بيان الكتب: في رحلة أرادت للقاريء فيها ان يعدو مع الظباء وان يشرب الماء من الجود ويترنم مغنيا مع حادي الظعن وان يتمتع بمذاق القهوة المرة الحقيقية تأخذنا الكاتبة لينا هويان الحسن عبر كتابها الجديد «مرآة الصحراء.. صور من ذاكرة البادية» حيث تقول في مقدمة الكتاب: «الصحراء انها مملكتي.. اليها خذيني ايتها النشوة لعلني أوفي لها نذوري.. بوجل دنوت من رتاجات الصحراء وبوجد تطلعت صوب الآفاق التي حكم عليها بالسراب الابدي.. ونحو بيوت الشعر رنوت بمقلة عاشق يسائل حين التلاقي مع معشوقه». فعن تدمر تلك المدينة الحقيقية التي ماتت ولكن طيف زنوبيا لايزال مهيمنا على تدمر التي غدت اطلالا تبدأ بوجهها الشاعري لتنتقل الى الرصافة والتي دفعها الشوق لزيارتها مرة ثانية وحين وصلتها كان قد سبقها اليها وابل من المطر فبدا كأنه دموع غزار ذرفتها السماء. أما رابعة تلك الفتاة البدوية من عشيرة العنزة والتي عشقها الطبيب الانجليزي ميريون الذي رافق الليدي استر ستانهوب في رحلتها الى الشرق فتقول عنها انها ظبية بالحراب والسيوف تصان ومنذ متى تربط الرطانة الاعجمية وشائج القربى مع الفصاحة العربية فوداعا أيها الانجليزي ولتصحبك السلامة. ولا تنس لينا هويان الحسن البادية وهي تنفث ريحا ولا الاندرين تلك المدينة الأثرية التي تغزل بها عمرو بن كلثوم ولا بيداء الأزل حيث النجوم الساهرة وطيوف الشهبان المارقة وفتون قمرها السادر وهدأة فجرها الساحر فهي تنحاز للمكان الأكثر حرية والصحراء هي الحرية المقيمة بين حناياها أبداً والمسكوبة على ثراها المصقول طولا وعرضا بينما المدن فلا أثر للحرية الا على أجنحة الحمائم التي تحلق في السماء. وعن الشرف تقول الكاتبة الحسن انه ينبت من جفنات السيوف وحمحمة الجياد الشموسة وينشدون متعة الحياة على ظهور جيادهم التي روضوها من أجل اعلان النصر على خصومهم حيث تجرفهم عواطف متأججة مجنونة ويحركهم هاجس السيادة والسيطرة على الصحراء وهم يعرفون تماما ان السيادة هي للعزيمة والارادة القوية فهناك من أجل السيادة أنت مرغم على ان تصارع بلا هوادة ولا تستسلم أما ان تسيطر أو تموت فالقوة مطلب الصحراء وارادة القتال مفتاحها. أما العطفة فهذه من عادة البدو اتخاذ العطفات في المعارك الكبيرة وتكون العطفة بأن يأتوا بفتاة من أكرم فتيات العشيرة وأجملهن وأطلقهن لسانا حيث العادة بأن تكون هذه الفتاة ابنة الشيخ فيركبونها ناقة عليها هودج ذو شكل خاص يدعونه العطفة فتسوق الفتاة ناقتها الى الأمام وتكشف رأسها وتنخي القوم وتحرّضهم على القتال حيث من عادة البدو ان من خسر عطفته أوقعها في يد عدوه لا يمكنه ان يتخذ بدلها ما لم يأخذ هو عطفة من عدو ويغنمها. وعن أخلاق وسجايا أهل الصحراء تستشهد الكاتبة بما كتبته الرحالة بول هنري بوردو حيث قالت: «لقد كان البدو يدركون بعفويتهم المدهشة بطلان العدالة المشوهة والقاصرة وغالبا ما يتركون أمورهم للصدفة تحكمها، لقد حلت لعبة (الاستنماية) هذه محل القوانين الاجتماعية عندهم فالأكثر مهارة وقوة هو الذي يبلغ هدفه وربما كان الرهان دمويا». وفي فصل خاص عن الذين تلاقوا على مورد الشرق تفرد لينا هويان الحسن مساحات واسعة للحديث عن جنية الشرق وساحرة الصحراء الليدي استر ستانهوب التي وقفت على عتبة الشرق وهي مصممة ان تعبر بوابته التي يتمازج في تكوينها النحاس مع العاج ومؤطرة بالذهب والفضة والتي تركت خلفها كل شيء عندما كانت في الثلاثين من عمرها حين ولجت مغارة تملؤها العجائب والتي قال عنها «دور فيللي» انها تلك الامازونية العربية قد استعجلت الخروج من الحضارة الاوروبية والروتين الانجليزي الذي يشبه سيركا باندا يدور فيه المرء حول نفسه لتستعيد مشاعرها وسط الاخطار وفي حرية الصحراء فقد كانت الليدي ستانهوب شجاعة في كل شيء ولهذا عرفت البدو حق المعرفة وليس بدو التصدير والمسرحيات الضاحكة وإنما البدو الحقيقيون على طبيعتهم بتفاخرهم وميلهم للغز ومكرهم ففي وطنها أخنعتها عبسة القدر فرحلت تستجدي ضحكته وبقبضته الأمل دقت أبواب الشرق. أما الليدي جين دجبي زنبقة الصحراء والتي هامت حيث كان صوت الابل ينفذ في الأذن والنفس ويملأ الحياة بالفخر والخيلاء، فقد أرادت هذه الحسناء الانجليزية ان تحيا في جو مفعم بالحرية والحب فكان حلم السعادة لا يفارقها في اليقظة والنوم، فالشيء الجميل هو سعادة الى الأبد وهذا ما أرادته جين دجبي التي تزوجت الشيخ مجول المصرب وعاشت دون ان تبرح كنف العاطفة الصادقة فمشت وراء كل ما يغري قلبها فهو مثال حي للانسان الذي لا يمل من السعي الى هنائه، لذلك فقد عثرت هذه الحسناء على هنائها بين قطيع من الأيائل موغل في أعماق الصحراء كذلك الامر بالنسبة الى الليدي آن بلنت التي كانت هي الاخرى مأخوذة بهاجس الشرق حيث ابتدأت رحلتها بصحبة زوجها الكابتن «ولفرو» من حلب عام 1878 ورافقت الفرات في مجراه حتى دير الزور وتوغلت في غابات الطرفاء والبرك المحاطة بالاجمات وصادفت الطيور بأنواعها وفي طريقها الى بغداد استضافتهما القبائل البدوية بحفاوة بالغة وفي بغداد قابلت أحد الامراء الهنود الذي دعاها الى بيته قرب بغداد والذي وصفته بأنه منتجع صحراوي أعجبت بنوافذه التركية الطراز وادهشتها أبراج الحمام التي تؤمها آلاف الحمائم البيضاء. دمشق ـ «بيان الكتب»