بيان الكتب: يمثل التحول الفلسفي والعلمي الذي تمخض عن حل ارسطو لأزمة التواطؤ التي مر بها العلم اليوناني في العصر الذهبي أبرز النتائج الإبستمولوجية للدور الذي أداه مفهوم التناسب الرياضي والكلي المنطقي في الفلسفة العربية ، وما تلاها من الفلسفات المؤلفة منها خلال المرحلة الفاصلة بين ارسطو وبداية الفلسفة العربية. فقد أصبح الكلي بما هو المعلوم معرفياً والقائم وجودياً ـ طبيعياً هو محور كل تفكير علمي في المنطق والرياضيات وكل تفسير فلسفي نظري في أسسهما الميتافيزيقية، كما أصبح الكلي بما هو المعمول عملياً والقائم وجودياً ـ شريعياً محور كل تفكير علمي في التاريخ والسياسات وكل تفكير فلسفي علمي في أسسهما الميتاتاريخية، حيث تحرص الفلسفة الإنسان على البحث عن أجوبة لأسئلة ما برح يطرحها على نفسه... والبحث عن الإجابة هو ما يشكل دائماً نواة كل معرفة وبفضله تراكمت العلوم والمعارف. وفي كتابه الفلسفي الجديد يركز الباحث ابو يعرب المرزوقي على «تجليات الفلسفة العربية ـ منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي» محاولاً تذكيرنا بأنه يمكن للعقل العربي المعاصر استدراك ما فاته من تقدم تحت وطأة عصور الانحطاط فعدم التحديد الواضح لمنزلة الكلي الانطولوجية والتردد بين واقعية أفلاطون العقلية وواقعية السفسطة الحسية ابقيا على غموض موضوع النظر في المنطق والرياضيات بوصفه الوجه النظري من هذه الكلي في علم صورة المعلوم ذلك ان المنطق والرياضيات هما سبيلا التعبير عن المعقول النظري الممكنان كما ابقيا كذلك على غموض موضوع العمل في التاريخ والسياسات بوصفه الوجه العملي من هذا الكلي في علم صورة المعمول، اذ أن التاريخ والسياسات هما سبيلا التعبير عن المعقول العملي الممكنان. فمسألة المنزلة الانطولوجية للكلي مسألة خطيرة إذ ان تحديدها هو الذي يحكم منزلة المنطق والرياضيات نظرياً والتاريخ والسياسات عملياً ومن ثم فهو الذي يفسر تاريخ هذه العلوم. ويشير الباحث المرزوقي في مقدمة كتابه الجديد الى أن الحل الارسطي عند تمحيصه لا يختلف عن الحل الأفلاطوني الا بضرب وجود الكلي وضرب علمه اما واقعيته فهي مسلمة منهما... فالكلي العام تصوراً في العقل يمثل الثابت الواقعي في السيلان الأبدي ثباتاً يتحقق في الصور النوعية للأنواع الحية التي تمثل أرقى أشكاله الطبيعية فالكلي هو صورة عينية في الوجود يختلف ضرب وجودها بين المفارقة والمحاثية ولكنه يظل في الحالتين واقعياً فاختلاف ضرب الوجود هو الذي يحدد ضرب المعرفة الفنية عن الحس أو المحتاجة اليه دون ان ينفي عنها في الحالتين طابع التقبل من الخارج. وهكذا يتضح ان البحث في المسألة الابستمولوجية المتعلقة بطبيعة شكل العلمين النظريين «الرياضيات والمنطق» والعلمين العمليين «السياسات والتاريخ» وبطبيعة موضوعي الزوجين يعود الى البحث في الجذر الواحد لهاتين المسألتين. ولما كان الكتاب الجديد محاولة في تحديد منزلة الكلي في بعديه النظري والعملي خلال عصري الأفلاطونية المحدثة العربية وما يفصل بينهما من امتزاج متوتر بين الفكر الفلسفي والفكر الديني فقد اختار الباحث منزلة الكلي في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة والحنيفية المحدثة العربيتين نموذجاً لجدلية الاتصال والانفصال بين الأفلاطونية المحدثة العربية والحنيفية المحدثة العربية الناقلة من منزلة الكلي الواقعية الى منزلة الأسمية. حيث يندرج البحث الفلسفي الجديد في إطار منزلة الكلي في الفلسفة العربية الوسيطة التي تراوحت بين طرفين أحدهما تمثله الأفلاطونية المحدثة العربية والثاني تمثله الحنيفية المحدثة العربية بوصفهما متنافستين على دور المرجعية الأولى «في مجالي العمل والنظر الإنساني»، بما تحددانه من منازل متقابلة ومتساندة للكلي وبما تستخرجانه منها من نتائج نظرية وعملية. فالمذهب الأسمي في الفلسفة العربية الوسيطة والمذهب الواقعي يوجدان عند أصحاب الفلسفة وتابعيهم من العلماء والمتصوفة