بيان الكتب: تبقى مسألة البحث عن الأشكال الجديدة في الشعر العربي من المسائل المؤرقة التي تقلق الشعراء بكل تفاصيلها، فالشاعر الذي يستحق هذا اللقب يقف امام أدواته المعقدة والمتعددة ليحقق عبر عملية الخلق الفني شكلاً شعرياً يلائم تجربته، باذلاً من الجهد أكبره في مجال الفكر والعاطفة في عالم الوعي واللاوعي. فالشك ان مسألة التجديد في الشعر خاصة تبقى الهاجس الأساسي لدى الشاعر، بعد أن أصبحت الأشكال الشعرية التقليدية عاجزة عن استيعاب تجارب العصر المركبة والمعقدة والتطور التكنولوجي المخيف في عالم الالكترونيات والمعلوماتية والفضاء والأسلحة المدمرة ووسائل الاتصال السريعة التي فاقت المخيلة البشرية. فهذه العوالم الجديدة ساهمت في تكوين الشخصية الإنسانية لدى الفرد والمجتمع والانتقال بها من حالة الى حالة بشكل هش وسريع عبر ظروف تناقضية معقدة وغير ثابتة تجعلها في حالة قلق وتدفعها باتجاه البحث عن عوالم أخرى. وفي هذا الإطار يرى الباحث السوري محمد رضوان في كتابه الجديد «مملكة الجحيم» ـ دراسة في الشعر العربي المعاصر، الحكاية نموذجاً ـ ان مسألة البحث عن بنى وأشكال جديدة ليست مشروعة فقط بل وضرورية ايضاً الى أقصى حدود الضرورة وهذا لا يعني أن عملية البحث تتحقق وفق رغبة اعتباطية او وفق تشكيل ميكانيكي يفرضه الشاعر بشكل قسري على الفن بل على العكس تماماً، فالشكل يتحدد أساساً وفق قوانين جدلية معينة تنطلق اولاً من التجربة الفردية للشاعر بكل أبعادها الحياتية والثقافية مروراً بمعطيات العصر وبمجمل المؤثرات الحضارية الأخرى. إلا أن عملية الخلق الفني تمر قبل كل شيء عبر ذات الشاعر، حاملة خصائص فردية متميزة ومكتسبة من خلال التجربة المكدسة لديها، لذا فهي ليست تلقائية بشكل مطلق كما يرى بعض الرومانسيين، كما أنها ليست انعكاساً للحظة جامدة تجعل من الشاعر مرآة بليدة تعكس العالم الخارجي وبالتالي لا ترى سوى القشرة السطحية له. وانطلاقاً من هذه المفاهيم واستجابة لحركة التطور المعقدة في الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي يرى الباحث محمد رضوان ان القصيدة الحديثة شهدت غنى وتنوعاً لم تشهده من قبل، دون أن تفقد أصالتها او تؤثر عليها تلك الطفيليات التي نمت على أطرافها ثم تلاشت رغم ما أحدثته من آثار سلبية في فهم واستيعاب معنى الحداثة الشعرية لشكل القصيدة وبنيتها الفنية وآفاقها الفكرية المضمونية. فالحكاية الشعرية هي من الأشكال الجديدة التي برزت في الشعر العربي الحديث والمعاصر مستكملة شروطها الفنية بعد ان استطاعت ان تقدم قفزة مهمة في مجرى تطور حركة الشعر العربي وأغنت القصيدة الحديثة أبعاداً فنية وتعبيرية بحيث جعلتها في مرحلة تطورية جديدة اخترقت المألوف وأضافت كشفاً فنياً جديداً للقصيدة المعاصرة، كما أن الحكاية الشعرية تجنب القصيدة من السقوط في الذاتية المنغلقة والغنائية المطلقة وتكسبها بعداً موضوعياً يتيح للشاعر التعبير عن قيمه الفكرية والعاطفية الحياتية بشكل موح بعيداً عن التقريرية كما تجنبها الانزلاق في العمومية والغموض والتجريد الميتافيزيقي بشكل لا تتسلق على تجربة القاص بل تستخدمها وفقاً للمتطلبات الفنية للشعر، فالعنصر القصصي ـ الحياتي لا يمتلك وجوداً مستقلاً بل ينمو