بيان الكتب: تعمل مؤلفة هذا الكتاب في منصب المدير المساعد لمركز الاعمال الدولية والادارة التابع لجامعة كمبردج وحيث كانت قد نالت شهادة الدكتوراه من هذه الجامعة، سبق لها وقدمت كتاباً بعنوان: «علاقات رجال الاعمال الروس في عهد الاصلاح» هذا العمل الجديد «الاستملاك الصامت» هو كتابها الثاني. تنطلق مؤلفة هذا الكتاب في تحليلاتها حول «الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية» كما جاء في العنوان الفرعي لعملها، بذكر حرف ورقم. الحرف هو «س» والرقم هو «26». انها تشير اولاً بأول إلى أن الكثيرين بل أغلبية الناس، لا يعرفون دلالة الحرف والرقم المعنيين. ان الحرف «س» يدل على شهر «سبتمبر» اما الرقم ـ او الرقمين ـ 26 فيدل على يوم السادس والعشرين من ذلك الشهر خلال عام 2000 في ذلك اليوم تلقى عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من خلال شبكة الانترنت رسالة تحدد موعداً للقيام بتحرك في مدينة «براغ» التشيكية وتطالب الرسالة اولئك الذين تلقوها التواجد هناك في الموعد المحدد من اجل المساهمة في التظاهر ضد العولمة والرأسمالية العالمية وللاحتجاج على الشركات والمؤسسات الكبرى التي اصبحت تتحكم بمصائر العالم من خلال تزايد نفوذها اكثر فأكثر هذا وقد تم اختيار الموعد على ضوء انعقاد المؤتمر السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مدينة «براغ» نفسها كان المعنيون الرئيسيون بتلك الرسالة ـ الدعوة هم اولئك الذين كان قد سبق لهم وتظاهروا من قبل في سياتل وملبورن ولندن ضد العولمة السائدة وآثارها المأساوية على العديد من شعوب العالم وخاصة الفقيرة منها «المستثناة» عملياً من دورة المناقصة التجارية. تشير المؤلفة في مطلع كتابها بأنها كانت من بين الذين تعبأوا للمشاركة في مظاهرات «براغ» الاحتجاجية والتصدي لرجال الشرطة ومقاومتهم بأكبر درجة ممكنة لا سيما وانه من المتوقع انهم كانوا سيلجأون الى العنف والى استخدام القنابل المسيلة للدموع. الملاحظة الاولى التي تشير لها مؤلفة هذا الكتاب وتجد بها مؤشراً نحو سلوك مستقبلي اكثر فاعلية تتمثل في روح التضامن التي برزت بوضوح اثناء تظاهرات «براغ» رغم تعارض المصالح والمشارب الايديولوجية للعديد من الذين شاركوا بها والذين كانوا قد صمموا على كسر ما اسموه بـ «مؤامرة الصمت» ورفض قبول الامر الواقع الذي يعطي للمؤسسات الكبرى والشركات متعددة الجنسيات ورجال الاعمال في مختلف البلدان الكلمة الاولى والاخيرة. ومن الظواهر التي تؤكد عليها مؤلفة هذا الكتاب في تحليلاتها هناك واقع وجود افراد عاديين حرصوا على المشاركة في رفضهم للعولمة بالصيغة السائدة ومما يثير الدهشة ان هؤلاء الافراد ليس لهم اية صلة بأية نقابات او جمعيات مناهضة للرأسمالية الوحشية التي ذهبت في تطرف ممارساتها درجة غير مسبوقة. انها وخلف «ستارة» الاعجاب بالاسواق الحرة المفتوحة وبسيادة لعبة المناقشة اخفت حقيقة ان الملايين من البشر في كافة انحاء العالم يخسرون كل ما لديهم ثمناً لمبدأ ضرورة رفع معدل النمو الاقتصادي بأي شكل. وتعيد المؤلفة بدايات حقبة العولمة الحالية الى عام 1979 حينما تولت السيدة مارجريت