وأصحاب الحنيفية وتابعيهما من العلماء والمتصوفة، رغم ميل الاولى الى الواقعية وميل الثانية الى الاسمية. كما يرى الباحث ابو يعرب المرزوقي في كتابه الجديد أن النتائج النظرية تتعلق بطبيعة فعل العقل النظري «الفعل والانفعال» وبمنتوجية الأساسين وهما المنطق والرياضيات واختلاف منزلتهما عند الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة شكلاً «ابستمولوجيا» وموضوعاً «وجودياً» ودوراً في العلوم الأخرى «منهجياً» وتوظيفاً «عملياً» فما من قاريء مهما تعجل لم يلحظ اختلاف الموقف الكلامي عامة من المنطق رفضاً ومن الرياضيات تسامحاً والتركيز العجيب عند المتكلمين على اتهام النتائج الوجودية للمنطق ومحاولة حصره في الوظائف المنهجية الى حدود السعي الى جعله مجرد معادلات صورية خالية من كل مضمون وهو تركيز تبني الرياضيات الى حدود اعتبارها من وسائل الترفيه الفكري. كذلك تتعلق النتائج العملية بطبيعة فعل العقل العملي «الفعل او الانفعال» وبمنتوجيه الأساسين وهما التاريخ والسياسات واختلاف منزلتهما عند الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة شكلاً وموضوعاً ودوراً في العلوم الأخرى منهجياً وتوظيفاً وما التقابل بين الفلاسفة والمتكلمين حول طبيعة القيم وحول السياسة المدنية والسياسية بمقتضى طبائع العمران وهو تقابل قد يشق الكلام نفسه الى فريقين إلا من العوامل المهمة لتحديد منزلة العقل والمعقول في مجال العمل والقيم لموضوعي التاريخ والسياسة. ويرى الباحث المرزوقي ان الاقتصار على دراسة هذه المسألة في الفلسفة العربية الوسيطة واستثناء الفلسفة اللاتينية الموازية لها بفاصل زماني يعدل الثلاثة قرون فعلته النظرية والعملية واضحة، ذلك أنه من الممتنع عملياً ان نجمع في دراسة واحدة جدية بين فلسفتين من هذا الحجم، بل أن الواحدة منهما تفوق بمفردها طاقة الإنسان الواحد ان هو سعى الى الاحاطة فما يمكن ان نطلق عليه اسم الأسمية العربية هو الذي لم يدرس دراسة علمية جدية مما أبقى على منزلة الكلي عامة ومنزلة بعديه النظري والعملي خاصة منزلة غائمة غير محددة. اما علة هذا الاستثناء النظرية فإنها أهم وأشد وجاهة من هذه العلة العملية فكون الفلسفة العربية وسيطاً واجباً بين الفلسفة اللاتينية وماضيها الكلامي «المسيحية الشرقية» والفلسفي «الأفلاطونية المحدثة الهلنستية» المتقدمين على الإسلام والمعاصرين لعصره الاول والثاني. مما قد يجعل عملنا مجرد محاولة لاستخلاص الفروق وإبراز الاختلافات بين الفلسفتين العربية واللاتينية فلا يتم التفرغ للمقصود الذي هو تحديد منزلة الكلي في الفلسفة العربية نموذجاً مثلاً لكل الفلسفة ومعنى ذلك ان كل عائق نظري يمكن تجنبه دون الإخلال بالهدف فيتم استثناؤه. فلو كان الهدف هو تحديد الاسمية في الفلسفة اللاتينية الوسيطة لكان التغاضي عن الفلسفة العربية محظوراً نظرياً لدور هذه في تلك، رغم خلو هذه الدراسات في الواقع من مثل هذه الاشارات لدوافع لا فائدة من فحصها اما دور الفلسفة اللاتينية الوسيطة في الفلسفة العربية الوسيطة فلا وجود له أو لا يكاد يذكر بجدية حتى لو سلمنا ببعض الآراء المتعلقة بدور التصوف المسيحي الغربي في التصوف الاسلامي الاندلسي، فان الجمع بين الفلسفتين يصبح من النوافل المؤدية الى الحشو والمقارنات السخيفة وهو إذا ما حدث فسيئول الى ما نسعى جاهدين الى تجنبه وهو تقدم الدوافع العقدية الدفاعية للرفع من شأن الفلسفة العربية بفضل المقارنات التي ترد التالي الى المتقدم اثباتاً لدور العرب وفضلهم على العصر الوسيط اللاتيني، حيث يعتبر العصر الوسيط في تحقيب تاريخ الفلسفة، عصر الفلسفة العربية واللاتينية، إذ ان السريانية والعبرية قد اقتصر دورهما على مجرد الوساطة الاولى بين اليونانية والعربية والثانية بين العربية واللاتينية وهو كذلك في الفلسفتين العربية واللاتينية، عصر التفاعل الصدامي بين الفلسفة التي كادت تنحصر في اللاهوت العقلي والدين الذي كان