يحاول فيلم (مواطن ومخبر وحرامي) الاقتراب من فساد المصالح المشتركة التي تربط بين الثري سليم الذي يتمتع بموهبة الكتابة، وبين المخبر فتحي، والحرامي شريف. ويمكن تصنيف الفيلم ضمن «الكوميدراما» ان صح التعبير، ولقد مارس المخرج داوود عبدالسيد هوايته بوجود الراوي الذي يتدخل بشروحاته واسئلته بين المشاهد. يبدأ الفيلم بملاحقة المخبر فتحي للشاب الثري سليم عبر عرض خدماته المشبوهة مقابل مبالغ مالية، حيث كان سليم احد زبائنه الملاحقين ايام الشقاوة والصعلكة. وكان من ضمن خدمات المخبر احضار خادمة (حياة) وهي امرأة قصيرة، عشيقها مسجون في قضية سرقة. ومع تطور الاحداث يشعر سليم بأهمية وجود (حياة) حيث اعادت لبيته الفخم الحركة والنشاط والروح، وتتصاعد مشاعر الاثنين حتى تصل الى الفراش. ورغم وجود «مديحة» المثقفة التي تلبي نزوات سليم، الا ان «حياة» مثلت لديه طعماً اخر من النساء، حتى بدأ يحس بافتقادها، لكنها خانت الامانة وسرقت ما خف وزنه وغلى ثمنه، وهربت، الطريف انها سرقت الرواية التي كان قد كتبها الشاب الثري، رغم انها لا تعرف القراءة والكتابة، لكن الاحداث كشفت انها سرقت الرواية من اجل عشيقها الحرامي، الذي يحب قراءة الروايات. ويستعين سليم بالمخبر فتحي لاعادة مسروقاته وعلى رأسها الرواية التي مازالت مخطوطة، ورغم نجاح المخبر في مهمته، الا انه فشل في استعادة الرواية التي اصر الحرامي (شريف) والمفرج عنه، على الانتهاء من قراءتها، لكن شريف يرى انها رواية ساقطة واباحية وتخلو من المعاني والقيم الدينية السامية، فيلقي بها الى النار التي يعد عليها الشاي، وهي اشارة الى المتاجرين بالدين، رغم فساد سلوكهم الحياتي، وينفعل سليم فيقوم بفقأ عين شريف، فيدخل السجن، لكن المخبر اقنع شريف بتغيير اقواله في المحضر، ليخرج سليم من السجن، لتبدأ الصداقة سريعاً بين الثلاثة. ومع مرور الوقت يصبح الحرامي صاحب دار نشر، فيعد سليم بنشر رواياته الجديدة على حسابه كتعويض عن الرواية المحروقة، اما سليم الذي اكتشف فجأة انه ورع وتقي ومتدين، فقد اصبح روائياً مشهوراً، وتحول المخبر فتحي الى رجل اعمال بعد ان ترك مهنته، ويبدأ داوود عبدالسيد في توضيح فكرته عن المصالح الفاسدة حيث تزوجت «حياة» عشيقة الحرامي من الشاب الثري بحجة ان مشاعره تفجرت معها، اما «مديحة» عشيقة سليم فقد تزوجت من شريف لأنها اعجبت بثقافته، وهو مبرر غير مستساغ، فعشيقها سليم كاتب وروائي ومثقف ايضاً، فلماذا الزواج من صاحب سوابق؟ الحقيقة ان فوضى الارتباطات والزيجات غير المقنعة درامياً كادت تصيبنا بالاحباط والغضب من مخرج معروف بامكاناته الهائلة، خاصة انه كاتب الفيلم، لولا ان داوود عبدالسيد اسعفنا بمشهد شديد الايحاء والدلالة، وهي عادته عندما يرغب في هدم المعبد فوق رأس المشاهد المسترخي، المشهد هو خيانة كل من شريف وسليم، الحرامي والثري، لبعضهما عبر تبادل زوجتيهما في الخفاء، وكأن المصالح التي قرّبت بين طبقتين مختلفتين لا يمكن ان تصنع عالماً سوياً، ومحترماً، صالحاً للاستمرار، ومع ذلك ينتهي الفيلم نهاية سعيدة تجمع بين النماذج الثلاثة في اجواء من الغناء «الشعباني» والبيزنس، ليلمّح داوود عبدالسيد الى شبهة هذه النوعية من العلاقات غير المتكافئة، والتي تخفي وراءها الكثير من ضياع القيم، واستحالة استقامتها، رغم بريق شكلها الخارجي.. والدليل على ذلك ان فتحي الذي اصبح رجل اعمال، ارتدى ملابس المخبر (مهنته القديمة) في حفلة تنكرية، وهي اشارة الى ان حقيقة المرء لا يمكن ان تفارقه، مهما احتال على الحياة. الدليل الثاني هو حنين سليم الجارف الى روايته الاولى المحروقة، رغم شهرته برواياته التي انصاع فيها لنصائح صديقه الحرامي، وهي اشارة ايضاً الى ان حالة التقوى التي لبسها غير حقيقية، ولا تمثل اصله السلوكي، داوود عبدالسيد كشف العصب العاري عن كل تجليات الفساد في المجتمع المصري، فساد التدين، وفساد المساومة، وفساد الجسد، وفساد السلطة (المخبر).. يحسب للمخرج انه لم يفرط في استخدام اغاني شعبان عبدالرحيم. لكن يبقى هناك سؤال تترك اجابته للمشاهد، والمخرج معاً، وهو: لماذا وسم الشاب الثري (سليم) بصفة «مواطن»، ولم يسم بها الحرامي او المخبر، رغم وقوع الجميع في مستنقع الفساد، والمصالح المقيتة. مجدي ابو زيد