تاتشر السلطة في بريطانيا وبدأت مع شريكها الرئيسي الامريكي رونالد ريجان بتطبيق القواعد والأسس التي اعطت للمؤسسات الكبرى السلطة والنفوذ للتحكم في مصير الناس بما فيهم رجال السياسة انفسهم وقد كان ذلك على حساب المصلحة العامة للشعوب بل وعلى حساب الديمقراطية ايضاً، ان المؤلفة تقدم لدعم حججها العديد من الأمثلة الحية فالدعاية التي قامت بها احدى الشركات الايطالية الكبرى والتي استغلت بعض امراض العصر مثل مرض نقص المناعة المكتسبة «الايدز» او استغلت الحروب، ولكن في الحالتين ليس من اجل لفت الانتباه الى اخطارها والدعوة للتصدي لآثارها وانما من اجل رفع معدل مبيعاتها، اذ «ماذا يحدث لو استفادت من بؤس الآخرين؟». لكن ورغم ظهور ملامح الحقبة الجديدة منذ نهاية عقد السبعينيات الماضي فإنه قد مضى وقت طويل قبل ان يبدأ الناس الاحتجاج على دولهم التي اتضح انها لن توفر لهم عالماً آمناً ونظيفاً يمكن ان يكون اطاراً ملائماً لتربية وعيش اطفالهم لقد رأى البعض بأن ما يحدث في الواقع هو عكس ذلك اذ ان اسعار الاسهم في البورصات ترتفع بينما ينخفض معدل الفائدة ورأوا بأن السياق الجديد يصب في مصلحتهم فهكذا تزايد عدد الذين يمتلكون المنازل التي يسكنونها وثلثا سكان الدول المتقدمة يملكون اجهزة تلفزيون ومعظم افراد شعوب الغرب لديهم سيارات خاصة بهم والكثيرون يلبسون مما انتجته بيوت الازياء العالمية الكبرى كما ان هذا كله قد ترافق في تزايد عدد ابناء الطبقات الوسطى. ان مثل هذه التوجهات لم تمر دون مقاومة شديدة وهكذا تم في الولايات المتحدة الامريكية تنظيم حملة تحت شعار «لا تشتر شيئاً اليوم» وقد حاول منظمو هذه الدعاية بثها في مختلف وسائل الاعلام السمعية والبصرية ومن خلال اكبر القنوات التلفزيونية كما قاموا بجمع الاموال الطائلة المطلوبة لمثل هذه الدعايات لكن هذه القنوات وخاصة الاكثر شهرة منها على الصعيد الامريكي بل والعالمي رفض بشكل قاطع بث تلك الدعاية لانها تتعارض في نهاية المطاف مع مصلحتها كما «تتعارض مع السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة الامريكية» كما اشار عدد من المعلقين ذوي المصالح. وما تؤكده المؤلفة في تحليلاتها بهذا الكتاب هو ان السنوات العشرين الاخيرة قد شهدت تحولات ضخمة على الصعيد العالمي كله لكن في النتيجة اصبحت المؤسسات متعددة الجنسية المئة الكبرى في العالم تتحكم بـ 20% من اجمالي اموال العالم كما ان 51% من اكبر قوة اقتصادية تسيطر عليها مؤسسات كبرى بينما لا تسيطر الحكومات سوى على 49% الباقية فقط ويبدو في الاطار نفسه من المقارنة بأن مبيعات شركات «جنرال موتورز» و«فورد» تفوق الناتج القومي الاجمالي لجميع دول جنوب الصحراء في القارة الافريقية وتتجاوز ممتلكات شركات «آي.بي.ام» و«بي.