خرجت الفتاة الصغيرة ذات الجدائل من البيت المبني بالطوب اللبن بجدرانه شبه المستديرة.. وقفت رافعة الرأس تتطلع للأغراب المقبلين على متجر المشغولات اليدوية، الملاصق لبيتها في واحة سيوة المصرية وتشير بحركة يد واثقة والتفاتة شامخة إلى المدخل. لكن هذه النظرة الجسور ستغطى بعد بضع سنوات ربما عندما تبلغ السادسة عشرة بتلك الغلالة السوداء الموشاة بالخيوط الحمراء والبرتقالية التي تشغلها الفتاة السيوية على مدى شهور لترتديها ليلة زفافها. بعد ليلة الزفاف لا تخرج المرأة من بيتها إلا مغطاة الوجه تماما مخفية حتى العينين. لكن هذه النظرة المتحدة لا يكسرها النقاب الذي تفرضه تقاليد الواحة. يقول الخبراء ان العادات والتقاليد صارمة في هذه الواحة الواقعة بالصحراء الغربية على مسافة نحو 800 كيلومتر من القاهرة لكن تغطية الوجه وعدم الحديث الى الاغراب وغيره من مظاهر الصرامة لا يدفع المرأة السيوية الى هامش الحياة في الواحة. فالمرأة السيوية تمارس دورا حيويا في الحياة هناك وتمارس حقوقا خاصة فيما يتعلق بالطلاق كانت تعتبر حلما لنظيراتها في القاهرة والمدن المصرية الاخرى حتى وقت قريب. وقال عبد الله باغي أحد النشطاء في مجال الخدمة الاجتماعية في الواحة لرويترز ان المرأة السيوية تطبق منذ مئات السنين قانون الخلع الذي صدر في مصر قبل بضع سنوات فقط وحتى دون التفريط في حقوقها. يعطي قانون الخلع المرأة المصرية المسلمة الحق في الحصول على الطلاق فورا بشرط أن ترد للزوج ما قدمه لها من مهر وتتنازل له عن حقوقها الشرعية الاخرى مثل مؤخر الصداق والنفقة. وقال باغي «يكفي أن تجهر امرأة سيوية بأنها كارهة للعيش مع زوجها حتى تطلق منه أحيانا في اليوم نفسه وتحصل على حقوقها كاملة دون اللجوء الى القضاء». واضاف باغي وهو مدير الادارة التعليمية بالواحة والحائز على جائزة «اليوم العالمي لمكافحة الفقر في المجتمعات النائية» من الامم المتحدة أن العرف في الواحة يمنع تماما اكراه الزوجة على العيش مع زوج قررت أنها لا تريده حتى دون أن تبدي أسبابا أو تكشف تفاصيل علاقاتها الزوجية. وتابع «تلجأ المرأة لاحد كبار رجال أسرتها وتبلغه قرارها فيتصل هو بأهل الزوج الذين يجبرون ابنهم على الفور على تطليقها». وقال «انها مسألة كرامة». وتقول عزة بشير الباحثة بمركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الامريكية ان النساء هن القوة المحركة للواحة. وتضيف «المرأة هي التي تتاجر وهي التي تشرف على الزراعة وتقيم الصناعات الصغيرة بالاضافة الى رعاية البيت والاولاد واتخاذ اغلب ان لم يكن كل القرارات المتعلقة بالحياة اليومية». وتضيف عزة بشير التي تعاملت مع أهل الواحة في اطار مشروعات صغيرة لجلب بعض منتجاتهم للقاهرة لبيعها «نساء الواحة ماهرات في التجارة ولديهن وعي كبير بحقوقهن وواجباتهن ويفرضن على رجالهن احتراما قد لا يكون له مثيل بين المرأة والرجل في الحضر». وترى عزة بشير أن نساء الواحة أنشط من رجالها«كنت ادخل البيت فأجد السيدة في استقبالي والرجل نائم.. نتفق ونتعاقد وتتسلم المال لتمويل بعض المطلوبات من الاشغال اليدوية وتتفق مع بنات يعملن لديها وتصرف لهن الاجور وتعد المطلوب في الموعد وتسلمه وزوجها لا صلة له بالامر من قريب أو بعيد». ويقول باغي ان عرف الواحة لا يفرض على المرأة العمل كما لا يمنعها عنه. كانت الفتيات في الماضي يعكفن سنوات على شغل جهاز عرسهن من ملابس وحلي وصناديق تحمل فيها أمتعتها لبيت العريس إلى أن تتزوج فتنشغل بأعمال البيت. لكن باغي يؤكد أن مكانة المرأة محفوظة من قديم الازل. ويشير الى احترام أعراف الواحة للحقوق المالية للمرأة فهي تورث حسب الشريعة الإسلامية على عكس ما يفعل بدو اخرون مثل قبائل أولاد علي الذين يحرمون المرأة من الميراث على أساس أن عائلها سواء كان الاب أو الاخ أو الزوج مسئول عن كفالتها. ويقول «السيدة ميسورة الحال يحق لها التصرف في مالها كما ترى دون تدخل من أحد». حتى المجالس العرفية التي تفصل في جميع المنازعات بين سكان الواحة الاصليين تنصف المرأة حتى لو ارتضت هي لنفسها الظلم. ويروي باغي أن احدى سيدات الواحة ضربها زوجها فلجأت للمجلس لعائلة ليفصل بينهما فقضى المجلس بغرامة مالية على الزوج لصالح زوجته. لكن بعد الصلح أعادت المرأة المال لزوجها. وعندما أعاد الزوج الكرة وأعادت الزوجة الشكوى قرر مجلس العائلة ألا تكون الغرامة مالية واجبر الزوج على تسجيل شجرتي زيتون باسم زوجته. ومنذ ذلك الحين لم يعد الزوج لضرب زوجته ولم تلجأ هي لطلب الطلاق أو حتى الشكوى. ـ رويترز