مجموعة من البدو الرحل، ما بين الصحراء السورية والعراقية، ماتت زوجة أحدهم.. بعد الدفن في الرمال اخذو يبحثون عن حجر كعلامة توضع على قبر المتوفاة، لتبقى كعلامة ليعرفوا قبرها كلما مرت قوافلهم ولكن وأين بحجر في صحراء مترامية الاطراف، لا شجر ولا ماء ولا بشر.. أثناء التفتيش، عثروا على حجر اسود بين الرمال الصفراء، حاول احدهم انتشاله فلم يستطيع طلب المساعدة، وكانت المفاجأة تمثالا اسود لرجل ملتح مكسور الانف كان هذا العام 1933 أخبروا السلطات الفرنسية، التي كانت تحتل سوريا آنذاك، وفورا توجه ضابط من مدينة البوكمال الحدودية، وهناك وقف مدهوشا، امام التمثال، حيث شاهد كتابة مسماوية عليه، وطار الخبر الى متحف اللوفر في باريس، وأرسلت فرنسا بعثة أثرية بإشراف اعظم وأكبر الاثريين الفرنسيين «اندريه بارو» مكتشف مدينة ماري.. فما هي ماري..؟! يدعى تل الحريري.. قرب البوكمال على مسافة 12 كم وهي تبتعد عن دير الزور 130 كم وصل بارو وبدأ بدراسة الموقع وتاريخ المنطقة لا مفتاح لحل ومعرفة هذا الموقع وبدأت المعاول تعمل بجد، من العام 1933 حتى الآن 2001م. شكل المدينة بيضوي طولها 11 كم وعرضها 800 متر محاطة بسور، ما عدا الجهة المطلة على نهر الفرات حيث النهر حد للدفاع عنها. واسفرت الحفريات عن اشياء مذهلة، قلبت آراء الاثريين ونظرياتهم التي كونوها عن الشرق القديم وعن التوراة مصدر معلوماتهم. حوت ماري قصرا لملوكها، هو اهم قصور الشرق القديم، ووصف بأنه درة العمارة الشرقية، في الألف الثانية ق.م حتى ان الوثائق التي اكتشفت فيما بعد، والتي عرفت بأرشيف ماري، حوت نصا من ملك اوغاريت السوري يطلب منه الموافقة على استقبال ولده، ليتعلم طريقة بناء القصر، ولينقلها للفينيقيين الكنعانيين في اوغاريت، القصر مشيد على مساحة 3500م2، فيه 300 غرفة وباحات واسعة جدا، محاطة بسور على ارتفاع 6 أمتار وأثناء تنظيف غرف القصر المبنية من القرميد، وهي حجارة البناء في حوض الفرات ودجلة، وقف اندريه بارو في حالة من الذهول امام مستودع فيه 20000 لوح من الطين المشوي «رقيم» انه ارشيف ماري السياسي، الذي تحدثت عنه وثائق تل العمارنة الفرعونية، ووثائق اور العراقية، وبابل الكلدانية... انه اقدم ارشيف سياسي في التاريخ وطار الخبر عبر وسائل الاعلام آنذاك الى اوروبا وأمريكا وكان اكتشاف العصر. هذا الارشيف الوثائقي سلط الضوء على تاريخ العالم القديم لفترة الطوفان.. انها ماري التي ذكرها «دولي» شيخ الاثريين البريطاني، ومكتشف «أور» العراق والذي قال عنها انها مدينة حكامها من السلالة العاشرة لما بعد الطوفان. وبدأت حملات فك النصوص المسماوية، فكانت سياسية وتجارية واقتصادية وأدبية.. وبدأت الروائع تظهر تحت الرمال والانقاض تمثال لحاكمها الشهير «زمري ـ لم» تمثال «ربة الينبوع» من اجمل تماثيل العالم، تمثال «ايتشوب ايلوم» الحكيم، الاسدان البرونزيان اورنينا «عازفة المعبد ومطربته» لعل اجمل ما في ماري قصرها كما تحدثت عنه، والمبنى في الألف الثالثة ق.م. وجدت معابد بأعداد كبيرة بنيت في نفس الفترة، وكان معبد «داغان» الاكثر اهمية ومساحة وضخامة يحرسه الاسدان البرونزيان والمشيد في الالف الثانية ق.م ان ملوك ماري شيدوا المعابد لآلهتهم واسكنوها مئات التماثيل رائعة النحت، كما وجدت تماثيل لحاكمهم وكبار موظفيهم ومواطنيهم، ولكنها مكسورة الانف، وتبين بعدها ان المدينة عندما سقطت على يد «حمورابي» وقبل تدميرها نهائيا كسر أنوف جميع التماثيل الموجودة فيها، على مبدأ «جدع أنف فلان» كناية على قهره واذلاله. سكان ماري هم شعب عربي عريق جاء من الجزيرة العربية، مع الهجرات السامية الاولى واستوطن حوض الفرات الاوسط، في الصحراء السورية، واتخذ ماري عاصمة له، وسمي «بالعموريين» او «الاموريين» وكانت ماري المدينة العاشرة التي عمرت بعد الطوفان، وذلك في 2450 ـ 2280 ق.