عندنا ـ والحمد لله ـ في عالمنا العربي الكثير والكثير من أسباب القوة.. ومن مقومات التقدم والتفوق، لا ينكر ذلك او يشكك فيه الا مكابر او جاهل..! ثروتنا الأولى هي البشر ـ وليس النفط كما قد يتصور البعض ـ، وعندنا من البشر ما يتجاوز المئتي مليون بني آدم عربي قح من بني عدنان، فيهم على الأقل خمسون مليوناً من الفحول مفتولي العضلات.. مبرومي الشوارب.. منفوخي الصدور..، يستطيع الواحد منهم ـ بلا حسد ـ ان يصارع دبابة.. وان يلوي بأصابعه ماسورة مدفع من عيار محترم، وعندنا ايضا من تتمركز كل قوته في لسانه سريع الطلقات.. وفي حنجرته ذات الذبذبات فوق العالية وفوق العادية التي تخترق أقوى طبلة اذن على مدار الكرة الارضية، هذه الألسنة والحناجر التي لا تعمل بكل طاقاتها وقدراتها الا في الأوقات العصيبة،.. في ملاعب الكرة مثلا.. حيث المواجهات الساخنة والحاسمة في المصير الكروي للأمة العربية..، او في المظاهرات الصاخبة المؤيدة او المنددة.. الشاجبة او المباركة.. حسبما تأتي التوجيهات ممن يحركونها او يدعون اليها كلما دعت حاجة النظام او مصالحه الى «تأييد شعبي»!، وهي الحالة الوحيدة التي يُسمح فيها بهذه التظاهرات التي لا تنفض الا بعد أن يقبض منظموها ومحركوها اجرهم كاملا..! مشكلة هؤلاء الملايين ذوي الطاقات الجسدية والحنجورية الفائقة انهم ـ لحكمة لا يعلمها الا الله وأجهزة الاعلام العربي ـ يعتقدون ان خطوط المواجهة على ساحات الملاعب أهم وأخطر من خط المواجهة مع العدو، وأن جبهة القتال الحقيقية تمتد من شبكة مرمى فريقهم الى شبكة مرمى الفريق الآخر..، وأن أعداءنا الحقيقيين هم لاعبو الفريق المنافس وكل من شجعهم..، وان معركتنا مع اسرائيل مؤجلة الى أن نقضي على أعدائنا الكرويين..! وعندنا ـ والحمدلله ـ جيوش، جيوش جرارة، تملك أسلحة فتاكة، تطالعنا في الاستعراضات فتملؤنا عزة وفخراً.. وتجعلنا نؤمن ان يوم النصر على الأعداء قريب.. وان كل هذه الحشود والطائرات والصواريخ والمدافع كافية ـ وزيادة ـ لقهر اليهود ومن والاهم.. ثم القائهم بعد ذلك في البحر، والعودة في مواكب النصر الى البلاد، ولكن.. لسبب فني مازال مجهولا ـ مازال الخبراء يحاولون جاهدين فك طلاسم كتالوجات هذه الاسلحة لمعرفة السر العجيب والغريب الذي يجعلها كلما وجهت تجاه الأعداء تحولت ـ تلقائياً ـ الى صدور الأشقاء والمعارضين!! عندنا ـ بحمدالله ـ إعلام ثري متطور، يملك احدث مبتكرات التكنولوجيا المسموعة والمقروءة والمنظورة، يستطيع بها جميعاً ان يصل الى سمع وبصر كل مواطن عربي.. حتى لو أغلق عينيه وسد أذنيه وراح في سبات عميق..! عندنا تلفزيون وفضائيات اكتظت قنواتها بكل ما خف وزنه وثقل دمه، واذاعات بح صوتها وهي تغني بكل اللغات وتتغنى بالحب وبالحبايب، وصحافة متطورة.. ورقها فخم.. وطباعتها أفخم، تصدر بانتظام.. لتتحدث عن انجازات النظام، يشتريها الناس لأغراض عديدة.. الموظفون لشغل فراغهم بكلماتها المتقاطعة.. والآخرون يجدون في ملحقها الرياضي متنفسا ينسيهم مساخر السياسة العربية التي تملأ صفحاتها الأولى..! وسط كل هذا الصخب الاعلامي.. الناطق.. والراقص.. والمطبل والمصفق، تبحث عن كلمة حق.. او لحظة صدق.. فلا تجد الا تصريحا للفنانة اللهلوبة.. او تأريخا لحياة راقصة «كركوبة»، ولا تطالعك على الشاشات الفضائية الا الخصور الرقيقة.. والعيون الناعسة.. والحوار المبحوح، وتختلط امام عينيك صور ابطال الانتفاضة مع صور مناضلات الفيديو كليب، فلا تدري ايهم سيحقق لنا النصر.. وأيهم ستتضاعف على أيديهم خيبتنا القوية!! مشكلة الاعلام العربي أنه لا يهمه ان يصل المشاهد او المستمع او القاريء الى حالة القرف، فيغلق جهازه او يسكت صوت مذياعه.. او يضرب عن شراء صحيفته، مادام دعمه الحكومي او الاعلاني يحقق له البقاء والاستمرار، ومن هنا ادرك مطمئنا ان عليه الاتجاه بالسمع والطاعة نحو من يملك وقف الدعم او سحب التمويل، ومن بيده مفاتيح الاغلاق والارزاق..! عندنا ـ والحمدلله ـ ساسة محنكون.. وزعماء بارزون.. تقطر الحكمة من أفواههم، تسمعهم في المؤتمرات.. وفي اللقاءات والتصريحات، فتراهم اكثر منك وطنية.. وأشد منك تطرفاً واندفاعاً، فتنبهر بحكمتهم وادراكهم التام لحقائق الصراع وايمانهم المطلق بأن ما أخذ بالقوة لن يسترد الا بالقوة..، ومشكلة ساستنا هؤلاء أن الواحد منهم ضعيف أمام أي قبعة يلتقي بصاحبها، فما يكاد ينفرد بواحد منهم حتى يسدل الستار على خطبه وتصريحاته.. ويفقد دون ان يشعر حماسه واندفاعه، وينقلب بعد اللقاء ليصبح اكثر اعتدالاً.. وأكثر واقعية.. وأشد رغبة في الصلح والتسامح و«عفا الله عما سلف»، مؤكداً بإيمان عميق ان ما أخذ بالقوة لا ولن يسترد ابداً بالقوة، فالقوة عيب.. وضد التحضر.. ومنافية لحقوق الانسان.. غير العربي طبعاً..! عندنا وعندنا..، عندنا علم وعلماء.. ولكن، عندنا ثقافة ومثقفون.. ولكن، عندنا فن وفنانون.. ولكن، عندنا ساسة ومحللون.. ولكن، كل شيء عندنا مربوط دائماً بـ «لكن»، وعلينا قبل ان نعلن الحرب على اسرائيل ان نعلن الحرب اولا على «لكن»..!، واعلان الحرب على «لكن» ليس مستحيلاً ولا بالأمر الصعب.. فكل شيء ممكن.. ولكن!!!