بيان الكتب: يبدأ الكاتب «سهيل عروسي» كتابه «حوار الحضارات» بمدخل الى مفهوم الحضارة حيث يعرض لنا الحضارة في اراء مختلفة، ومنها رأي «ابن خلدون» الذي يرى «ان الحضارة هي التفنن في الترف واحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه. من المطابخ والملابس والمباني والفرش والابنية، وسائر عوائد المنزل وأحواله» فهي تعني اسلوب حياة الارستقراطية الحاكمة المقيمة في العاصمة. اما المفهوم السائد للحضارة الذي نستخدمه اليوم في جميع الثقافات، فهو ثمرة المزج بين مفهومين حديثين، الاول: هو المفهوم المستمد من علوم الانثربولوجيا الحديثة، التي ركزت على انماط تنظيم الجماعات لحياتها من خلال الكشف عن نظمها الثقافية، فصارت الثقافة والحضارة بمعنى واحد، او رفعت الثقافة الى مصاف الحضارة. الثاني: وهو مفهوم الهوية والتعددية الثقافية، المستمد من الصراعات العقائدية، التي شهدها القرن العشرين لرفض الهيمنة الثقافية الغربية او التحرر من الاستلاب التاريخي لها. ثم يورد المؤلف تعريفا ثالثا: وهو ان الحضارة نظام اجتماعي يعين الانسان على الزيادة من الانتاج الثقافي. على ان ما بين الحضارات الراقية والفنون الجميلة، رابطة فطرية، وقد اختارت كل حضارة نوعا من الفنون كي يعبر عنها اكمل تعبير، فالروح المصرية اختارت فن العمارة وبلغت القمة فيه، والروح اليونانية، اختارت فن التجسيم «اي النحت» واشرفت على الغاية فيه، والروح الغربية اختارت الموسيقى للتعبير عن روحها. ثم يعرض المؤلف اراء العلماء في الحضارة ونشوئها، فمثلا عند «توينبي» يتمثل العامل الاساسي في نشوء الحضارة «في كيفية الاستجابة لمختلف التحديات التي يواجهها المجتمع من الشدائد» ويطلق عليها الحوافز. ويرى ان لارتقاء الحضارات مظهرين: اولا: خارجي ويتجلى في تفوقها المتتابع على البيئة الخارجية من طبيعية او بشرية. ثانيا: باطني، وهو الاهم، فهو حركة تهدف الى الكفاية العلمية واشتداد الغبطة المتأتية عن الشعور بالجمال، وهكذا يكون الشعور بالجمال عند «توينبي» ارقى ما تهدف اليه المجتمعات ثم يناقش المؤلف مصادر الوعي الثقافي، فيرد على المفهوم الشائع الذي سيطر على الذهن طويلا، ومفاده ان الخيوط الحضارية الاولى نسجت من اليونان وان شمس الحضارة اشرقت من اليونان اولا، من منطق ان ما سبق المرحلة اليونانية، لم يكن اكثر من تصورات تفتقر للحكم العقلي المجرد، ويرى الباحث: ان حضارات الشرق القديم، كانت احد اهم مصادر الوعي الحضاري عبر التاريخ، ان لم تكن مصدره الوحيد، فحتى اسطورة «هرقل» اليونانية متأثرة بشخصية بطل «اورك» وهي من اوائل مراكز الثقافة السومرية في بلاد الرافدين. ومن سوريا الكبرى انتشرت لدى الرومان آلهة الشام، ومن بابل انتشرت عبادة الشمس والكواكب، وفي مصر تأسس دين «سيرابيس» ثم انتقل الدين المصري الى اليونان، وتمت صياغته من جديد صياغة يونانية. وكما كان المصدر الشرقي القديم وراء المصدر اليوناني والروماني، فانه ايضا يظهر بوضوح وراء اليهودي «فالتوراة» ان هي: «وفق د. حسن حنفي: الا مجموعة ادبيات لها مثيلتها في بابل وآشور واكاد وكنعان، فقد استمدت كثير من الاساطير العبرانية القديمة اصولها من اساطير ما بين النهرين» وقد رأى «هيرودت 484 ـ 405 ق.م» والملقب بابي التاريخ: ان الديانة والحضارة اليونانيتين قد اتتا من مصر. وخلاصة القول: ان رؤية العالم التي ندعوها غربية، يرجع تاريخها الى اكثر من ثلاثة الاف عام قبل تاريخنا. وقد تشكلت خارج اوروبا في «مصر، بلاد ما بين النهرين» وصار من البديهي اليوم ان مهد الحضارة اليونانية، هو حضارة الشرق «السومرية والبابلية». اما الحضارة العربية فهي وسط بين حضارتين «اليونانية» والحضارة الغربية، فهي بالتالي الجسر الذي يربط بين الحضارتين، ولو لم يكن العرب حضاريين لما استطاعوا ان يقوموا بهذا الدور، فكتب «ابن سينا» بقيت تدرس في جامعة «مونبلييه» حتى اواخر القرن التاسع عشر، ولما احتاج «لويس الرابع عشر» الى كتاب في الطب، لم يجد سوى الكتب العربية مناسبة له، اما «ابن خلدون» فهو بلا منازع رائد علم الاجتماع، كما احتلت الارقام العربية بلاد الغرب، وكان «البيروني» من واضعي الاسس الاولى لعلم حساب المثلثات، وعلم الجبر لايزال حتى اليوم يحتفظ بطابع عربي، وكان الادريسي الاستاذ الحقيقي لعلم الجغرافيا. ثم ينتقل