م، حسب وثائق «كيش وأور والالاخ وبابل». بدأ عهد الازدهار فيها عام 2450 ق.م واستمر حتى 2250 ق.م حين دمرها ملك اوروك السومري «لوغال زاغيري» وفي الفترة الثانية المزدهرة قامت لتنافس الاكاديين حكام الشرق، وأصبحت ماري دولة مهابة الجانب سيطرت على حوض الفرات وراسلت حكام حلب، وأوغاريت،م وراحت تجارتها تجوب العالم القديم، وأصبحت محطة للقوافل التجارية، وحاضرة يسعى اليها كل باحث عن معونة، او دعم عسكري، او حلف قوي يسانده امام اعتداءات الغير. دخلت ماري صراعا مع ملك بابل الشهير «حمرابي» فحاصرها وأحرقها، بعدما دمرها العام 1750 ق.م لتختفي ماري والى الابد تحت الرمال. لعبت المدينة الامورية ماري دورا مهما في تاريخ العالم القديم وخصوصا في منطقة بلاد الرافدين لما لموقعها الجغرافي المتصل ما بين العراق وسوريا والجزيرة العربية والخليج العربي، وشمالا لبلاد الاناضول وغربا لساحل المتوسط ومصر، تقول وثائق ايبلا المكتشفة منذ عقدين من الزمن ان مملكة ماري، كانت اعظم حاضرة تجارية وثقافية في حوض الفرات، وكانت ديانتها متميزة عن كل الديانات في العالم القديم، من حيث كثرة معابدها، وتعدد آلهتها، ولعل عشتار الاكثر شهرة، وبلغت مراكز رجال الدين مرتبة عالية وكانوا ذوي حظوة غير ملوكها. وكان رجال الدين حسب التماثيل المكتشفة حالقي شعر الرأس، يرتدون تنورات طويلة عريضة، صدورهم عارية، وهذا ما يشبه رجال الكهانة البوذية الآن. تميز الفن المعماري في ماري، بالنقوش والرسوم الجدارية التي تزين القصور والمعابد، فوجدت الحلي الذهبية والاختام الاسطوانية بديعة النقوش، وقوالب لصناعة الخبز الملكي، وهي عبارة عن تحف فنية رائعة، تظهر حجم الرخاء المادي في مجتمع ماري، مارس اهالي ماري الزراعة بحرفية رائعة ومتطورة من حيث الادوات والاسلوب، حيث مددوا القساطل الآجرية من الفرات حتى المدينة، وعلى مسافة 5 كم كان اول نظام ري في العالم. كما اوجدوا اول نظام للصرف الصحي والعناية بالنظافة العامة، والحمامات في التاريخ البشري، وكانت عندهم مدارس خاصة لتعليم اولاد الملوك والقواد، وكبار الكهنة والموظفين وهذا ما وجد في ارشيف المدينة وموثق في الجداريات المحفورة على جدار القصر والمعابد، والى جانب الزراعة والتجارة ازدهرت تجارة المواشي من الاغنام والابقار والجواميس والماعز والخنازير. يقول اندريه بارو في كتابه «ماري» وقفت مذهولا بعد هذه الاكتشافات وعرفت بأن بلاد الرافدين كانت مهد الحضارات البشرية، وان ماري قلب هذه الحضارات حيث قرأت في ارشيفها اسماء ملوك ووزراء وكهان وفلاحين وأطباء وفرسان وملوك لدول مجاورة «إيبلا ـ حلب ـ توتول ـ كوكميش ـ أوروك ـ بابل ـ أوغاريت ... الخ انها مراسلات بين الملوك بلغت من الرقي الادبي وفن الخطابة ما نعجز عنه اليوم، والعالم يدعي انه في قمة الحضارة عودوا الى ماري، وشاهدوا وافرأوا ارشيفها، تعرفون انكم لم تبلغوا من التطور الذي شاهدته اول درجات الرقي. ملاحظة: ان ارشيف ماري السياسي ادخل النصوص التوراتية في حالة من الشك والدراسة الجديدة لما جاء فيها من قصة الطوفان، وقصة الخلق وقصة العالم القديم. تنتشر مكتشفات ماري في متحف حلب، ودمشق، ودير الزور، ومتحف اللوفر وهو يضم معظم آثارها وفي المترو بوليتان يوجد اثار لماري، وفي المتحف البريطاني كذلك، وما زالت حتى الآن تجري الحفريات وتظهر عظمة ماري للعالم، بأن العرب خير أمة أخرجت للناس وعلى مر التاريخ في الحضارة والفكر والعطاء الاسمى للعالم. ويتابع بارو اعجابه بمكتشفاته في ماري: تصوروا لو ان ماري تشيدت بالحجارة مثل تدمر... يا للروعة انها اعظم ما اعطت البشرية من فن معماري ولكن ندرة الحجارة والمقالع في حوض الفرات الاوسط، والاعتماد على الطين جعلت حضارتهم المعمارية تفنى وتبقى الحضارة المكتوبة، لذلك سجلت حضارة بلاد الرافدين تحت عنوان «كتبوا على الطين» وهل هناك أعظم من الكتابة. حلب ـ وضاح محيي الدين