بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب «جيرار بيل» هو احد كبار العلماء الامريكيين في القرن العشرين، وكان قد كرس حياته لخدمة العلم. انشأ منذ اواسط القرن الماضي مجلة علمية حملت اسم «الامريكي العلمي ـ ساينتيس امريكان» والتي كان قد تم اصدار العدد الاول منها عام 1948 تحديدا.. وظل جيرار بيل مسئولا عنها حتى احالته الى التقاعد عام 1986. حصل بيل على ما يزيد على عشرين شهادة دكتوراه فخرية من عدة جامعات امريكية وعالمية. كما نال عددا كبيرا من الجوائز التقديرية العلمية وترأس عام 1986 «الجمعية الامريكية لتقدم العلوم» .. وكان له جهد كبير في تأسيس واثراء العديد من المتاحف العلمية الامريكية. اصدر العديد من المؤلفات التي نال بعضها شهرة عالمية مثل: «العلم وقضية الانسان».. الذي اصدره عام 1962 و«شارع التاريخ» الصادر عام 1972 و«عالم واحد فقط» في عام 1992. تتوزع مواد هذا الكتاب بين سبعة فصول تبحث في دور العلماء بدفع المسيرة العلمية الانسانية وحدود هذا الدور، وفي مفهوم «الثورة العلمية» ذاته على اساس انها تتويج لـ «تكدس المعارف» وثم محاولة الاجابة عن العديد من الاسئلة الخاصة بنتائج الاكتشافات العلمية التي شهدها القرن العشرين وتحديدا في مجال الذرة، والعلاقة بين «المكان والزمان»، و«اصول الحياة»، و«تاريخ الارض وتطور الحياة البشرية عليها»، و«التطور البشري» على ضوء تكون المجتمعات الانسانية وثقافاتها. لكن ما هو العلم؟ قد يبدو مثل هذا السؤال ساذجا.. لكنه لابد وان يلفت اقصى درجة من الانتباه عندما يصدر عن رجل علم كبير من امثال جيرار بيل مؤلف هذا الكتاب والذي يجعل من الاجابة عليه مدخلا لشروحاته وتحليلاته. ان العلم كما يراه هو بمثابة الخروج بنتائج محددة من لا شيء. انها نتائج يعترف بها العلماء من واقع التجارب الناجحة الكامنة وراءها.. وهذه التجارب هي في نهاية المطاف بمثابة المجال الذي يمكن للعامل فيه إلا يعترف بأية سلطة اخرى خلاف حكمه الشخصي.. المطلوب منه فقط هو ان يعطي البراهين «العلمية، التي تتيح للآخرين مراجعتها ومناقشتها جملة وتفصيلا. ان مبدأ المناقشة والمراجعة هذا يشكل من وجهة نظر مؤلف هذا الكتاب، احد المحركات الاساسية لمسيرة التقدم العلمي الانساني، وهكذا تتم اعادة الشارع الكبير لتطور العلوم في القرن العشرين الى قيام العلماء بمناقشة ومراجعة ونقد النظريات القديمة التي كانت تبدو بمثابة حقائق ثابتة ونهائية لا تقبل النقاش والجدل باعتراف الجميع. وذلك منذ القرون الوسطى بل وربما قبل ذلك وكان لابد لتحقيق الطفرة العلمية الكبيرة عن وجود علماء من امثال اينشتاين ونظريته النسبية ولافوازييه واكتشافه لعنصر الاكسجين وبداية علم الكيمياء الحديثة وبيير وماري كوري وبحوثهما حول اليورانيوم المشع.. والكثير غيرهم من العلماء الذين كانوا وراء تقدم علوم الذرة والالكترونات وما يؤكده مؤلف الكتاب في هذا السياق هو ان النظريات العلمية القديمة ورغم عده صحة الكثير منها، كانت بمثابة مصدر عون كبير للعلماء من اجل الوصول الى النظريات الصحيحة في النهاية. ان بيل يؤكد في مختلف التحليلات التي يقدمها حيال جميع المواضيع التي يطرحها على القول ان مسيرة التقدم الانساني انما هي حصيلة تكدس واستمرارية للمعارف التي توصل لها العقل البشري، وهذا ينطبق على مختلف مشارب العلم التطبيقية منها والبحثية. من جهة اخرى يعرض مؤلف هذا الكتاب آراءه في العلم والعلماء وباسلوب عملهم وبحثهم في مختلف مجالات اهتمامهم من فيزياء وكيمياء ورياضيات وعلوم احياء وعلم الفلك... وسواها انه يعرض افكاره حول اكثر المسائل العلمية حساسية وتعقيدا ولكن بقدر كبير من التسيط والدقة بالوقت نفسه، بحيث يمكن للقاريء العادي وغير المتخصص ان يفهمها وبالتالي يلم بالعديد من الحقائق العلمية التي يعيشها يوميا.. دون ان يجهد نفسه بالتفكير