بيان الكتب: وليام. ب. كوانت، مؤلف هذا الكتاب هو استاذ العلاقات الدولية في جامعة فيرجينيا. سبق له وعمل خلال سنوات السبعينيات في اطار «مجلس الامن القومي» الامريكي في القطاع المختص بشئون الشرق الاوسط وشمال افريقيا. اصدر عددا من الكتب من بينها: «كامب ديفيد: صناعة السلام والسياسات» و«عقد من القرارات: السياسة الامريكية على ضوء الصراع العربي ـ الاسرائيلي 1967 ـ 1976» وله العديد من الدراسات حول الشرق الاوسط في الدوريات العالمية الكبرى. في هذه الفترة الدقيقة التي يشهد فيها الفلسطينيون احد اكبر المنعطفات الحاسمة في تاريخ نضالهم ضد الاحتلال العسكري الاسرائيلي وآلة الحرب الصهيونية الشرسة.. قد يبدو تقديم مثل هذا الكتاب: «مسيرة السلام. الدبلوماسية الامريكية والصراع العربي ـ الاسرائيلي منذ عام 1967» ذا فائدة كبيرة من حيث ان يلقي الضوء على بعض «ثوابت» الدبلوماسية الامريكية حيال القضية المركزية في الشرق الاوسط والمتمثلة في الصراع العربي ـ الاسرائيلي منذ عام1967. ويرى المؤلف بأن حرب الخامس من يونيو عام 1967 كانت بمثابة نقطة مفصلية في تاريخ الشرق الاوسط الحديث حيث انها تركت آثارها على مختلف الاصعدة السياسية والاجتماعية لسياسات الدول ومجمل القوى السياسية. وكانت تلك الحرب، المعروفة باسم حرب الايام الستة ـ قد اعلنت مدى هشاشة الجيوش النظامية العربية في مواجهة الجيش الاسرائيلي ومما كان مقدمة لانطلاق النضال الفلسطيني المسلح «الشعبي» كرد على عجز «النظام الرسمي» العربي. ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان «الموقف الثابت» للدبلوماسية الامريكية منذ عام 1967 هو «الدعم الحاسم» لاسرائيل.. هذا الى جانب التأكيد بأن الرؤساء الامريكيين يمكنهم ان يلعبوا دوراً ايجابيا جدا في الدفع بمسيرة السلام بالشرق الاوسط الى الأمام.. ولكن قد يحدث كثيرا وان «يقوموا بقراءة خاطئة لما يشهده الشرق الاوسط من احداث ويضيفوا بذلك مأزقا اضافيا عبر اخطائهم الشخصية لما هو قد يكون موجوداً اصلا في طريق مسدود». ان هذه الطبعة الجديدة من الكتاب تحتوي على فصلين اضافيين يخصان الدبلوماسية التي تبنتها ادارة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون حيال الصراع في الشرق الاوسط.. هذا فضلا عن اعادة المؤلف للنظر بما كان قد كتبه سابقا على ضوء الكثير يعتمد المؤلف في النص الجديد على مصادر اخرى خاصة بالدبلوماسية الامريكية في الشرق الاوسط، لاسيما المصدر الذي تشكله مواقع شبكة الانترنت المختلفة. لقد تبنى مؤلف هذا الكتاب في عرضه للدبلوماسية الامريكية حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي منذ عام 1967 تسلسلا تاريخيا ـ كرونولوجيا ـ منذ الرئيس جونسون وحتى بيل كلنتون ومرورا بادارات نيكسون وفورد وكارتر وجورج بوش «الاب». وكان جونسون قد قرر عند وصوله للرئاسة ان يتابع الخط الذي كان قد انتهجه جون كندي اي المضي اكثر فأكثر في الدعم ـ وخاصة العسكري ـ لاسرائيل. ويصف المؤلف مشاعر جونسون حيال اسرائيل بأنها كانت «حارة وعامرة بالاعجاب».. هذا لاسيما وان «مسيرته السياسية» كانت على علاقة وطيدة مع «اليهود الامريكيين». لكن المؤلف يؤكد ضمن نفس السياق بأن هذه «المشاعر» حيال اسرائيل لم تكن مرتبطة لدى «جونسون»: بالعداء للعرب بشكل خاص.. هذا الى جانب ادراكه بان الاتحاد السوفييتي كان يقوم ب«استغلال الاطروحات القومية العربية من اجل صد النفوذ الغربي في الشرق الاوسط».. وكانت العلاقات الامريكية ـ المصرية قد بدأت بالتدهور في فترة 1964 ـ 1967. ويعيد المؤلف هذا التدهور الى سببين رئيسيين هما «حرب اليمن» و«الخلافات حول المساعدات وزيادتها». ان مؤلف هذا الكتاب يقدم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر بمثابة «الخصم الرئيسي» للادارات الامريكية في منطقة الشرق الاوسط منذ اواسط عقد الستينيات الماضي وحتى نهاية حياته وحيث تركزت بالمقابل كل اشكال الاهتمام الامريكي نحو سبل تعزيز الموقع الاسرائيلي في المنطقة كما تدل في فترة جونسون العلاقات المتميزة التي اقامها مع رئيس حكومة اسرائيل آنذاك المدعو ليفي أشكوك. ويرى المؤلف ايضا بأن موقف مصر في تلك الفترة من الحرب الفيتنامية لم يكن بعيدا عن «تحيز» الدبلوماسية الامريكية ضد العرب. كذلك كان التأييد الذي ابداه مجلس الشيوخ الامريكي لحكومة اسرائيل ولمشاريعها كان بمثابة احد المقومات «المشجعة» لشنها حرب 