لعل التغيير الأكبر الذي تشهده كل اصقاع الصين هذه الأيام هو الحرية الاقتصادية التي أصبحت واقعا معاشا وملموسا، وهو ما أكسب الناس استقلالية فكرية أوسع الى حد كبير مما كان متاحا لهم سابقا. وعلى الرغم من ان التيبت التي تقع غربي البلاد ظلت دوما متأخرة عن نظيراتها من الاقاليم المكونة لجمهورية الصين، إلا ان ابناءها أخذوا يلحقون بباقي الصينيين على درب الحرية الاقتصادية. مثل هذه المبادرات لا تدخل بسهولة للتيبت التي تنتشر فيها البوذية، اضافة الى ان معظم سكانها هم من الرعاة الرحل الفقراء. لكن الانفاق الصيني الكبير على مشروعات البنى التحتية في هذا الاقليم من زراعة ونقل وطرق قد ساهم في دفعهم نحو قبول مبدأ الاعتمادية المشتركة والتفاعل مع الآخرين. لكن على الرغم من ان هذه المؤشرات الجيدة التي تدور حول التطور الاقتصادي فإن التيبت لم تتقدم خطوة واحدة نحو تحقيق الاستقلال السياسي الذي نادى به الكثيرون منهم طويلا، فالصين وجدت في التيبت لتبقى على ما يبدو مع ان الكثيرين يكرهون هذا الواقع. ومثلما يرى الامريكيون انهم الملاك الشرعيون للأراضي التي كان يسكنها الامريكيون الاصليون سابقا، كذلك يرى الصينيون التيبت جزءا شرعيا وتاريخيا لا يتجزأ من الصين. وعلى عكس الامريكيين الذين ليس لديهم أي مطلب تاريخي سابق بأراضي الهنود الحمر، فإن الصينيين يجادلون بأن أباطرتهم كانوا يحكمون التيبت معظم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وقبل ذلك بحوالي ألف عام كانت الصين والتيبت تتبادلان شن الحروب احداهما على الأخرى. ومع دوران عجلة الزمن كانت الغلبة تميل لجانب تارة ولجانب آخر تارة أخرى. لكن الصين فقدت سيطرتها على التيبت أوائل القرن العشرين قبل ان تعيد السيطرة عليها عام 1959. وخلال ما سمي بالثورة الثقافية حاولت الصين تنفيذ ابادة ثقافية ضد التيبت بما في ذلك تدمير المعابد البوذية، مع ان هذه الممارسات قد خفت كثيرا الآن. وحاليا تراهن الحكومة الصينية على ان التيبت مع سعيهم وراء النجاح الاقتصادي سيصبحون أقل مقاومة لمشاريع التطوير بل سيبدأون بالانخراط فيها. وبالفعل، ففيما يعتبر أكثر سكان التيبت بوذيين متشددين فإن آخر ما يفكرون به هو الخروج على الصين. وهم يعتقدون ان بمقدورهم تحسين أحوالهم وحياتهم وارساء الرخاء في بلادهم. ويقول أحدهم: إذا حققنا الرخاء فسنتمكن من تعزيز ثقافتنا ولغتنا، بحيث يبقى أبناؤنا للتيبت. وفيما تعتبر البوذية محور الثقافة في التيبت فإن اللغة هناك هي الدعامة الثانية للهوية الوطنية، ولهذا يحرص رجال الأعمال التيبتيون والاثرياء الجدد هناك على تقديم تبرعات كبيرة لدعم وتمويل المدارس والكليات التي تعلم هذه اللغة لابناء التيبت الصغار الذين أصبحوا الآن يواجهون خطر نسيان لغتهم، بعد ان غدوا يتحدثون الصينية بطلاقة، وهي اللغة التي لابد لهم ان يتعلموها إذا أرادوا المضي قدما في الحياة والعمل. وتعتبر طرق المواصلات من المشروعات التي تحظى بدعم كبير من الحكومة الصينية المركزية، ومثل السكاكين الطويلة التي يضعها بدو التيبت في أحزمتهم، أصبحت الطرقات الجديدة الواسعة تشق طريقها عميقا داخل هضبة التيبت لتقطع قرونا طويلة من العزلة والجهل، وتفتح أمامها مدخلا الى العالم المعاصر ولأي شيء يمكن للمال ان يشتريه. لكن هذه الطرقات قد تسببت ايضا بتقطيع أوصال ثقافة هشة وغنية في الوقت نفسه، ومع ان كثيرين من أبناء التيبت يمقتون الحكم الصيني، إلا ان ندرة منهم فقط ينتقدون الطرق الجديدة هذه. ويقول مزارع وهو ينتظر سيارة تحمله: «علينا ان نعترف بأن الصين وحدها تستطيع ان تشق هنا هذه الطرقات، حكومتنا المحلية لم تفعل شيئا ولن تفعل». ومشروع الانشاءات هذا هو محور برنامج «تنمية الغرب» الذي تنفذه بكين ويهدف لتطوير اقتصاد المناطق الغربية في الصين والتي تشمل هضبة التيبت، أما الهدف غير المعلن فهو ملء هذه المناطق الشاسعة المفتوحة والتي تقارب مساحة أوروبا الغربية مجتمعة بملايين الصينيين الذين يعيشون الآن في مناطق فقيرة أخرى من الصين. ومثلما كانت الحكومات الامريكية تشجع مواطنيها سابقا على الذهاب الى الغرب الامريكي بحثا عن آفاق جديدة للحياة، تحث الحكومة في بكين الآن رعاياها على المضي في الاتجاه نفسه. وحتى الآن لاتزال النتائج غير مشجعة، فالصينيون القادمون من الأراضي الخفيضة وجدوا المرتفعات والطقس البارد الجاف وابناء هذه المنطقة أنفسهم غير مرحبين بهم. وتشير الاحصائيات الرسمية الى ان 122 ألف صيني فقط يعيشون الآن في التيبت أولئك الذين يهاجرون لا يبقون هناك سوى سنتين عموما بما يكفي لادخار بعض المال قبل العودة الى ديارهم من حيث أتوا. وفي هذا الخضم، أصبح العداء يجيش تحت السطح، فالصينيون يصفون التيبتيين بالقول انهم متخلفون وكسالى وقذرون ويؤمنون بالخرافات. أما أبناء التيبت فيكرهون ويخافون من الصينيين الذين يرونهم أجلافا وطماعين لا يهمهم سوى المال. ويقول الصينيون المقيمون في الهضبة باستغراب: «لماذا هذا العداء؟ اننا نحضر معنا لهم فوائد ثقافة متفوقة» كما يتساءل زوجان افتتحا مطعما في المنطقة: «نحن لا نفهم لماذا لا يرحبون بنا بأذرع مفتوحة؟». ويمكن العثور على اجابة في كلمات تيبتي آخر لا يريد ان يذكر اسمه: «لقد قدموا لاستغلال خيرات بلادنا من خشب واحياء برية وذهب ويورانيوم وليجعلوا الصين بفضلها غنية وقوية». جلال الخليل