بيان الكتب: عاشت شارلوت برونتي الكاتبة الأنجليزية المولودة سنة 1816 حياة قصيرة ، فقد توفيت سنة 1855 وهي لما تبلغ الأربعين من عمرها. ورغم عمرها القصير هذا إلا أنه كان الأطول بين شقيقاتها الأربعة وشقيقها برانويل. فاختاها الكبيرتان، ماريا واليزابيث ماتتا مبكرا جدا. أما أخوها برانويل الذي يصغرها بسنة فقد مات وهو في الثلاثين منتحرا سنة 1848 بعد أن أدمن الخمر والمخدرات وفي السنة نفسها ماتت إميلي المولودة سنة 1818 بداء السل بعد أن أصيبت بنوبة برد حادة أثناء تشييع جنازة شقيقها برانويل ولم تغادرالبيت بعدها في الوقت الذي حققت فيه روايتها «مرتفعات ويذرينج» المنشورة سنة 1847 نجاحا كبيرا. وبعد وفاة إميلي بسنة أي سنة 1849 توفيت الأخت الصغرى آن المولودة سنة 1820 مؤلفة رواية «اجنيس جراي» المنشورة سنة 1848. أما الأم فقد توفيت بمرض السرطان سنة 1821 بعد ولادة البنت الصغرى آن بسنة واحدة. والأخوات الثلاثة شارلوت ، وإميلي ، وآن بدأن يرسمن عالمهن الخيالي مبكرا بعد أن أحضر والدهن سنة 1826 هدية إلى شقيقهن برانويل عبارة عن صندوق خشبي فيه لعب من الجنود ألهب خيالهن وبدأن يؤلفن عوالم خيالية بشرت بظهور موهبة أدبية لم يُحسن صقلها في البداية حيث كتبن مجموعة من الأشعار نشرت في كتاب لم يُبع منه سوى نسختين فقط ، بعدها لجأن إلى كتابة الرواية التي كانت ميدان نجاحهن رغم عمرهن القصير، فقد كان نجاحا سريعا كأنه شهاب ثاقب. وحيث لا يمكن الحديث عن شارلوت دون الإشارة إلى أختيها إميلي وآن فالعكس صحيح أيضا. فهن جميعا تجرعن مرارة الفشل معا وبأعمال مشتركة ، كما حققن النجاح في زمن واحد تقريبا. ففي بداية الأربعينيات من القرن التاسع عشر قررن افتتاح مدرسة خاصة بهن وأكملن الاجراءات اللازمة لذلك ولكن المشروع وئد قبل أن يرى النور ذلك أن الإعلان عن المدرسة لم يجلب لهن ولا تلميذا واحدا. كما نشرن رواياتهن تحت اسم مستعار «الأخوات بيل » بعد أن ذكرن أحرفا أولى من أسمائهن الحقيقية وفي فترة لاحقة كشفن الحقيقة إلى الناشر الذي كان يجهلها بعد زيارة إلى لندن. وشارلوت برونتي في روايتها «جين إير» المنشورة سنة 1847 أثبتت أنها كأختيها تكتب بعمق عن المشاعر الإنسانية والانفعالات وتصف شخصياتها المتنامية بصورة فريدة تؤكد أنها كان يمكن أن تترك آثارا أدبية عظيمة أكبر وأكثر مع تراكم الخبرة فيما لو امتد بها العمر أطول ، ومع ذلك فهي في روايتها «جين إير» تحدثت عن رغبات المرأة الطبيعية ونفذت إلى أعماق الأنثى وهو ما سنؤكده من خلال روايتها الخالدة «جين إير» ، وهي من روايات الشخصية الواحدة التي تدور بقية الشخصيات في فلكها. تبدأ الرواية بالحديث عن الطفلة اليتيمة جين إير والتي تبلغ من العمر 10 سنوات وهي صغيرة الجسم بالنسبة لأبناء خالها الثلاثة إليزا وجون وجورجينا حيث تعيش معهم منذ فارق أبواها الحياة ، وكما حدث ذلك لخالها الذي فارق الحياة أيضا منذ تسع سنوات. فلما أدركت ما حولها وجدت نفسها وحيدة ، تعيش بين أبناء خالها ، حيث أوصى خالها زوجته بها خيرا ولكنهم لم يرعوا تلك الوصية ، لا زوجة خالها ولا أبناؤه بعد أن كبروا معها خاصة أبن خالها جون الذي كان يكرهها كثيرا. ولما أدركت جين أنهم قرروا التخلص منها وإرسالها بعيدا عن جايتسهيد حيث بيت خالها لتعيش في دار للايتام مع توصية أنها فتاة لا تتمتع بالاخلاق الحميدة وأن لديها ميلاً للخداع كما قالت زوجة خالها لمسئول الدار وعلى مسمع من جين. استجمعت جين شجاعتها بعد خروج السيد بروكلهارست مسئول دار الايتام الذي حضر لمقابلة السيدة ريد واستكمال الاجراءات ولرؤية جين ، استجمعت شجاعتها واقتربت من زوجة خالها مرتعشة وقالت : يسعدني أنك لست قريبتي. ولن أناديك خالتي طالما أنا على قيد الحياة. إن سألني أحد ما إذا كنت أحبكِ ؟ كيف أنتِ عاملتني ؟ سأقول أنكِ بلا رحمة ، وأنكِ عاملتني بقسوة بالغة.. سوف أتذكر كيف دفعتني إلى الوراء ، إلى الغرفة الحمراء ، مع أنني كنت خائفة وتوسلت إليك لترحميني. وهذا العقاب الذي جعلني أعاني هو لأن إبنك الشرير ضربني ، صرعني بلا سبب. يعتقد الناس أنكِ إمرأة صالحة ، لكنك سيئة وقاسية القلب ! وفي دار الأيتام المسماة «لو وود» عاشت جين إير بداية حياة جديدة ، وهناك تعرفت على الآنسة تامبل المديرة المسئولة عن المأوى التي تعطف على جميع الأطفال ومن بينهم جين إير. كما إن جين إير تعرفت على فتاة صغيرة لطيفة تدعى هلن بيرنز آتية من مكان في أقصى الشمال البارد على حدود اسكتلندة. كانت هلن معتادة على جَو المأتم وما فيه من معاملة قاسية من بعض المعلمات وهو الأمر الذي كان يدهش جين إير وهي ترى زميلتها تتلقى هذه المعاملة القاسية بصبر. ولكن هلن الصابرة لم تصمد أمام الحمى التي هاجمت المدرسة المزدحمة وحولت الميتم إلى مستشفى حيث أصيبت 45 فتاة من أصل 80 وسرعان ما فارقت الحياة بصمت وهدوء متأثرة بالحمى ، بعد أن تعلمت منها جين أن الإنسان بالحب والتسامح يأخذ أكثر مما يأخذه بالكراهية والحقد. وهو ماطبقته حتى مع زوجة خالها وهي على فراش الموت. موجة الحمى وضحاياها دفعت بالناس في المنطقة خاصة الأثرياء منهم إلى التدخل وتفادي تكرار الحالة فتحسنت أحوال الدار والدراسة بعد ذلك ، ومضت الحياة أكثر ملاءمة للتلميذات حيث كبرن وتخرجن ومن بينهن جين إير. وبعد فترة نزعت نفسها نحو الحرية والعالم خارج أسوار المأتم بعد أن دخلته تلميذة وتعيش فيه حاليا كمعلمة ، نشرت إعلانا بينت فيه استعدادها للعمل كمعلمة خصوصية في المنازل وسرعان ما حصلت على فرصة. عملت جين إير في منزل السيد روشستر معلمة لفتاة تبناها ، قال روشستر عن الفتاة أنها إبنة راقصة فرنسية أحبها ذات مرة ، لكنها خدعته. إذ رحلت مع موسيقي ، فأشفق على هذه الطفلة التي خلفتها وراءها. وروشستر رجل قاسي الملامح غير أنه في الحقيقة طيب القلب ، وربما كان يخفي بعض الأسرار. ذلك هو الانطباع الذي تركه في نفس جين بعد فترة. ولكن يبدو أنه عندما يلتقي بها صدفة فإن اللقاء يمنحه الفرح ! ويتعرض روشستر إلى حادثة حريق في غرفته بينما هو نائم ليلا ، وتتدخل جين إير في الوقت المناسب وتطفيء الحريق. احتارت جين فيما إذا كان الحادث مفتعلا ! فقد مرت الأيام الأخيرة وهناك أشياء غامضة تحدث حولها وتسمع أصواتا في الليل مقرونة بضحكات غريبة لم تعرف لها تفسيرا. صارحها روشستر بحبه لها وطلب الزواج منها مفضلا إياها على العديدات ممن كن يطمحن إلى الزواج منه، ولكنها في الكنيسة إكتشفت أنه متزوج من المرأة المجنونة التي تسببت في الحريق الأخير. تترك جين إير المنزل هائمة وبعد سلسلة من الأحداث المثيرة تعثر على أبناء عمتها ، ديانا ، وماري ، والقس سان جون. ثم ترث عمها الذي ترك لها ثروة كبيرة تتقاسمها مع أبناء عمتها. وبعد صراع تعود للبحث عن روشستر لتجد بيته وقد أحرقته زوجته المجنونة التي ماتت في الحادثة بينما فقد بصره ويعيش في مكان آخر من أملاكه. ولما استوثقت أنه يعيش على أمل حبه لها رغم الذي جرى تزوجته. وفي الحياة العامة تزوجت شارلوت برونتي من القس نيكولز سنة 1852 بعد معارضة من أبيها دامت عدة سنوات في الوقت الذي كانت شارلوت معجبة به وتعطف عليه أكثر مما تحبه ، وأعطت شارلوت الكثير من صفات القس نيكولز وعلاقتها به من خلال شخصية القس سان جون في روايتها «جين إير» وهنا جمل قصيرة مما كتبته على لسان بطلة روايتها «جين إير» في حق قريبها القس سان جون : إنه رجل صالح يا سيدي ، لم أقوَ على محبته.. إنه طيب وعظيم ، لكنه بارد جدا.. لن يكون زوجي أبداً ، فهو لا يحبني ، ولا أنا أحبه. وإذا كانت شارلوت لم تسمح لبطلة روايتها من الزواج من القس سان جون ، فإنها في واقع الحياة تزوجت من القس نيكولز بعد كل ذلك التردد والرفض. وفي الوقت الذي كانت تنتظر شارلوت مولودها سنة 1854 أصيبت بداء ذات الرئة وتوفيت بالسل سنة 1855 لتختم بذلك موت جميع أفراد الأسرة بشكل تراجيدي. ولكن في سنة 1857 نُشرت روايتها «البروفيسور» المكتوبة بين سنتي 1845ـ 1846 والتي رفضها الناشرون سابقا ، وفي السنة نفسها نشرت مدام كاسكيلز كتاباً بعنوان «حياة شارلوت برونتي»