بيان الكتب: برونو أبيسكات، مؤلف هذا الكتاب، هو صحفي فرنسي يعمل في مجلة «الاكسبريس» الاسبوعية، وهو يكشف في هذه السيرة الذاتية لاسرة «بيتينكور» الكثير من الاسرار الخاصة بالمرأة التي ورثت امبراطورية «أوريال» التي تقدر ثروتها بما يزيد على 18 مليار يورو. وكذلك يتحدث المؤلف عن ماضي هذه الاسرة حيث كان الاب والزوج قريبين من نظام الجنرال «بيثان» الذي كان قد تعامل مع الاحتلال الالماني اثناء الحرب العالمية الثانية وتم اعدامه فيما بعد عندما تحررت فرنسا.أوريال، هو اسم الشركة الفرنسية المعروفة لصناعة مواد التجميل وكل مشتقاتها وملحقاتها.. وهي تعود لليليان «بيتينكور» واسمها الحقيقي «ليليان شويلر» قبل الزواج، التي تبلغ قيمة مكاسبها كل يوم حوالي 14 مليون يورو. هذا فضلا عن مقتنيات فنية تبلغ قيمتها عشرات الملايين من تحف فنية ولوحات لكبار الرسامين من امثال مونيه وفان كوخ وبيكاسو.. والعديد من السجادات النادرة. كان «اندريه بيتينكور» زوج «ليليان شويلر» احد اصدقاء الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران اثناء فترة شباب الاثنين وقد كان ايضا وزيراً لعدة مرات في حكومة بيير مندس فرانس ولدى الجنرال ديجول وبعده جورج بومبيدو. وتعتبر «ليليان بيتينكور» احد اكثر ثلاث نساء ثراء في العالم وهي تعيش في جو من «الفخامة والهدوء والمتعة» كما جاء في احد الابيات الشعرية لبودلير، وقد كان جدا السيدة بيتينكور يعيشان في منطقة الالزاس في محاذاة المانيا وحيث غادراها بعد هزيمة عام 1870 ليقيما فترة من الزمن في باريس حيث كانا يمارسان مهنة متواضعة كصانعي خبز وحلويات لكنهما اصيبا بالافلاس بعد الانهيار الذي عرفه اولئك الزبائن الاثرياء الذين كانوا يزودونهم بالخبز وبمختلف انواع الحلوى. لكن احد ابنائهما «اوجين» نجح كثيراً في الدراسة واصبح مديراً لقسم الكيمياء في الصيدلية المركزية لفرنسا والتي كانت تتعامل مع عدد كبير من الاسر الثرية. وذات يوم اشتكت احدى السيدات بان «الصباغ» الذي استخدمته لشعرها لا يفي بالغرض، انطلق «اوجين شويلر» بميدان البحث لحسابه الخاص ليفتتح بعد ذلك في منطقة «مكيش» الباريسية شركة «اوريال» التي ركزت انتباهها الرئيسي لصناعة ادوات التجميل ومشتقاتها في مطلع سنوات العشرين من القرن الماضي، اي بعد الحرب العالمية الاولى مباشرة وحيث كانت تسود اجواء فيها الكثير من التحرر بالنسبة للمرأة.. كما ان تلك السنوات كانت قد شهدت تصفيفة شعر عرفت باسم «الصبي» اي الشعر القصير والملون، وقد أخذت هذه التصفيفة اسمها من رواية حملت الاسم نفسه للكاتب فيكتور مرجريت والتي كانت قد أثارت «فضيحة» في زمنها، ربما ان النساء والفتيات كن قد تخلين عن موضة الشعر الطويل واتجهن نحو تصفيف الشعر على الطريقة الانجليزية ـ القصيرة ـ او ما هو معروف باسم «الشينيون» كان المطلوب الوصول الى لون مناسب للشعر فاخترعت شركة «اوريال» «الصباغ» الذي اصبح عالمياً فيما بعد اي «ايميديا» المكرّس لاخفاء جذور الشعر وقد أدّى تعميم هذه الموضة الى فتح مالا يقل عن (40000) كانت تتزود من عند الصناعي «شويلر». بالوقت نفسه تم اعلان حملة لمكافحة القذارة باسم «القيم الصحية الجمهورية» التي دعت لها المدرسة العلمانية وجاءت ايضا القوانين التي سنتها حكومة «الجبهة الشعبية» في فرنسا خلال عقد الثلاثينيات الماضي وبخاصة منح العاملين عطلة مدفوعة الاجر كي تدفع الفرنسيات والفرنسيين الى اكتشاف فضائل الصابون فصنعت «اوريال» ماركة الصابون المعروفة «مون سافون» وكذلك اكتشفوا فضائل الشمبوان فكان «دوب» كما شاع استعمال المواد والمساحيق الحافظة من حرارة الشمس.. لكن تمت ترجمته بزيادة مداخيل كبيرة بالنسبة لشركة اوريال التي كان اوجين شويلر، ابن الخباز السابق، قد أسسها. ولقد تبنى صاحب هذه الشركة اسلوب الدعاية، اذ قال لاولئك الذين يقومون بتسويق منتوجاته النصيحة التالية: «عليكم ان تشرحوا للفرنسيين بانهم يثيرون القرف وبان رائحتهم غير جيدة وبانهم قبيحون».. ولكن مع ذلك هناك «حل» هذا الحل هو اللجوء الى منتوجات «شويلر»، وبذلك يمكنهم، اي الفرنسيين وبالطبع الفرنسيات ـ ان يمتلكوا