بيان الكتب: من المعروف أن الكتب التي تتناول الحركات الإسلامية في فلسطين كثيرة لا حصر لها، وخاصة تلك التي تتحدث عن حركة حماس، هذه الحركة التي أثبتت نفسها ووطدت أقدامها في الداخل والخارج، حتى أصبحت رقما لا يمكن تجاوزه على الصعيدين السياسي والعسكري محليا وإقليميا وحتى دوليا. إلا أن أهمية هذا الكتاب درب الأشواك تجيء ومن عدة محاور، على رأسها أن مؤلفه ـ المهندس عماد الفالوجي ـ الذي ولد في مخيم جباليا عام 1963م، لم يكن عضوا في جماعة الأخوان المسلمين فقط، بل ومسئولا عن حركة حماس في فلسطين ابان الانتفاضة الأولى، وتحديدا خلال أعوام 1989 ـ 1991م. ولما كان أهل مكة أدرى بشعابها فإن الفالوجي يعد من أبرز الأسماء داخل الهرم الحماسي ليتحمل أعباء هذا العمل الجاد والمهم، يخوض غمارة بكل رشاقة وسلاسة وجدارة، وبأسلوب روائي آخاذ ، يسرد من خلاله عبر سيرته الذاتية ـ إرهاصات الميلاد للانتفاضة الأولى وعلاقة حماس بها والانطلاقة الجديدة لها من خلال وضع هيكلية تنظيمية منظمة لحركة حماس من جهة، وخطة عمل تفصيلية لكل جهاز فيها من جهة أخرى، ابتداء من جهاز الأحداث فالجهاز الإعلامي والأمني والعسكري وانتهاء بجهاز أنصار حماس. ينقل لنا الكاتب الصورة الحية عن امتداد حركة حماس وتوسعها داخل المؤسسات والنقابات، والمشاكل التي نجمت عن هذا التوسع خاصة ظاهرة العملاء، كما يفرد عدة صفحات في عدة مواضع عن علاقة حركة حماس بالحركات والتنظيمات الفلسطينية المختلفة، داخل الخط الأخضر وخارجه، وعلى رأسها ـ طبعا ـ حركة فتح التي تشكل العمود الفقري ل«م.ت.ف» وبكل موضوعية يتحدث المؤلف عن هذه العلاقات الفلسطينية ، وما شهدته من لحظات تقارب وسكينة وتباعد وضغينة، وهو بذلك يتوخى الوقوف على الإيجابيات لتتبع هديها، وكذلك العثرات لتجنب أن تزل القدم فيها من جديد. ولحرب الخليج التي بصمت آثارها بوضوح في عقد التسعينيات على الدول العربية شعوبا وحكومات، نصيب في هذا الكتاب، من خلال الوقوف على آثارها الإيجابية والسلبية بالنسبة لحركة حماس، وعلاقتها بالدول العربية الخليجية خاصة . ويذكر الكاتب أيضا الضربات العديدة والمتلاحقة التي تعرضت لها حماس، يعددها ذاكرا الأحداث والظروف التي واكبتها، والآثار والنتائج المترتبة عنها، حتى يصل إلى الضربة الحقيقية وليلة اعتقاله، ليبدأ مرحلة جديدة في درب الأشواك الذي اختطه لنفسه من أجل تحرير أرضه ووطنه من يدّ المحتلين الغاصبين. وننتقل مع الفالوجي في رحلة مفعمة بالتضحية ، وذلك من معتقل أنصار إلى سجن غزة المركزي فسجن جنين والمجدل وحتى سجن نفحة الصحراوي، وما رحلة هذا الفرد ـ عماد ـ الا تعبير صارم وصارخ عن رحلة شعب مكافح وهو الشعب الفلسطيني البطل. وفي هذه المرحلة من الكتاب يشم القارئ مسك السجين وعرق السجان، الذي يتقزم أمام إرادة المساجين حين يضربون عن الطعام عدة أيام وأسابيع، ويتحملون أصول التحقيق وتعذيب الزنارين بشتى أصناف العذاب. ويدخل المؤلف إلى حياة السجن الخاصة بذاته، ينقل لناس خلف القضبان الحديدية العالم الفسيح الذي يتربع هناك بأحكامه وحكامه ـ والفالوجي واحد منهم ـ وكذلك إشكالياته. كما يحدثنا عن المنمنمات الأولى لكتابته الصحفية، إضافة إلى نص المقالات التي نشرت له من داخل السجن في الصحف المحلية والعربية، ومن المعلوم أن المهندس عماد الفالوجي هو مؤسس صحيفة «الوطن» الناطقة باسم حماس وصوت المعارضة. ويستمر السرد جنباً إلى جنب ـ مع تصاعد الحدث السياسي والتاريخي حتى يصل المؤلف إلى بداية العملية السياسية وانعكاسها على الشارع الفلسطيني، حيث أوجدت بدورها نوعاً من التوتر بين حركة حماس وحركة فتح، وصدامات دامية مؤسفة في بعض الأحيان. وهنا تظهر الاطروحات السياسية داخل حماس، وبداية التفكير في العمل السياسي الإسلامي وطرح الهدنة ، وقد كان المؤلف من أبرز الذين حملوا وزر هذا التيار وتحملوا عناءه داخل حركة حماس، التي بقيت ـ أحياناً ـ تراوح مكانها سياسياً في لحظات الركود التي تهب على المنطقة بين الفينة والأخرى. ويتوقف الكاتب عند حدث بارز أيضاً وهو عودة الرئيس ابو عمار من المنفى إلى أرض الوطن. واللقاء الأول الذي جمعه به بعد أن خرج ـ أي الفالوجي ـ من المعتقل بعد قضاء ست سنوات في السجون الإسرائيلية، وهنا يتم تسليط الضوء على الوضع الجديد للمنطقة، وخيارات حركة حماس الصعبة في ظل الظروف المحيطة بها، وضرورة إيجاد استراتيجية للحركة في تلك المرحلة، وعلى المدى البعيد أيضاً. كما يحدثنا الكاتب عن تجربته في صحيفة «الوطن»، وكذلك عن سفره إلى أسبانيا، ونشاطه السياسي الخاص مع لجنة الحوار، ويتطرق أيضاً إلى موضوع الأحزاب السياسية التي نشأت في تلك الفترة، وتشكيل حزب الخلاص الوطني الإسلامي، وتأسيس مكتب الحوار الفلسطيني . يعرض الكاتب أيضاً لانتخابات المجلس التشريعي، وانتخابه عضواً في هذا المجلس، ليعينه الرئيس عرفات فيما بعد وزيراً للبريد والاتصالات في السلطة الوطنية الفلسطينية . ومن خلال هذا العمر الوجيز سناً الزاخر حدثاً والناضج فكراً والمستنير رؤية يفسح لنا المهندس المناضل عماد الفالوجي تجربته لتسهم في إزالة الضباب من الطريق كي يعبر الفاتحون لكل ثرى فلسطين. يقع هذا الكتاب في أربعمئة وخمسين صفحة من القطع الكبير المجلد تجليداً فنياً فاخراً، كما ويحتوي على فهرس شامل يتضمن ما يزيد على مئة عنوان معبر ومنتقى يشي بالمضمون ويتسلسل سردياً وتاريخياً برشاقة وإتقان مما يحقق الفائدة والمتعة في آن معاً. عمان ـ «بيان الكتب»