لم يكد برنامج سلسلة «الجينوم البشري» يصل الى نهايته حتى ازدهرت في كل مكان مشاريع «البروتيوميا». الهدف: احصاء «مجموع البروتينات» التي تحتويها الخلية، والنسيج، او البدن الحي. المهمة كبيرة جدا: عدد البروتينات اكبر من عدد الجينات بعشرين الى ثلاثين مرة. تحدد هذه الجزيئات، «ممثلة» الكائن الحي الحقيقية، العمل الطبيعي او الباثولوجي للبنى البيولوجية. وبفضل ادوات البحث الجديدة، سيمكن فحص البروتينات ليس واحدا فواحدا، كما كان الحال حتى وقت قريب، بل في مجموعها داخل الخلية او النسيج. ويتوقع الباحثون من هذه المقاربة المنهجية والاجمالية كل انواع التطبيقات، خصوصا في الطب. على غرار غزو الفضاء، او غزو فيزياء الجسيمات، يعيش علم الاحياء اليوم عصر البرامج الكبرى. بعد الجينوم البشري، الذي كرس مبحث «الجينوميا»، حان وقت دراسة البروتينات لتكريس مبحث «البروتيوميا»: أوجد الامريكيون، منذ يناير 2001 ما أطلقوا عليه اسم المنظمة ذات التطلعات العالمية، التي بدأت بانشاء فروع لها في كل القارات. ويسعى الباحثون، في العديد من البلدان وفي غالبية الهيئات البحثية لاطلاق برامج «بروتيومية». وكما ارادت الجينوميا ان تكون دراسة لمجمل الجينوم (ذخيرة الكائن البشري من الجينات)، تقوم البروتيوميا على فهرسة وتحليل مجمل بروتيوم (ذخيرة الكائن البشري من البروتينات) الخلية، والنسيج، ان لم نقل البدن. تبدو المهمة للوهلة الاولى، بالنسبة لبروتينات الانسان، جسيمة الى حد كبير: اذا كان عدد جيناتنا يتراوح بين 30000 الى 50000 جينا، وفقا للمعطيات الاولية المنحدرة من «برنامج الجينوم البشري»، فإن عدد بروتيناتنا هو اكبر بكثير. الرقم المعلن اليوم هو 100000 من البروتينات المتمايزة، بعضها صغير جدا، في حين ان البعض الآخر عملاق بالقياس معها وأثقل بمئتي مرة. وقد يكون هنالك عشرة اضعاف هذا العدد اذا اخذنا بالحسبان كل التغيرات التي يمكن ان تحدث بمستوى البروتين نفسه. لماذا الانخراط اذن بهذا النمط من الدراسات المعروفة بضخامتها؟ أولا لان التطورات التكنولوجية تتيح اليوم التفكير بها. ثم، وبشكل خاص، «لان البروتينات تقع في قلب العمل» داخل الجسم الحي، على حد عبارة «جوليو سليس»، اختصاصي السرطان ورئيس المركز الدنماركي للأبحاث حول الجينوم. عند اكتماله، من المقرر ان يعطينا «برنامج الجينوم البشري»، المتاحة نتيجته البدئية منذ عام 2001، المتوالية الحقيقية لجزيء الـ «دنا» فضلا عن مواضع وخاصيات عدد من الجينات. إلا ان ذلك لا يعني اننا اقتربنا من فك اسرار عمل البدن الحي. ان للجينات، الموزعة بطول جزيء الـ «دنا» في قلب المتتاليات (بعضها لا يتمتع دون شك بدور محدد)، وظيفة وحيدة هي «توجيه» تخليق البروتينات. بعبارة اخرى، من اجل فهم دور الجينات جيدا، وبالتالي فهم مختلف تدخلاتها، في الامراض مثلا، تنبغي دراسة البروتينات التي تنتجها. انها هي التي تشكل الهيكل المادي للعضويات الحية وهي التي تمكنها من العمل. تقوم البروتينات بعدد من النشاطات داخل الخلايا وخارجها، وتؤدي بذلك دور المراسيل عند دورانها كالهرمونات، بل تشارك في التعبير عن الجينات. باختصار، انها ضالعة تماما في العمل، طبيعيا كان ام مرضيا، لدى الكائنات الحية. «هناك 30000 الى 50000 جين عند الانسان، لم يفسر سوى بعضها حتى الآن. انه لرهان كبير ان نعرف ما نفسر وبأي مقدار»، على حد عبارة الباحث «تيري رابيو» لم تعد المسألة مسألة دراسة البروتينات واحدا فواحدا، كما كان الحال منذ نصف