بي» و«جنرال الكتريك» الامكانيات الاقتصادية التي تمتلكها معظم البلدان الصغيرة في العالم كذلك فإن دخل احد محلات «السوبرماركت» الامريكية قد يزيد على دخل معظم دول وسط اوروبا وشرقها بما فيها بولندا والمجر ورومانيا الخ. ان المؤلفة تقوم في هذا السياق بتعداد الشركات والمؤسسات التي دخلت منذ مطلع القرن الحالي بشراكات مع مؤسسات اخرى من اجل تعزيز نفوذها المالي والاقتصادي والتحكم بالتالي في كل ما يتطلبه الانسان العادي وحتى في أبسط حاجات حياته اليومية. وهذا تحديداً ما تسميه مؤلفة هذا الكتاب بـ «الاستملاك الصامت» كما جاء في عنوانه وحيث اصبحت الحكومات مغلولة الأيدي واصبح الناس مقيدين بشروط تفرضها المؤسسات الكبرى التي تحدد قواعد اللعبة حسب مصالحها الذاتية والتي لا تملك الحكومات سوى تنفيذها ان هذه الحكومات غدت ترى من واجبها الاول تهيئة الظروف المواتية لازدهار المؤسسات المعنية وتوفير البنى الأساسية التي يحتاجها رجال الاعمال بأرخص التكلفة وحماية نظام التجارة الحرة في العالم. ان المؤلفة تكرس العديد من تحليلاتها لابراز مدى «الوهم» الذي اشاعته الليبرالية الجديدة وبأن «التغيير» الذي بشر به انصار هذه العولمة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات الماضيين سيكون في مصلحة الجميع الغني والفقير لقد كذب الواقع مثل هذا الوهم فالذي حدث هو ان الفجوة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب قد ازدادت عمقاً واتساعاً كما ان المطالب التي صاغتها مؤسسات العولمة كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بضرورة القيام باصلاحات هيكلية وتحرير التجارة وغير ذلك من الوصفات التي اعتبرتها هذه المنظمات الدولية بمثابة الدواء الشافي لما تعاني منه جميع المجتمعات انما قد أدت على أرض الواقع الى الاغراق في تحجيم نفوذ نقابات العمال مقابل الاندفاع بقوة وبعشوائية نحو تبني برامج عديدة للخصخصة والتي تعود عملياً بالفائدة على الأقلية وتعوق قدرة الحكومات على تلبية الاحتياجات الأساسية للشعوب وقد اصبح من المألوف ان ترى بأن المنظمات الدولية المعنية تقوم بفرض شروطها على البلدان النامية التي تعتمد اساساً على القروض من الخارج وتحديداً من البلدان الغنية، هكذا ومن خلال الاعتماد شبه الكامل على الاموال التي تشكل المنظمات الدولية احد مصادرها الأساسية اصبحت حكومات البلدان الفقيرة متواطئة مع هذه المنظمات لانها لا تملك امكانية عدم الموافقة على القروض فقط وانما ايضاً امكانية فرض العقوبات. وتؤكد المؤلفة في هذا السياق بأن انضمام بلد كالصين الى منظمة التجارة العالمية لابد وان يفرض عليها شروطاً قاسية ستدفعها بالضرورة في النهاية الى تفكيك جهازها الخاص بالسياسة الصناعية و«الذي كانت مؤسسات الحكومة تستسقي الدعم الكبير منه، ان مثل هذا الدعم سوف يتوقف حسب شروط المنظمة العالمية للتجارة مما سيعرض بالتالي تلك المؤسسات الحكومية الى الاغلاق وتسريح 90 مليون عامل يشتغلون بها. وتبحث المؤلفة ايضاً في العديد من الامثلة الصارخة التي تنذر بتفاقم الاوضاع الاقتصادية في معظم بلدان العالم النامي التي ستضطر حكوماتها للانصياع الكامل لشروط «اللوبي» الدولي وترى المؤلفة بأن هذا الواقع قد أدى الى ظهور تيار احتجاجي يحذر من مغبة المضي في هذا الطريق الوعر الذي سيكون من نتيجته تكرار الكوارث الاقتصادية والاجتماعية في كافة انحاء العالم ثم ان حركة الاحتجاج هذه لا تجري في اطار حدود جغرافية معينة فالمنادون بها لا تربطهم صلات ثقافية او تاريخية مشتركة فهم جماعات