قبل 20 عاما، بدأت نذر الحرب تلوح في الاطلسي بعد ان قامت الارجنتين باحتلال جزر فوكلاند. ولم تمض سوى سبعة أسابيع حتى بدأت بريطانيا في شن هجومها المضاد في 21 مايو 1982. وبعد 20 عاما لابد وان تكون نفوس من قاتلوا في هذه الحرب قد هدأت، فماذا يقولون اليوم عن تلك التجربة المريرة؟ يقول آلان ويش قائد الفرقاطة البريطانية «آردينت»: ابحرت بسفينتي بعد اسبوعين من خروج القوة البريطانية المهاجمة الى عرض المحيط الاطلسي. ولدى المغادرة قلت لزوجتي: «تعرفين اننا ذاهبون الى حرب»، وحين يتعلق الامر بحرب بحرية فإننا لن نكون في مواجهة محاربين مبتدئين. لكن للأسف لم اكن اعرف ان ابني البالغ من العمر 6 سنوات كان يستمع لحديثي. وحينما قلت لهم الى اللقاء وأنا خارج من المنزل قال لي ابني: «لكنك قلت ان هناك سفنا ستغرق». اجبته: «اعدك بأني سأعود للبيت، لكن حينما غرقت «آردينت» علم بالأمر، وهو ما جعله يتابع اخبار الحرب كلها بانتظار عودتي. لكن 22 من بحارة السفينة لم يعودوا الى بيوتهم أبدا. الكثيرون منهم كانوا اصدقاء مقربين. اننا نلتقي كل عام ونحاول الاتصال بأقارب القتلى. يوم 21 مايو كان يوم الانزال على الجزر، وكانت سفينتي اولى السفن في التقدم نحوها عبر ممر ملاحي ضيق. كان الجو غائما، وكنا سعداء به لأننا كنا نعرف ان الارجنتينيين ينتظرون انقشاع الغيوم ليبدأوا غاراتهم الجوية علينا. وبالفعل فبعد ساعة واحدة من اطلالة الشمس بدأت غارات جوية مكثفة تستهدفنا فيما كنا نحن نقصف الشواطيء بالمدفعية قبل ان نحول نيراننا نحو الطائرات المغيرة. أصابتنا اول قذيقة، وأحدثت انفجارا كبيرا قررت على اثره الانسحاب، لأننا ما عدنا قادرين على اطلاق النار. لكن طائراتهم لم تسمح لنا بذلك، اصابتنا بقذيفة ثانية ثم ثالثة. ولم يعد بامكاننا الا ان نهجر السفينة بمن فيها من القتلى لتغرق وننجو بأنفسنا. كان أمرا محزنا جدا فعندما وصلت الى سطح السفينة الحربية التي انقذتنا ونظرت نحو «آردينت» وهي تغرق وتحترق بكيت. وكان رجالي الناجون من حولي يبكون ايضا، ذلك ان السفينة تصبح مع الوقت صديقة لرجالها. اما الارجنتيني البيرتو فيليبي فقد كان احد الطيارين الذين هاجموا اردينت ذلك اليوم. ويقول: «حتى ذلك اليوم كنت اعتقد ان الحرب لن تنشب وان الدبلوماسية ستحل الازمة. لكن الأوامر صدرت لنا بالهجوم على السفن البريطانية قبالة الجزر. خرجنا بست طائرات وتوجهنا للجزر. ومع اقترابنا من رادارات العدو، انخفضنا حتى ارتفاع 30 قدما. كانت مهمة عصيبة فليس من السهل التحليق 800 ميل على مثل هذا الارتفاع كان مؤشر الخطر قد اشتغل عدة مرات حتى وصلنا الهدف. بدأت الفرقاطة آردينت التحرك بسرعة فعرفنا انها اكتشفت امرنا. كان كل منا يحمل اربع قنابل وفتحنا النيران على الفرقاطة، ونحن نتقدم حتى نقلل من تأثير نيرانها المضادة. ثم