كفعل شعري داخلي يتدفق ضمن التكوين الفني للقصيدة، لتصبح الحكاية عنصراً مهماً من عناصرها المكونة بحيث لا يمكن فصله عن مجموع الكيان الشعري، لذا فالحكاية الشعرية لا يجوز لها ان تتطفل على فن القصة وأن اية محاولة كهذه سوف تسقط الشعر والقصة معاً كفن لتتحول الى نوع من الهراء ذلك لأن الشعر هو الذي ينبغي ان يوجد القصة او الفكرة عبر الأشكال المقطعية المتنوعة للموسيقى الشعرية والإيقاع والصور وهكذا يكتسب العنصر السردي للحكاية قيمته من التشكل الشعري في القصيدة الحديثة بمعنى الحداثة المعاصرة. وفي هذه الحالة حينما يلجأ الشعر الى القصيدة «الحكاية» ينبغي اهمال كافة التفصيلات الزائدة والتي قد تكون مفيدة ومهمة في البناء الفني للقصة النثرية والتشديد على عنصر القصة كأساس في تكوين القصيدة، لأن الشعر يعتمد على التكثيف وليس على ملاحقة العناصر المتعددة للحكاية، فالحكاية الشعرية لا تحرص على التفاصيل التي تحرص عليها عادة القصة النثرية ولا على التسلسل المنطقي المحكم او تحديد ابعاد الشخصيات وملامحها النفسية بل تقتصر عادة على الاشارة السريعة واللمحات الخاطفة والموحية مستخدمة الرمز والأسطورة والتاريخ عبر دلالات فكرية اجتماعية أو فلسفية او غير ذلك من موضوعات محورية. ويرى الباحث محمد رضوان في دراسته الجديدة انه غالباً ما تحتل الشخصية في الحكاية الشعبية ـ المحور المركزي الذي تدور حوله مجموعة من الأحداث والأفكار والرموز كما في أشعار البياتي وأدونيس ودرويش... إذ أن الشخصية المركزية الواحدة تمتلك قدرات بطولية وموقفاً فكرياً وأخلاقياً متميزاً، تذكر بالبطل التراجيدي في الأدب الكلاسيكي ـ او في الادب الملحمي ـ مع الاشارة الى الاختلاف في البناء السردي والفني بينهما، فالملحمة تصور حشواً ضخماً وعريضاً من الشخصيات والحياة تغرق في تفاصيل وأحداث فرعية متعددة، يظل فيها الشاعر متوارياً عن الأنظار او لا نستطيع ان نتحسس وجوده من خلال السرد ولا يزج نفسه في اي حدث او فكرة بينما نجد الحكاية الشعرية ترتكز في معظم الأحيان على شخصية نموذجية يجسد الشاعر عبرها قيماً فكرية او أخلاقية وجمالية وخصائص مصيرية تتفق ومجرى الفعل الشعري. من هنا تبرز قدرة الشاعر في صياغة الأشكال الجديدة بعد ان يكون قد اكتشفها عبر استقراء التجربة الفردية لديه ومضامينها الفكرية والحياتية مستخدما في ذلك خبراته التكتيكية والنظرية دونما افتعال او ميكانيكية. وعلى العموم فإن ولادة الحكاية الشعرية وتطورها المتعدد الجوانب في أدبنا الحديث والمعاصر قد برزت كحقيقة فنية لم يتناولها الباحثون والدارسون للشعر الحديث الا فيما ندر لها قيمتها الفكرية والجمالية إذ استطاعت ان تخطو على يد العديد من الشعراء المبدعين الى الأمام وقد اتخذت أشكالاً وأساليب متعددة زادت من قيمتها الفنية رغم محدوديتها في فتح الطريق واسعاً رحباً لترسيخ هذا الاتجاه وتطويره في الشعر العربي المعاصر، اذ ينبغي ان يتجاوز شكل الظاهرة الطارئة الى شكل آخر أكثر قوة ورسوخاً. فالحكاية الشعرية بما تحمله من أبعاد فنية وفكرية وشعبية تمتلك قدرة هائلة على الانتشار بين الناس مهما حملت من تعقيدات وإشكاليات تتعلق بمفهوم الحداثة او بغموض بعض جوانب النص حيث يبقى العنصر القصصي هو الأساس في