بيان الكتب: ولد أبو بكر الطرطوشي، مؤلف كتاب «سراج الملوك» سنة أربعمائة وخمسين للهجرة في مدينة كبيرة من مدن الأندلس، تقوم على سفح جبل إلى الشرق، من «قرطبة» بينها وبين البحر عشرون ميلاً، وهي مدينة منيعة يحيط بها سور من الصخر حصين، بناه بنو أمية، وفي هذه المدينة وعلى جبالها نبت شجر الصنوبر، الذي لا يوجد له نظير في الطول والغلظ، ومنه تتخذ صواري السفن. وقد نشأ كاتبنا في هذه المدينة، وفي مسجدها الكبير تلقى علومه الأولى ولما شب رحل إلى مدن الأندلس، يستزيد من العلم، فذهب إلى «سرقسطة» واتصل بكبار علمائها وأخذ عنهم مسائل الفقه والنحو وقد أجازه الشيخ «أبو الوليد» الذي كان شيخ الأندلس وعالمها في ذلك الوقت، وبخاصة بعد وفاة ابن حزم الأندلسي. وقد رحل أبو بكر الطرطوشي إلى المشرق للحج أولاً، ولطلب العلم ثانيا، وبعد ان مكث في مكة المكرمة، وقتاً اتجه إلى بغداد حاضرة العلم، والتي كانت مركزاً من أكبر المراكز العلمية ومحط رجال العلم، ثم زار «البصرة» وتتلمذ فيها على علمائها ثم يمم وجهه نحو الشام، بعد ان كون لنفسه فلسفة خاصة قوامها الزهد، والسعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد عاش في دمشق، يعلم الناس فأقبلوا عليه وأحبوه، وأفادوا منه فعلا اسمه، وبعد صيته، وقد عاش متقشفاً عابداً زاهداً، ثم ذهب إلى مصر وبعد ان استقرت به الحياة في الاسكندرية خرج لزيارة القاهرة، وهناك ذهب لزيارة الوزير الأفضل «شاهنشاه» بعد ان سمع عن جبروته وقوته وسلطانه، ذهب إليه لينصحه نصحية العلماء المخلصين وليطلب إليه الرفق بالرعية وإشاعة العلم بينهم. وقد أثبت «الطرطوشي» نص موعظته الجريئة هذه في كتابنا «سراج الملوك» وقد عاد «الطرطوشي» إلى الاسكندرية ليستأنف سيرته الأولى، لكن اقبال الطلاب عليه جر عليه الوبال، فقد ضاق به قاضي الاسكندرية، وبخاصة انه كان له فتاوى يعارض بها بعض النظم والقواعد القائمة، التي تأخذ بها الدولة وهكذا أمر الوزير «شاهنشاه» باعتقال الطرطوشي، لكن الأمور انقلبت على الوزير شاهنشاه حيث ولي الوزارة بعده «المأمون» البطانجي» فأفرج عن الشيخ وأكرمه، فعاد الطرطوشي ليبدأ بتأليف كتاب في فن السياسة والحكم، وما يجب ان يكون عليه الراعي والرعية، وأتم الكتاب في سنة كاملة، وسماه «سراج الملوك» والطرطوشي في هذا الكتاب من الطلائع، ومن رواد الفكر الإسلامي الأوائل الذين حاولوا التأليف في علم السياسة، وفن الحكم، فالعلماء المسلمون الذين ألفوا في هذا الفن قليلون. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى كتاب الطرطوشي «سراج الملوك» واعترف انه من المفكرين القلائل الذين سبقوه، بالتأليف في علم الاجتماع أو العمران، وقد قسم الطرطوشي كتابه هذا إلى أربعة وستين فصلاً، حيث جعل الفصل الأول: في مواعظ الملوك، والثاني: في مقامات العلماء، ومن بين الفصول فصل لمنافع السلطان ومضاره، وفصل آخر لمعرفة الخصال التي هي قواعد السلطان وفصل للوزراء وعقد فصلاً للحديث عن علاقة السلطان بالجند وبيت المال، وفصلاً عما يصلح الرعية من الخصال وما إلى ذلك من موضوعات كثيرة تتصل بسياسة الملك، وفن الحكم وتدبير أمور الرعية، ومنهج الطرطوشي في تأليف كتابه «سراج الملوك» يبدأ بتقرير المبدأ الخلقي الذي يجب ان يتحلى به صاحب الوظيفة سواء أكان ملكاً أو وزيراً أو والياً أو قاضياً، وقد يشرح هذا المبدأ شرحاً يسيراً ولكنه يسرع بايراد كثير من الحكم والأمثال والقصص والنوادر من سير الأنبياء والخلفاء الصالحين. والطرطوشي في كتابه هذا واحد من المفكرين الذين لا يفرقون بين السياسة والأخلاق، بل هو يراها شيئاً واحداً متفقاً، وهو بهذا يشبه فلاسفة اليونان القدامى ومفكريهم ويختلف اختلافاً كبيراً عن فلاسفة أوروبا في عصر النهضة الذين فرقوا بين السياسة والأخلاق. وابن خلدون يعترف للطرطوشي بفضل الأسبقية عليه في ارتياد هذا الموضوع فيقول: حوم أبو بكر الطرطوشي في كتابه سراج الملوك وبوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، ولكنه لم يصادف فيه الرقية، ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل، ولا أوضح الأدلة، وإنما هو نقل وترغيب شبيه بالموعظة، وكأنه حوّم حول الغرض ولم يصادفه ونحن ألهمنا الله ذلك الهاماً». إعداد ـ محمد سطام الفهد