انحرفت لليمين واسقطت القذائف. وسمعت طيار الميمنة على اللاسلكي يقول لي: «ممتاز» فعرفت ان قذيفة واحدة على الاقل قد اصابت السفينة ثم اصابتها ثانية وثالثة حينها ارتحت لان اردينت كانت قد فتحت علينا نيرانها بعد الاصابة الاولى لكن ذلك لم يطل. فما هي الا لحظات حتى أتاني صوت طيار الميسرة، محذرا «طائرات الهاريير مقبلة» فأمرت الطيارين الآخرين باسقاط خزانات الوقود والهرب اذا ساء الوضع. وبدأت اناور لأواجه الطيارين البريطانيين وجها لوجه. انحرفت لليسار، وقبل ان التف نحو اليمين احسست باصابة ذيل الطائرة. ولم تعد اجهزة التوجيه تعمل نهائيا وأصبحت الطائرة خارج نطاق سيطرتي. ثم نظرت لليمين فرأيت طائرة هاريير اخرى مقبلة فأخبرت رفاقي بأني سأقفز بالمظلة وهذا ما فعلته لأفقد الوعي بعدها مباشرة. حين استعدت الوعي وجدت نفسي معلقا في الهواء تحت المظلة. وأخيرا نزلت في البحر على بعد 200 متر من الشاطيء فسبحت الى البر، وأمضيت الايام الاربعة التالية امشي جنوبا لأني اعرف ان العدو في الشمال. أردت الوصول الى الخطوط الارجنتينية. وفي اليوم الرابع سمعت صوت محرك سيارة ثم رأيت جرارين. واعتقدت انها من القوات الارجنتينية،. وبدأت ارسل لهم الاشارات بالمرآة. اقبل علي رجل يعمل مديرا لمزرعة وعرفني باسمه: توني بليك. وأخبرته اني ارجنتيني، وأني أحاول العودة للخطوط الارجنتينية. فاستضافني في بيته وبعد حمام ساخن ووجبة ساخنة تحدث بالهاتف مع الارجنتين وأخبرهم بمكاني فأتوا وأخذوني أردت ان اهديه سكيني، لكن الحرب لم تكن قد انتهت، ولم اعرف اذا ما كنت سأحتاجها. حينما اسقطت القنابل على الفرقاطة البريطانية لم اكن اريد ان اقتل احدا كنت اريد فقط وقف السفينة اتمنى لو ان كل طاقمها قد نجا اني آسف للغاية لقتل البحارة فقد كنت جنديا ينفذ أوامر. كما اني لن انسى توني بليك أبدا. لكن من الذي اكتشفه قائد الهيلوكبتر البريطاني توني ايلربيك بعد ان اغرق الغواصة الارجنتينية سانتافي؟ يقول في معرض: بعد ان اطلقت عدة صواريخ على الغواصة بدأت تغرق وأسرع طاقمها بالهرب منها. رأيت احد الرجال وقد بترت رجله. بعد ان انهيت المهمة طلب مني ان اتوجه لأهبط على احدى الجزر الصغيرة بعد ان استسلمت حاميتها الارجنتينية. بعد دقائق فقط من الهبوط وصل بحارة الغواصة المنكوبة، وتبين ان البحار يحتاج الى جراحة عاجلة بعد بتر ساقه. وفيما انا واقف رأيت ارجنتينيا اعرفه يتوجه نحوي، انه صديقي حيث كنا نلتقي معا كل فترة على القارة القطبية الجنوبية، حيث كان يقود غواصة تقوم بأبحاث بحرية لصالح بلاده. انه هوراشيو بيكاين. قال توني ما الذي تفعله هنا؟ كنا قد التقينا قبل ستة اسابيع فقط. قلت له «مرحبا!» لكنه نظر خلفي ورأى الهيلوكبتر تحمل الصواريخ. قال: «لا، لا تقل انك انت». قلت: آسف يا هوراشيو لقد كنت على الجانب الآخر»