في الانسان الذي توصل اليها وما كابده من اجل ذلك. وفي محصلة ما قدمه المؤلف من سرد للانجازات العلمية التي تحققت خلال القرن العشرين يصبح بالامكان القبول بتسميته مثلما فعل ب«قرن العلم». وكما اشرنا يبدو هذا القرن بمثابة محطة اساسية في مسيرة علمية طويلة.. انها مسيرة يقتفي مؤلف هذا العلم اثارها منذ بداياتها التي تعود لعدة قرون سابقة احيانا وحتى تحققها في القرن العشرين وقد تبنى المؤلف استخدام الرسوم التوضيحية لشرح الافكار التي يقدمها او ليناقش مسيرتها التطورية. لقد تحدث مؤلف هذا الكتاب عن امثلة كثيرة من بينها «علم الوراثة» ويذكر انه في مطلع القرن العشرين قام ثلاثة من العلماء (ألماني ونمساوي وهولندي) وكل منهم على حدة وباستقلالية كاملة بانجاز ابحاث في هذا الميدان توصلوا من خلالها الى نتائج متطابقة وفي وقت واحد تقريبا لقد استنتجوا بأن الوليد يأخذ صفات احد الابوين، بمعنى انه نوع من التوليف. ان المؤلف يعود للحديث عن نشأة الزراعة منذ عصور فجر التاريخ والتي كانت توفر للانسان قوت يومه. ومع التزايد السكاني والديموغرافي، أخذ الانسان بالبحث عن وسائل زيادة انتاجه الزراعي. ويشير المؤلف في هذا السياق الى بدء زراعة القمح في سوريا والعراق في الوقت الذي كان فيه سكان المناطق الحدودية الآسيوية ـ الاوروبية قد بدأوا بزراعة الارز. مثلت زراعة القمح والارز ثورتين بينما كانت زراعة الذرة في المكسيك وعدد من بلدان امريكا اللاتينية بمثابة الثورة الثالثة حسب قول مؤلف هذا الكتاب. ولقد كانت هذه الزراعات مقدمة اساسية لاستقرار السكان في اماكن معينة واشادة القرى والتجمعات السكانية اي بتعبير آخر بدايات تكون الحضارات لكن المؤلف يشير في هذا السياق ايضا الى ان بعض العلماء يؤكدون ان اصل الزراعة يرجع الى مناطق البحر الاسود وبحر قزوين.. هذا الى جانب تأكيدهم بأن اللغات الهندية ـ الاوروبية قد نشأت في هذه المناطق ايضا. جدير بالذكر ان اكثر من نصف سكان العالم يتحدثون لغات تعود جذورها الى المنشأ الهندي ـ الاوروبي. واذا كان مؤلف هذا الكتاب يرجح بأن الاصول الاولى للحضارات الانسانية وخاصة في حقل الزراعة قد بدأت في حوض البحر الابيض المتوسط ومنطقة الهلال الخصيب ـ ما بين النهرين، دجلة والفرات ـ فإنه يستعرض آراء عدد من العلماء الذين يؤكدون ايضا بأن الاصول الاولى لـ «الثورة الصناعية» تجد موطنها في منطقة البحر الابيض المتوسط.. ويتم التأكيد في هذا السياق على ان الاوروبيين مدينون للبيزنطة وللعالم الاسلامي في المحافظة على مكاسب الحضارات الكلاسيكية خلال العصور الوسطى، وكذلك المحافظة عليها في الفترة الواقعة ما بين الاستيلاء على روما ونهبها وبين الصحوة الحضارية التي شهدها عصر النهضة الاوروبي. اما الثورة الصناعية الحديثة فإنها قد بدأت مع اختراع الآلة البخارية والمحرك الانفجاري والكهرباء.. هذه التقنيات التي ساهمت بشكل كبير في تطوير العديد من القطاعات الصناعية وتوفير وسائل النقل بين مختلف مناطق العالم.. مع ما رافق هذا من صياغة جديدة للعلاقات الدولية وحيث لم تكن المشاريع الاستعمارية بعيدة عن هذه الاختراعات الجديدة التي سهلت النقل والانشغال بحثا عن المواد الاولية التي كان يزخر العالم الثالث بها. واذا كان الاهتمام الرئيسي لمؤلف هذا الكتاب هو دراسة محصلة «العلوم» وتطبيقاتها خلال القرن العشرين، قرن العلم. فإنه يولي اهمية خاصة للتطور الاقتصادي باعتباره احد العوامل الحاسمة في المسيرات الانسانية لكنه بالوقت نفسه يعتبر بأن المشاكل والتحديات الاقتصادية لا تمثل المشكلة المستديمة التي يواجهها الجنس البشري، وانما المشكلة الحقيقية هي في التزايد السكاني الديموغرافي الكبير الذي يعرفه العالم حيث تجاوز عدد سكانه في منعطف القرن اكثر من ستة مليارات نسمة ان هذا التزايد الذي يتسارع ايقاعه بفعل ما حققته العلوم