليل حتى يطغى مكسوبها على الموهوب، ومصنوعها على المطبوع. واذا سلمنا ان الذوق فطرة لا خبرة، فهو فطرة غير مطلقة الاهواء والاحكام، ولا متحررة من القواعد والضوابط، وهذه الفطرة مقيدة بقيود، ان لم تكن موضوعية منطقية فهي على اقل تقدير تلوذ بالمنطق، وتحتكم الى العقل، لعلها تجد عندهما ما يكبح جماحها العاطفي، وهذا الكبح يكنف الفطرة بالخبرة، ويلبس الذوق اثواب الاكتساب. وهذه الضوابط تحد من طغيان النزوع الشخصي، وتقرب بين انواع الطباع. ان صاحب الطبع الانطوائي يميل الى الحكمة، ويؤثر التأمل على التغزل حتى يغدو ابو العلاء وابو ماضي احب اليه من العباس بن الاحنف ونزار قباني. وان صاحب الطبع الانبساطي يقدم الشعر الفرح المرح على الرثاء والبكاء حتى يغدو ابو نواس على عهره خيراً عنده من الخنساء على طهرها. فاذا ترك للطبع وحده ان يحكم صدرت عن النقاد احكام متعارضة متناقضة، وآل النقد بالذوق وحده الى فوضى. وربما كان العنصر النفسي هو العنصر الوحيد الذي يقرب الذوق من الالهام ويقصيه عن الاكتساب. اما المؤثرات الاخرى فاكثرها هابط على الذوق من فوق، لا نابع من بين جنبيه ومن هذه المؤثرات مراحل العمر التي يمر بها الناقد. فالناقد في ميعة الشباب يقدم العاطفة على الفكر، والتدفق على التعمق. فاذا اكتهل واكتمل عقل القلب بالعقل، وانصرف عن الاندفاع نحو الاستمتاع الى تأمل الحكمة الرزان. فما كان راجحاً في الشبيبة يغدو مرجوحاً في الشيخوخة. وكأن الزمن الذي نقل جسد الناقد من طور الى طور نقل نقده من ذوق الى ذوق، اي: كأن الزمن هو القائد المؤثر، والذوق هو المقود المتأثر، والمقود تابع لسواه لا موجة لهواه. ومن المؤثرات الخفية التأثير في الذوق بيئة الناقد ببعديها المكاني والاجتماعي: فابن الصحراء النابت من الرمل الجاف، الملفوح بالشمس المحرقة والريح الهوجاء، المنتمي الى قبيلة نشأته على تقديس البطولة يقدم الفحولة على السهولة. فرجز العجاج عنده اجمل من غزل ابن ابي ربيعة. وابن المناخ المعتدل الناشيء بين الغصون الوارفة، والثمار اليانعة، والظلال الممتدة، والانهار المتدفقة، المنتمي الى مجتمع زراعي وادع وحضارة مزدهرة مستقرة يميل الى التطريب والتشبيب عن الطرد والصيد. فموشحات الاندلس احب اليه من سيفيات المتنبي، وخمريات ابي نواس آثر لديه من روميات ابي فراس. ومما يؤثر في الذوق احداث السياسة، اذ تملي على الناقد ما يتوهم انه فيض الخاطر، والهام الفطرة، ونبع الطبع، وينسى انه ربيب حركات وثورات، او مناورات ومؤامرات، او قتال وقتل، وان ايثاره الحماسة ناجم عن تأثره بالعنف والعنفوان، والايمان بالجهاد. اي ان ذوقه متأثر قبل ان يكون مؤثراً، ومصنوع قبل ان يصبح صانعاً. وكل هذا يعني ان ذوقه اكتساب لا فطرة، واتباع لا ابداع. وللتعبير عن هذا التأثر قدم اكثر النقاد السوريين في القن العشرين عمر ابا ريشة على غيره من لداته لانه ملأ اسماعهم بالاناشيد الوطنية، وهز قلوبهم بالاعتزاز القومي، لا لانه اشعر من انجبت سورية في زمانه، وحسب. مما سبق عرضه يتبين ان الذوق ليس مقياساً دقيقاً يحتكم اليه الناقد كما يحتكم الصائغ الى محكه، فيبين له ما في السبيكة من ذهب ونحاس بالقيراط، وأجزاء القيراطاو كما يحتكم الطبيب الى ميزان الحرارة، فيقيس له حرارة المريض بالدرجة واعشار الدرجة. وانما هو مقياس تقريبي نسبي، ومحصلة مؤثرات اشتركت في تكوين انسان، بعضها من البيئة، وبعضها من الزمن، وبعضها من الانتماء القبلي او الطبقي، وبعضها من احداث السياسة. ولهذا كله فأحكامه نسبية لا مطلقة، ومرهونة بضوابط واشراط، وتحتمل التغير والتطور اكثر مما تميل الى الاستمرار والاستقرار. اي هو في النهاية ثقافة لا موهبة، واستجابة للموروث والدخيل، وانعكاس للمكونات التي بنيت منها الشخصية، لا احكام يبدعها الالهام. وفي زحمة هذه المؤثرات والمكونات يتضاءل الموهوب، ويطغى المكسوب، ويفل حد الرهافة، وتشهر الاسلحة التي تشحذها الثقافة، ويقر «محك النقد» بأن ما في الذوق من خبرة فوق ما فيه من فطرة.