عملية الإدراك الشاملة لدى الناس. ويشير الباحث محمد رضوان في كتابه الجديد «مملكة الجحيم» الى ان معظم الشعراء المحدثين بعد أن تنبهوا لأهمية العنصر القصصي ان يقدموا اعمالاً متميزة، شكل بعضها تحولاً فنياً بارزاً في الشعر العربي المعاصر كأعمال عبد الصبور والسياب والبياتي ومحمود درويش وأمل دنقل وسعيد يوسف. حيث يقف العديد من أعمال شعراء المرحلة اللاحقة في مصاف تلك الأعمال المهمة التي يستحق كل منها وقفة منفردة لدراسة «القصة الشعرية» كشكل فني متطور عن الحكاية الشعرية لدى كل من أولئك الشعراء وغيرهم، إلا أن تناول العنصر القصصي في الحكاية الشعرية لم يكن بمستويات فنية ناضجة تماماً ويعود ذلك الى عدم ادراك الأبعاد الحقيقية للحكاية الشعرية الحديثة والوقوع أحياناً في متاهات التجريد الميتافيزيقي والتعتيم والإغراق في الغنائية التي لا ضرورة لها. كما أن بعض الشعراء لم يول اهتماماً زائداً او متميزاً لاثراء هذا الشكل التعبيري، بل ظهر في أعمالهم كحالة عرضية مؤقتة لم يتوقفوا عندها طويلاً للبحث عن آفاق جديدة في هذا النمط الذي يمتلك القدرة على خلق أشكال جديدة في الحداثة الشعرية، فقد راح بعضهم يلهث وراء حداثيات شعرية أخرى مقلداً اياها في مجتمعات وآداب اخرى، لها منابعها الثقافية والحضارية الخاصة بها وهذا ليس نقيصة على الشعر او الشاعر، بل هو ضرورة ملحة في سبيل فهم ما يجري حوله واستيعابه، إلا أن المأزق الجديد لأولئك الشعراء هم أنهم دخلوا في إطار التقليد العشوائي لتيارات الحداثة الاوروبية فأصبحوا تابعين لها من جهة وعبئاً على التجربة الشعرية المتطورة في الشعر العربي من جهة اخرى. وعن صلاح عبد الصبور نموذجاً يرى الباحث في كتابه الجديد ان قصيدة «شنق زهران» استطاعت ان تكون حكاية شعرية ناجحة وتستحق عناية كبيرة لعدة عوامل أولها أنها استطاعت ان تستقطب عناصر الفلكلور والبطولة الشعبية متمثلة بالبطل الشعبي الذي استشهد في «دنشواي» في نضاله ضد الانجليز كما أنها ثانياً استوعبت بشكل متقن النمو الدرامي للحدث والابتعاد عن التفاصيل ومفردات الخطابة والتقريرية محققة أهم الشروط الفنية لبناء الحكاية الشعرية الحديثة، اذ يقدم لنا الشاعر الحدث ببراعة فائقة وبطريقة تتسم ببساطة الشعراء الكبار أمثال ناظم حكمت ولوركا اللذين برعا في هذا النوع من الأداء الفني. كذلك الأمر بالنسبة الى أية دراسة نقدية تتناول الحركة الشعرية المعاصرة وآفاق تطويرها لا يمكن لها ان تتجاهل شاعراً كبيراً كمحمود درويش... حيث يكاد شعره لا يخلو من أي مسام من مسامات الوجود الإنساني عبر خصوصية فكرية مصيرية تتمحور حول القضية الفلسطينية، فهذا الشاعر على تنوع وغنى تجربته الشعرية الزائدة لا يمكن قراءته بمعزل عن قضيته حتى وهو يقدم لنا الحب بأنواعه والهندي الأحمر في عرسه الأخير وسقوط غرناطة فهو بهذا المعنى يكتب تاريخ القضية من داخلها بكل تفاصيلها من نفي وموت وحروب وكذلك من حلم العودة والصمود والتشبث بالأرض والالتصاق بترابها بحيث اصبح هذا الشعر يشكل المرجع الأصدق في تاريخ الأحداث. فالشعر العربي والفلسطيني بشكل خاص هو الأكثر تفاعلاً في تأريخ الحدث بنزاهة في المنطقة العربية عبر التاريخ كله منذ امريء القيس وحتى محمود درويش.. عامر صومعي