قوة جذب، ان لم تكن مثل التي امتلكها كل من «ابولون» و«فالنتينو» فهي على الاقل شيء آخر تماماً غير ما كانوا عليه. لقد اصبحت الشركة الصغيرة التي كان مؤسسها قد بدأ انتاج مواد التجميل المكرّسة لصناعة الشعر في احد اركان منزله العائلي احد اكبر المؤسسات العالمية في هذا الميدان بعد ان اصبحت مزودة بأحدث المصانع كي تستطيع تلبية الطلب المتزايد في الاسواق على منتوجاتها، لكن بنفس الوقت، وللمفارقة العجيبة كان النجاح الكبير الذي حققه اوجين شويلر، يعدو تحديداً الى شق الافكار السياسية والاجتماعية التي كان يقول بها، فعلى الصعيد السياسي كان مثال تسريحة «الصبي» يدل على تحرر المرأة لكن هذا المدلول، ورغم ما جلبه من ارباح طائلة لشركة «اوريال»، كان يخالف تماماً ما كان «شويلر» يؤمن به اذ لم يكن يتردد في القول بأن حياة المرأة، اية امرأة، ينبغي ان تكون زوجها واسرتها واطفالها، او، في اي مكان لا يجد فيه الرجال عملاً، ينبغي على النساء ان يخلين المكان لهم». أما على الصعيد الاجتماعي فقد كان يرى بأن تبني نظام العطلة المدفوعة للعاملين من اكبر الشرور التي جاء بها نظام الجبهة الشعبية في فرنسا برئاسة ليون بلوم اذ كان يرى بأنه لا ينبغي دفع اجور العمل على اساس حساب الساعة وانما على اساس العمل حتى الانهاك، وكان هو نفسه يفتخر بانه يعمل ست عشرة ساعة يومياً.. باختصار ان هذا الرجل الذي كان خصماً لـ «مفاهيم الحرية والمساواة بل وحتى الاخوة»، التي كانت فرنسا قد رفعتها منذ الثورة الكبرى عام 1789 قد جمع ثروته الطائلة بفضل هذه المفاهيم تحديداً. وضمن نفس النهج من التفكير اصبح اوجين شويلر، الشخص الثالث في الحركة المعروفة باسم الحركة الاجتماعية الثورية، التي كان اوجين دولونكل قد اسسها اولاً باسم طاقية الرأس ـ الكاجول، والتي كانت عبارة عن منظمة سرية ارهابية تعتمد الارهاب في تحقيق اغراضها، وكانت منظمة الحركة الاجتماعية الثورية، قد رفعت بعد هزيمة فرنسا في شهر يونيو من عام 1940 اثناء الحرب العالمية الثانية شعار «الثورة القومية» وقد جاء في بعض مقاطع البيان التأسيسي الذي اصدرته ما يلي: «اننا نريد بناء اوروبا جديدة بالتعاون مع المانيا القومية ـ الاشتراكية (اي النازية) ومع جميع الامم الاوروبية الاخرى المتحررة من الرأسمالية الليبرالية او من اليهودية او من البلشفية او من الماسونية، وفي عام 1941 اصدر أوجين شويلر كتاباً لدى دار نشر دونويل، السياسية في اطار سلسلة تحمل عنوان الثورة العالمية، وكان كتاب شويلر هذا هو الثاني في السلسلة أما الكتاب الاول فقد كان يخص خطابات هتلر ما بين 28 ابريل 1939 و 4 مايو 1941 وكان شويلر قد اسس كتابه على قاعدة العداء لـ «النزعات البرلمانية» ولـ «الاقتراع الشعبي العام». لكن مؤسس شركة اوريال، كان مراوغاً بنفس الوقت اذ انه وبنفس الوقت الذي اعلن فيه ميوله النازية، اخذ بتقديم المساعدات لحركات المقاومة الوطنية ضد الاحتلال النازي لفرنسا، كما قام باحتضان العمال المطرودين من عملهم بسبب مواقفهم بل وساعد اليهود وأخفى العديد منهم كي لا يتم ارسالهم الى المعسكرات النازية حيث كان يتم تجميعهم. ان مثل هذه الاعمال بالاضافة الى دعم العديد من الجنرالات ورجال السياسة ساعدت شويلر في النجاة من اية محاكمة بعد الحرب بل انه استعاد نشاطه بسرعة كبيرة وعاد لتكديس الثروات. وكان هناك رجلان يساعدان اوجين شويلر في عمله هما فرانسوا دال و اندريه بيتينكور الذي اصبح فيما بعد صهره ووريثه، وقد كان الاثنان من اصدقاء الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران الذي قال عنهما، لقد عانا كثيراً في الركوب لكنهما احسنا الوصول، وخاصة بالنسبة لاندريه بيتينكور، الذي كان هو الاخر يمقت اليهود الذين وصفهم في مثال له نشره بمجلة الارض الفرنسية، بأن اليهود لا يملكون الايمان، ولا يحملون في داخلهم امكانية الاصلاح وجنسهم ملطخ حتى الابد بدم العدل (المسيح). وسوف يلعنهم الجميع. لكن صاحب هذا النص الذي بدأ عند اندلاع الحرب العالمية الثانية من انصار المارشال بيتان انتهى بالانضمام الى المقاومة بجانب الرئيس الراحل فرانسوا ميتران.