المؤلف الى فصل بعنوان «الحضارات حوار أم صراع؟» حيث يبين ان العرب لم يعرفوا في ماضيهم صراع الحضارات، فقد كانت الجزيرة العربية فضاء مفتوحا للثقافات المجاورة، ولم يشكل الغرب تحديا حضاريا للعرب حتى بدأت الحرب الصليبية، فقد كان العرب المشكل الحضاري للغرب، ولعل نظرية «هنتنجتون» في أطروحته «صدام الحضارات» قد لاقت آراء متضاربة، لعل من أشدها انتقاد المفكر العربي الفلسطيني «د. ادوارد سعيد» الذي اعتبر ان «هنتنجتون» قد اتبع منهجا خاطئا وتحليلا كان الدافع وراءه سياسياً، وقد استقى منهجه من آراء ومصادر ثانوية وصحافية وليس مبنيا على واقع الحضارات والخلافات، وهذه الافكار التي عبر عنها إنما تحمي روح الحرب الباردة والى ان العدو بات الاسلام، والعالم الثالث بعد الشيوعية. كما يرى الدكتور احمد برقاوي ان وعي الغرب التاريخي بالعالم المعاش هو وعي بعالمين متناقضين وبحضارتين منفصلتين، وبفعل العداء الذي يكنه العربي، أو الشرقي بعامة للأوروبي بوصفه غالبا مهيمنا، فإن الاوروبي لم ير في علاقته بالآخر الا علاقة تناقض وصراع، ومن هنا نشأت فكرة صراع الحضارات، فالحضارة القوية لا تحاور بل تهيمن ولا تتأثر بغيرها بل تنتج مؤثرات على الغير. ومن هنا يرى هنتنجتون ان الصراعات ستكون بين شعوب تنتمي الى كيانات ثقافية مختلفة. وهو يخاف على الغرب الذي كان أول حضارة تقوم بالتحديث، وهي الحضارة الوحيدة التي لها مصالح أساسية في كل حضارة من خلال استحواذه على القوة المالية والتكنولوجية العسكرية والاتصالات. ويصرح «هنتنجتون» برأيه حين يقول: ان الاسلام مصدر قلق وتوتر وعدم استقرار لأنه ومنذ البداية كان الاسلام دين سيف، وهو يمجّد دائما الفضائل القتالية. بينما يرى الدكتور برهان غليون ان الحوار بين الحضارات يمكن ان ينتج تفاهما بين الحضارات المختلفة أو ثقافة عالمية واحدة مشتركة وقائمة على استبطان التعددية وقبول الاختلاف في المرجعية الثقافية، وقد تم اختراع الاسم المناسب لهذه الثقافة، وهو ما يدعونه «ثقافة السلام». أما على مستوى الممارسة التاريخية، فإن التاريخ العربي وفي مصادره الاسلامية والكنسية على حد سواء، لا يروي حادثة واحدة يمكن تشبهها من قريب أو بعيد باضطهادات بيزنطة للمسيحيين اليعاقبة، أو باضطهادات محاكم التفتيش الاسبانية للمسلمين أو العرب. وبهذا فالمشكلة لم تكن مشكلة عربية بقدر ما هي مشكلة غربية، فالعين الغربية ترى قطار الحضارة ينطلق من «اليونان والرومان» ولا يمكن ان ترى أثرا لحمورابي وابن رشد وابن خلدون، والى ان تستقيم الرؤية الغربية لنا، فإن الحديث عن حوار الحضارات يصبح نوعا من اللعب الفكرية المجردة. ثم ينتقل المؤلف الى فصل الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، الاستشراق نموذجا ليصل الى ان الاتجاهات الأساسية لمنطلقات التعامل الفكري الغربي تجاه العرب والاسلام تندرج في محورين: الأول: ينبني على أساس التناقض، حيث يقول «رينان» ان الاسلام هو احتقار العلم والغاء المجتمع المدني. الثاني: المحور الوضعي الذي يتعامل مع الوقائع والاحداث تعاملا مرهونا بالفلسفة السائدة لروح العصر بكل مدنيتها وتناقضاتها، إن طه حسين كان يعترف دائما بتأثير كارل نليتو صاحب تاريخ الآداب العربية. فالاستشراق بوصفه معرفة محكوم بالثقافة التي أنتجته، وبالمعرفة السائدة ومنهجها، ومن هذه الزاوية تختلط المعرفة الاستشراقية بجملة الطرق التي يرى فيها الغرب العالم الآخر، وعالمه هو بالذات، ولعل أهم محطة في الحديث عن الاستشراق هو كتاب الدكتور ادوارد سعيد، فالمستشرقون بالنسبة له هم عبارة عن ذلك الخصم والذي يتمثل بكل مثقف غربي يهتم بشئون الشرق، فالتركيز الغربي كان باتجاه ان يبقى الغرب غربا والشرق شرقا، عبر آليات الفكر الثقافي والسياسي الاقتصادي يدفعهم الى ذلك القوة التي يمتلكون مفرداتها في عالم اليوم. فكان الإسلام في عرف «ماسينيون» هو «الحلاج» وليس بطل الاسلام الأعم محمد صلى الله عليه وسلم أو ابن رشد.. ويمكن القول: ان معرفة الغرب الثقافية المعرفية تدخل اليوم في عداد تكنولوجيا القوة، وبذلك فإن كل فكر غربي هو في علاقته بالشرق فكر استشراقي، كما يقول مهدي عامل، لكن نظرة اخرى ترى انه ليس كل المستشرقين عملاء، فالبعض كان دافعه البحث العلمي عن حقيقة الحضارة والثقافة الشرقية. دمشق ـ «بيان الكتب»