وجمعيات أهلية متنوعة يجمعها هدف واحد محوره هو استعادة الشعوب لحقها في الاختيار وفي تقرير مصيرها ومن الملاحظ ان المؤمنين بهذه القضية يضمون الطالب والاستاذ الجامعي والعامل والموظف الكبير والفلاح بل ومن بينهم رجال اعمال لكن ومع ان مصالحهم تتعارض وتتناقض في بعض الاحيان فإنهم سيشتركون في التشاؤم من الصورة التي ترتسم للمستقبل الذي يعد به المسيطرون على مصائر العالم وخاصة المؤسسات الكبرى متعددة الجنسيات ان مثل هذا المنظور المتشائم يدفع المحتجون الى الوقوف في خندق واحد سوياً. فهم لا يعتقدون بما ينادي به اصحاب مذهب الليبرالية المتطرفة والقائل بأن مصلحة الجميع تكمن في اتباع افكارهم. ويبدو الأفق الذي تراه مؤلفة هذا الكتاب لحركة الاحتجاج ضد العولمة الليبرالية السائدة مرشحاً للاتساع وضم فئات اخرى بالتوازي مع تزايد نفوذ وسيطرة المؤسسات العالمية الكبرى وتقول بأن مئة من المنظمات غير الحكومية قد شاركت في التظاهر عند انعقاد المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية عام 1996 وقد بلغ عددها ألف منظمة بعد ثلاث سنوات عند انعقاد مؤتمر «سياتل». كما شهدت شوارع بوليفيا في عام 2000 مسيرات شارك فيها ما يزيد على مئة ألف نسمة للاحتجاج على قرار الحكومة بنقل ملكية شركة المياه الوطنية للقطاع الخاص «خصخصتها» وفي شهر يونيو في نفس السنة تجمع في فرنسا نحو 40 ألف شخص للاحتجاج على تقديم «جوزيه بوفيه» احد كبار المناضلين الفرنسيين ضد العولمة للمحاكمة بعد مساهمته في تخريب احد مباني مطعم «مكدونالدز» للطعام السريع في فرنسا. ان المؤلفة تحذر في هذا السياق من ان استمرار شعور الناس بأن مصيرهم هو بيد قوى تعمل فقط لمصالحها ولتحقيق اكبر عائد مادي ممكن وبأي ثمن لابد وان يؤدي الى ارتفاع صوت المحتجين ولذلك لابد لرجال السياسة من ان يولوا اهتمامهم لهذا الصوت. وتتساءل المؤلفة في ختام كتابها عما اذا كانت حركة الاحتجاج ستجعل الحكومات تستجيب فعلاً وليس قولاً فقط وتحذر ايضاً في السياق نفسه بأنه اذا لم تملك الحكومات بعد النظر الكافي لمقاومة هذا «الاستملاك الصامت» واذا لم تع الدرس للبحث عن حلول ومقاومة ضغط الشركات الكبرى متعددة الجنسيات واذا ظلت هذه الحكومات بعيدة عن تطلعات شعوبها ولم تعطها حقها الكامل في التعبير عن رأيها؟ واذا نسيت هذه الحكومات ان الشعوب لا يمكنها ان تتحمل العيش في عالم يبحث فقط عن الكسب المادي فإنها سوف تقضي على نفسها وعلى مصداقيتها وسيصبح العالم تحت سيطرة الاسواق والمتحكمين بآلياتها الذين يعتبرون انفسهم فوق القوانين كلها ويصبح بالتالي مبدأ الاقتراع الديمقراطي من آثار الماضي وتصبح المرحلة الاخيرة من هذا «الاستملاك الصامت» هي نهاية السياسيين وحيث ان السياسة وعالم الاعمال لا يمكن لهما الاستمرار دون تأييد شعبي. وفي المحصلة يمكن القول بأن القوى المناهضة للعولمة الشرسة هي التي يمكنها ان تغير مجريات الامور نحو الأفضل وذلك شريطة مواصلة الضغط وجعل الجميع يدركون بأن اعطاء الصوت في الانتخابات مرهون بتغيير الوضع الراهن الذي يهدد المنظومة الديمقراطية بأسرها. وقل لي موقفك من العولمة.. أقول لك اذا كنت ديمقراطياً