طريق متعرجة تمر عبر غابة خضراء خفيفة الاشجار تعج بالنباتات الشائكة قبل ان تصل الى خرائب المايا القديمة في منطقة شاك بشبه جزيرة يوكاتان الممتدة في المكسيك، وأراض اخرى في أمريكا الوسطى بما في ذلك جواتيمالا. وفي حرارة شهر مارس الجافة يسلك عالم الآثار الامريكي جورج ستيورات ممرا ضيقا من التربة الحمراء المغبرة ليعبر الغابة الشائكة متخللا الاشجار الخفيضة المبتهجة ومتخطيا الطبقات البارزة من الصخر الكلسي الرمادي الذي حفرته وصاغت شكنه ألوف الفصول المطيرة منذ قديم الزمان. لكن هذه التجربة ليست جديدة على ستيورات الذي شق طريقه في رحلات عديدة مشابهة في الغابة الواقعة بشمال غربي شبه جزيرة يوكاتان خلال العقود الاربعة الماضية. ويقول سيتورات «لكوني مستكشفا وعالم آثار، فإنني اعلم جيدا ان العديد من بقايا آثار المايا القديمة لا تزال مخبأة هنا، كما كانت في الموسم الجاف 1841 ـ 1842 عندما وصل الى المنطقة الرحالة الأمريكي جون لويد ستيفنز». تحمل فريق ستيفنز عناء كبيرا من حر وعطش وحشرات مقيتة الى ان بدأت تنكشف له أعاجيب المايا واحدة تلو الأخرى. ففي منطقة «لابنا» وقف المستكشفون مشدوهين امام واجهة معبد مهيب مزخرف من اعلاه الى اسفله ومن طرفه الى طرفه الآخر بنقوش لاشكال بشرية ضخمة وتصاميم اخرى محفورة في الجص في حلة فنية بديعة لم ينتج مثلها شعب آخر. وفي منطقة «سايل» راعهم منظر اطلال قصر «كازا جراند» المزركش ذي الطوابق الثلاثة. تعرف المنطقة التي استكشفها ستيفنز خلال تلك الشهور الثمانية بـ «بوك» وهي لفظ يعني بلغة المايا »سلسلة التلال» او توسعا «بلد التلال» تغطي منطقة «بوك» مساحة تزيد على 2300 ميل مربع من تلال ووديان الاحجار الكلسية الوعرة في شمال غربي شبه جزيرة يوكاتان. وتعتبر تربة المنطقة من اغنى انواع التربة وأصلحها للزراعة في كل مناطق المايا، ومع ذلك فإن الارض هناك مبتلاة بنطاق مائي (مستوى تكون الارض تحته مشبعة بالماء)، يقع على عمق يصل الى 300 قدم تحت سطح الارض ولا يمكن الوصول اليه إلا من خلال كهف عميق في الصخر الصلد الواقع تحت طبقة الصخور الكلسية. ويقدر عالم الآثار مايكل سميث ان منطقة «بوك» في حدود عام 800 الى 1000 للميلاد كانت تضم حوالي 150 بلدة ومدينة مزدهرة مثل «أوكمال» و«كابا» و«سايل» وربما كانت تؤوي نحو نصف مليون شخص. ولتأمين أسباب الحياة لمثل هذه الامكنة شحيحة المياه، عمد المهندسون القدماء الى بناء ألوف الأحواض الاصطناعية تحت الساحات العامة وساحات الدور ولالتقاط وتوجيه وتخزين مياه المطر. وفي الطراز المعماري «البوكي» كانت الجدران والسراديب المبنية في حجارة محفورة بدقة بالغة تشكل طبقة خارجية تغلف الاجزاء المركزية الصلبة المبنية من الحجارة والملاط. وتتميز ابنية بوك ايضا بالتصاميم الخارجية المغطاة بالزخارف، وكان هناك في ذلك العصر القديم نحاتون ماهرون ينتجون اعدادا ضخمة من الحجارة المنحوتة التي كانت تستخدم في التماثيل وقطع الفسيفساء التي تحمل رسومات لآلهة مقنعة وثعابين متموجة ورموز فلكية وغيرها من الرسومات المتكررة في فن المايا. وكانت مثل تلك التجسيدات البصرية للابهة الكونية مقروءة لافراد قبائل المايا القديمة تماما هي الملصقات الدعائية السياسية مقروءة لنا اليوم. وتعج واجهات المباني هناك بتماثيل بالحجم البشري لرجال وآلهة مثل تمثال اله المايا الذي عثر عليه في اوكسمال. وتشير الدلائل المعمارية وتقاليد المايا المحلية الى ان «اوكسمال»، اكبر وربما اقوى مدن بوك، بدأت تزدهر في حدود عام 700 للميلاد وبعد حوالي قرن أمر حاكم المدينة شان شاك كاكنال أهاو ببناء معابد وقصور عديدة، بما في ذلك قصر الحاكم، لا تزال باقية حتى يومنا هذا وتعتبر من أروع تجسيدات فن العمارة القديم. وكبقية جاراتها الكبيرة كانت أوكسمال تتباهى بصروحها الحجرية الملونة الانيقة، من اهرامات ومعابد ومنصات وأبنية سكنية فخمة تعج بالزخارف الرائعة وكانت حدائق الخضار المنتشرة بين دور المدينة تكمل حقول الذرة المنبسطة على اطرافها. كانت تلك الى جانب احواض المياه الاصطناعية تشكل اساس الحياة في أوكسمال ومدن التلال الاخرى. ويعتقد بعض الاكاديميين ان فترات القحط المطولة سرعت على الارجح افول نجم أوكسمال وجارتها في التلال. ويقول ريتشاردسون جيل، الذي درس المسألة بشيء من التفصيل: «فترات القحط كانت قاسية لا ترحم، وقد ازدادت سوءا موسما بعد آخر الى ان أتت على كافة اشكال الحياة واصبحت المدن خاوية على عروشها، كما نراها الآن». علي محمد