قرن، بل مسألة تحليل مجمل البروتينات الموجودة في الخلية او النسيج في وقت معين وعبر الوقت، دراسة منهجية واجمالية «برتيوم كبدنا هو على الارجح مختلف اليوم عما كانه بالامس»، يضيف «رابيو» انه مختلف ايضا عن بروتيوم الطحال، وبروتيوم القلب والرئة. ويذهب الباحث «جان روسييه» الى حد القول انه يمكننا الحصول على بروتيومين مختلفين من خليتين عصبيتين. اما بالنسبة للنباتات، ومن ورقة الى اخرى، يمكن استخلاص مجموعة من البروتينات غير المتشابهة، وفقا لما اذا كان النسيج معرضا للشمس ام لا. «هناك مصلحة جوهرية في دراسة البروتينات كمجموعات، حيث ان امكانيات ذلك متوفرة. فأولا، كلما شملت الدراسة عددا اكبر ازدادت حصيلة المعلومات واتسعت معارفنا حول عمل الخلية. وثانيا عند دراستها كمجموعات، يمكننا ان نتبين كيف تتآثر فيما بينها وكيف يتطور بعضها مع البعض الآخر»، يضيف «رابيو». تسعى البروتيوميا ليس فقط الى فهرسة هذه البروتينات ووصفها وتحديد كمياتها، بل ايضا الى تحديد مواضعها، وتغيراتها، وتآثراتها، وتحديد دورها الوظيفي، ومقارنة اختلافاتها في مختلف الظروف، في عضو سليم مثلا بالمقارنة مع عضو مريض هو نفسه. كل ذلك على نطاق واسع وبطريقة الاتمتة. هنالك دراسات اخرى منتظرة، فضلا عن فيض المعارف الاساسية حول عمل العضويات الحية، وكل انواع التطبيقات خصوصا في الطب البشري. مثلا، العثور في بضع ساعات على «المظاهر» البروتينية (عدد البروتينات، وحالتها وعملها) المميزة للانتقال السرطاني من احد النسج او ظهور مرض آخر، او ايضا اجلاء آليات سمية بعض الادوية. واليوم، تتوفر الادوات التي تتيح دراسة البروتينات بعدد كبير، غير ان ما يعوز الدراسة هو المقدار بالتأكيد: «يمكن وصف 2000 بروتين في الخلية البشرية، ولكن يلزم التمكن من وصف 20000 بروتين. الا ان هذا الامر في غاية التعقيد، ويلزم على الارجح تطبيق تقنيات كثيرة في ذات الوقت. وهذا غير متاح في الوقت الراهن ومن غير الواضح كيف سيكون متاحا»، على حد عبارة «رابيو». تشخيص ودراسة ستؤخذ عينات من خلايا مرضى مصابين بمختلف السرطانات ويعالجون في مراكز استشفاء معاهد الصحة الوطنية الامريكية، قبل العلاج وبعده. تتيح تقنية التسليخ الليزري المستخدمة بالنسبة لهذه الخزعات الفصل بين الخلايا الطبيعية، والخلايا محتملة التسرطن، والخلايا الورمية. وبذلك، سيتمكن الباحثون من ملاحظات التغيرات الطارئة خلال العلاج على خاصيات بروتيوم خلايا خاصة: اية بروتينات تظهر وأية خلايا تختفي، والاختلافات الكمية.... ستتيح هذه المعطيات تحسين المعارف حول الأورام والمساعدة في كشف السرطانات في وقت مبكر، وايضا تطوير علاجات فردية وتحديد التأثيرات المفيدة للعلاجات والاخرى السامة في المختبر قبل تجريعها للمرضى. من جانب آخر، بما ان البروتينات ليست حكرا على الثدييات، فإن هذه المقاربة الاجمالية والمنهجية للبروتيوم تجد تطبيقات لها في علم الاحياء المجهرية وعلم الاحياء النباتي. لا تستطيع النباتات وبعض العضويات الدقيقة التنقل. وعليها التكيف في المكان مع بيئتها (تغيرات الحرارة، والعوز الى الماء، واختلافات الضوء، وهجمات العناصر الاحيائية المعتدية)، ويمر هذا التكيف عبر تغيرات كيميائية حيوية تؤثر على محتوى الخلايا والانسجة والاعضاء من البروتينات. ويستطيع التحليل البروتيومي الكشف عن البروتينات المتأذية. ويدرس فريق فرنسي اليوم تأثير الوسط على تراكم البروتينات في حبوب القمح، وفقا للضروب وأماكن زراعتها. محمد الدنيا