ينحصر في اللاهوت الوضعي. وبحكم موقف غريب من مؤرخي العلم والفلسفة اهمل هذا العصر وكاد يعتبر مرحلة موات في تاريخ الفكر عند الحديث عن النهضة بوضعها عودة الى اليونان تخطت عصر الظلمات والجهل في العلم والفلسفة. فالعصر الوسيط جملة عربية ولاتينية كما يرى الباحث المرزوقي مهضوم الجانب في تاريخ العلم والفلسفة وإذا كانت المرحلة اللاتينية منه تعاني من سوء الحظ الذي اصاب لغتها التي أصبحت في أوروبا القوميات والثقافات الشعبية، لغة ميتة، مما جعل الاطلاع على تراثها يكاد يكون ممتنعاً لكلفة تحقيقه ونقله الى هذه اللغات، فإن إهمال المرحلة العربية في غياب مثل هذا العائق، لا يمكن ان يفهم الا بحداثة البحث العلمي في النهضة العربية وتأثير الاهمال الموازي للعصر الوسيط اللاتيني الذي لولا بعض الباحثين من رجال الدين لصار نسياً منسياً بحكم هذه القصائد المذهبية. فخلافاً لوضع الفلسفة اللاتينية الوسيطة، يمكن لحسن حظ اللغة العربية التي لم تمت مثل اللاتينية ان يجعل النفاذ الى الفلسفة العربية الوسيطة امرا ميسوراً ليس فقط للقلة من النخبة بل لجل الباحثين فيها مما يوفر شروط التعاون الواسع الذي مكن من اكتشاف الاشكالية الاساسية التي تلتقي عندها جميع المباحث الفلسفية الابستمولوجية والاكسيولوجية في سعيها لتحديد منزلة العلوم النظرية والعلوم العملية. فهذه الاشكالية هي اشكالية الكلي الموحدة بين الفلسفة وعلومها العقلية والدين وعلومه النقلية، اذ كلها تلتقي عند منزلة الكلي الانطولوجية بما هو موضوعي التفسير «العلوم النظرية» وموضوع التأويل (العلوم العملية) كما تحددا في الأفلاطونية المحدثة والحنيفية المحددة العربيتين. ويشير الباحث أبو يعرب المرزوقي في كتابه الجديد «تجليات الفلسفة العربية ـ منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي أن الوقائع التاريخية مهما تعددت لا تمثل إلا قرائن تختلف دلالاتها باختلاف احداثيات التأويل، فليس يكفي ان ننسب إلى الفلسفة العربية الوسطية هذا الدور أو ذاك أو ان تكدس علامات التأثير والتلاقي إذا لم نجد في هذه الفلسفة نفسها الاشكالية الجوهرية التي جعلتها تتضمن بطبعها شروط تجاوز ذاتها عودة إلى الأصول وقفزاً نحو التغير النوعي في العلم والعمل وفلسفتهما، فلابد من تحديد نظام تاريخية الفلسفة العربية نفسها ببعديها النظري والعملي لكي ندرك منزلها في التاريخ العقلي الانساني لا بوصفها فتحاً بل بوصفها لا تزال حياة إلى الآن في الحضارة العربية خاصة والحضارة الانسانية عامة. بل المهم ان نحدد هذا الفكر تحديداً يبرز فلسفياً زيف فلسفات التاريخ التي تؤرخ للعلم والعمل وفلسفتهما تاريخيا يحول النقص التوثيقي حوله أو الجهل به إلى حجج تجعل السد الوهمي لثغرات تاريخ العلم والعمل فلسفة في مصير العقل الانساني ذلك العقل الذي يصبح بحكم اقتصار علمه المنقوص على اليونان والغرب مصيراً للعقل الانساني عامة فيتحول عدم العلم بغير الغرب علماء بعدم غيره، فتلك هي القفزة المؤسسة لجميع فلسفات مصير العقل المقصور على تاريخ المنقوص. وإذا كان من الصعب الذهاب إلى حد القول بأن اهمال العصر الوسيط اللاتيني علته دافع التخلص من الاعتراف بدور العصر الوسيط العربي، تقديماً لحسن النية واكتفاءً بنسبته إلى موت اللاتينية فإن أسطورة مصير العقل لا تعدو ان تكون إلا محبوكة روائية تجعل من المعلومات المبتورة حول تاريخ العقل الانساني أساسا للمفاضلة بين الحضارات ذات السند العقدي المشبوه، فالفرق بين تاريخ للوقائع يغيب فيه ما ينقصه بعلة نقصانه وتاريخ يجعل ما ينقصه حجة لوجوب غيابه بوصفه لا معنى له في مصير العقل والفرق بين هذين التاريخين هو ان الأول يسلم بتكامل العلم الذي يتلو اصلاحه بتقدم اكتمال الاطلاع عما لم يكن معلوماً من الوثائق وان الثاني يزعم لكونه فلسفة في التاريخ المصير بأن العلم اكتمل وان ما غاب منه لا يستحق الذكر، مما يحوله إلى وهم عقدي حافز لأصحابه تمادياً في التزييف. غزوان عمر