الطبية من تقدم يشكك الى جانب احتمال الحروب الاخطار الفعلية التي تواجه البشرية في افق المستقبل. لكن المؤلف يفتح في هذا السياق قوسين ليشير الى ان اندلاع الحرب العالمية الثانية وعلى الرغم من عدد الضحايا الكبير الذي اسفرت عنه لم يقود الى تناقص عدد سكان العالم بل ان هؤلاء قد زادوا مع انخفاض معدل وفيات الاطفال وزيادة متوسط عمر الانسان ولعل المثال الصيني هو احد اكثر الامثلة تعبيرا عن ترافق التقدم مع ازدياد عدد السكان. ان معدل موقع عمر الانسان في الصين وصل مؤخرا الى 70 عاما بعد ان كان 40 عاما فقط في اواسط القرن العشرين، وترافق ازدياد متوسط عمر الانسان مع انخفاض كبير في معدل وفيات الاطفال. بالمقابل يشهد ثلاثين بلدا من بلدان القارة الافريقية اتجاها معكوسا ان مجموع سكان هذه البلدان يصل الى حوالي خمسمئة مليون نسمة بينما لا يزيد متوسط عمر الانسان فيها على 50 عاما كما ان نسبة وفيات الاطفال قد عرفت زيادة كبيرة خلال السنوات الاخيرة.. يضاف في هذا السياق بروز عامل جديد بالنسبة لزيادة الوفيات في بلدان القارة الافريقية ويتمثل هذا العامل في الانتشار الكبير لمرضى نقص المناعة المكتسبة «الايدز» ان المخرج الوحيد الذي يبدو ممكنا هو مساهمة البلدان الصناعية المتقدمة الغنية في التنمية الافريقية عبر تدفق الاستثمارات الاجنبية هذا على عكس ما يجري في الواقع اليوم اذ ان الاحصائيات الرسمية للبنك الدولي تشير الى ان البلدان الافريقية في منطقة جنوب الصحراء اي بلدان افريقيا السوداء لم تتلق استثمارات تذكر خلال عام 2000. ان الصورة القاتمة التي ترتسم في الافق بالنسبة لاغلبية بلدان افريقيا السوداء لا تنفي واقع ان العديد من هذه البلدان قد زادت خلال نصف القرن الماضي من قدراتها الفنية التكنولوجية وذلك بفضل المعونات التي تتلقاها.. لكن هذه المعونات ومهما كبرت لا تمثل الحل المنشود من وجهة نظر مؤلف هذا الكتاب واما المطلوب هو تحويلها الى دورة تجارية تكون البلدان المعنية شريكة فيها بحيث تستطيع تصدير منتجاتها وخاصة المواد الخام الاولية كما شاعت التسمية التي تشكل افريقيا السوداء احد اكثر مناطق العالم امتلاكا لها. هذا وكان مؤتمر الامم المتحدة الخاص بالبيئة والتنمية قد ناقش عام 1992 مسألة التبادل التجاري هذه وخرج المشاركون في ذلك المؤتمر بدراسة كاملة عن اساليب اصلاح الاوضاع بشكل منهجي وجذري في البلدان النامية وتزويدها بالبنى الاساسية ـ البنية التحتية ـ اللازمة مع دراسة تكاليف مثل هذا المشروع. ان المؤلف الذي يكرس الصفحات الاخيرة من كتابه لدراسة منظور التطور الانساني مستقبلا يرى في تنفيذ مثل هذه البرامج شرطا اساسيا لابد منه كي لا يتفاقم سوء وضع البلدان الفقيرة وكي لا تجد نفسها دون اي مكان في اقتصادات العالم الجديد، عالم العولمة واقتصاد السوق اما الخطوة الاولى فيجدها المؤلف في تنفيذ برنامج الامم المتحدة المشار له اعلاه والذي يخص 40 دولة افريقية وآسيوية تم تصنيفها بأنها الاكثر فقرا في العالم. ان هذا البرنامج ينتظر التنفيذ كي يمكن للأجيال القادمة ان تساهم بدورها في دفع عجلة التنمية في بلدانها باتجاه مسيرة التقدم التي شهدتها قبلها البلدان الصناعية والمتقدمة وبحيث تعتمد البلدان الفقيرة المعنية على انتاجها وليس على المعونات التي قد تقدمها البلدان الغنية لها. وفي الختام يرى المؤلف أنه اذا كان القرن العشرين هو قرن العلم وتطبيقاته التي ساهمت في تحسين مستوى معيشة المجتمعات التي شهدت مسيرة تنموية ثابتة الاركان، فإنه من المطلوب اليوم رفع التحدي الذي يواجهه العالم وخاصة بلدانه الفقيرة وبحيث ستساهم التكنولوجيات والامكانات الهائلة التي وفرها العلم في نهوض البلدان النامية.. لأن مثل هذه المدن لا يخصها وحدها فقط وانما يخص العالم بأسره. كتاب في تاريخ القرن العشرين.. ولكن من بوابة العلم ومنجزاته