1967.. الامر الذي كان يمثل نوعا من القطيعة مع الموقف الذي كان الرئيس الامريكي ايزنهاور قد اختاره عام 1956 اثناء حرب السويس والتي شاركت الدبلوماسية الامريكية الى هذا الحد او ذاك بوضع حد لها. اما في عهدي الرئيسين نيكسون وفورد فإن مؤلف هذا الكتاب يركز بشكل خاص على الدور الذي لعبه وزير خارجية امريكا الاسبق هنري كسنجر، وقبله وليام روجرز خلال سنوات 1969 ـ 1972.. وروجرز الاخير هذا هو صاحب المشروع الذي حمل اسمه «مشروع روجرز» اما نيكسون فيؤكد مؤلف هذا الكتاب بأنه كان يريد منذ البداية ارساء «اسس ثابتة» للدبلوماسية الامريكية بالنسبة لمنطقة الشرق الاوسط، ولكن ايضا بالنسبة لغيرها من مناطق العالم. وكان يريد من اجل احكام سيطرته على «البيروقراطية الدبلوماسية» تنشيط «مجلس الأمن القومي» واعتمد على هنري كسنجر «المحلل الممتاز للسياسة الخارجية»، كما يصفه المؤلف. هذا وقد اعطى الثنائى «نيكسون وكسنجر» الاولوية على صعيد السياسة الخارجية لملفين اساسيين هما فيتنام والشرق الاوسط.. وكان الاهتمام بهذه المنطقة من العالم يندرج ضمن اطار الصراع على مناطق النفوذ مع الاتحاد السوفييتي. لقد رأت الادارة الامريكية في الصراع العربي ـ الاسرائيلي آنذاك «خطرا كامنا ـ شديد التعقيد ومن الملح التخفيف من حدته». على هذا الاساس قامت سياسة «الخطوة ـ خطوة» التي كان وزير الخارجية الامريكية الاسبق ـ كسنجر ـ مهندسها الرئيسي. وكانت فترة 1969 ـ 1972 في الشرق الاوسط قد شهدت حدثين هامين شكلا منعطفين كبيرين في السياق السياسي للمنطقة كما في توجهات الدبلوماسية الامريكية وهما احداث «ايلول الاسود» في الاردن ووفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر. ثم جاءت حرب 1973 تشكل «منعطفا ثالثا» كان وراء «تحريك» الامور في الشرق الاوسط وتنشيط دور الدبلوماسية الامريكية بوجود الرئيس المصري الراحل انور السادات.. وقد اخذت الدبلوماسية آنذاك منحنيين رئيسيين هما الوصول الى سلام مصري ـ اسرائيلي من جهة واستبعاد السوفييت من جهة اخرى.. ويؤكد المؤلف في هذا السياق بأن «السياسة الامريكية حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي قد تأثرت بعمق بحرب شهر اكتوبر 1973. وذلك على اساس ان الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط كان «مؤمنا» قبل تلك الحرب بواسطة «التفوق العسكري الاسرائيلي». وبأنه لم يكن «ممكنا» استخدام النفط كسلاح للضغط على الغرب. «ما بين الطموح والواقعية» هذا هو العنوان الذي يعطيه مؤلف هذا الكتاب للدبلوماسية الامريكية في ظل رئاسة «جيمي كارتر» الذي «وصل الى الرئاسة ولا يمتلك سوى تجربة صغيرة على صعيد السياسة الخارجية». حيث انه كان قد اعطى فترة ك«حاكم لجورجيا» واشتهر عنه تعلقه بمباديء «حقوق الأنسان» و«الحقوق المدنية». لكنه اعتبر مشكلة الشرق الاوسط بمثابة احد اهتماماته الرئيسية وفكر بضرورة قيام الدبلوماسية الامريكية ب«مبادرة جديدة للسلام» في هذه المنطقة من العالم. وقد اعتمد بشكل خاص على وزير خارجيته «سيروس فانس» ومستشاره للامن القومي «زبيجينو بريجنسكي». وعلى قاعدة مثل هذا التوجه تم البدء بالتنسيق «الامريكي المصري» الذي ادى في نهاية المطاف الى توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» التي يعتبرها مؤلف هذا الكتاب بمثابة المنجز الدبلوماسي الامريكي الأكثر اهمية طيلة فترة ادارة جيمي كارتر. وكانت فترة المفاوضات التي سبقت التوقيع على هذه الاتفاقية قد جعلت الدبلوماسية الامريكية تدرك بشكل أفضل دقائق قضية الشرق الاوسط.. كما شكلت اتفاقية كامب ديفيد واقعا جديدا في المشهد السياسي للمنطقة ادى الى اعادة النظر في استراتيجيات الدبلوماسية الامريكية نفسها. وهذا ما ظهرت آثاره في التوجهات التي عرفتها هذه الدبلوماسية في ظل ادارات ريجان وبوش الاب وبيل كلينتون حيث اعلنت كلها التأكيد على رهان السلام لكنها بقيت اسيرة الرؤية المؤيدة لاسرائيل دون تحفظ. وبكل الحالات يرى مؤلف هذا الكتاب في ختامه بأنه يمكن لاية ادارة امريكية قادمة ان تمتلك «عناصر النجاح» في الوصول الى تسوية سلمية لنزاع الشرق الاوسط شريطة ان تقوم «بقراءة» صحيحة للصراع العربي ـ الاسرائيلي في تاريخيته وبقدر اقل من «الانحياز» لوجهة النظر الاسرائيلية.. لكن هذا موضوع آخر له علاقة مباشرة بالسياسة الداخلية الامريكية. وكتاب عن تاريخ الدبلوماسية الامريكية من الصراع العربي ـ الاسرائيل