بيان الكتب: ج. ر. مكنايل هو استاذ التاريخ في جامعة جورج تاون. سبق له وقدّم العديد من المؤلفات منها «الامبراطوريات الاطلسية لفرنسا واسبانيا» و«المجتمعات الامريكية، الاطلسية منذ كريستوف كولومبوس وحتى الغاء العبودية» و«الجبال في العالم المتوسطي». وله ايضاً العديد من المساهمات في الدوريات الامريكية والعالمية المختصة. في هذا الكتاب الجديد: «شيء ما جديد تحت الشمس» يقدم المؤلف رؤية تاريخية للعالم خلال المئة عام الماضية ـ القرن العشرين ـ من زاوية الآثار التي تركتها الحضارة الانسانية على صعيد البيئة. اما «الشيء» الجديد فانه يتمثل بالقدر الكبير من «التخريب» الذي الحقته التكنولوجيات الصناعية على العالم الذي نعيش فيه وعلى الغلاف الجوي المحيط بالكوكب الارضي. وهذه الخسائر التي سببتها الدول الصناعية المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، ولكن ايضاً البلدان النامية بدرجات متفاوتة تتسم بالعمومية اذ نجد آثارها في كل اصقاع الارض، الى هذه الدرجة او تلك. كما ان الآثار على طبقة الاوزون في الغلاف الجوي الارضي تخص جميع مناطق العالم مما يؤدي الى تغيرات مناخية كونية. واذا كانت مثل هذه المعلومات قد اصبحت عملياً معروفة على مستوى عامة الناس، فان مؤلف هذا الكتاب قد وثقها وشرح الابعاد الحقيقية المخيفة، التي وصلت لها. وهذا ما يمكن ان تلخصه الجملة التالية التي كتبها وجاء فيها: «ان التدهور البيئي الذي عرفته الكرة الارضية قد اصاب، بصورة او بأخرى، ثلث مساحة العالم». ان التمعن في الاحصائيات العديدة التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب تبين بوضوح ان المساحات المخربة، بشكل ما من اليابسة انما قد اصبحت اكبر بكثير من المساحات المزروعة، بالطبع يبدو بوضوح ان الاضرار التي اصابت بعض المناطق هي اكبر منها بكثير مما هي في مناطق اخرى، ويبدو ان القارة الافريقية، الاكثر فقراً من حيث اجمالي الناتج القومي فيها على اساس دخل الفرد، هي التي عانت اكثر من غيرها على صعيد الانتاج الغذائي بسبب الانحسار الكبير الذي اصاب الاراضي القابلة للانتاج. التدهور على صعيد الزراعة والانتاج الغذائي ليس سوى احد المظاهر الخطيرة للآثار السلبية للصناعات الحديثة. اذ انه يكرس عدة فصول في كتابه لشرح الاضرار التي الحقتها هذه الصناعات من تلوث بالمحيط الذي نعيش فيه وخاصة بالنسبة للهواء الذي نستنشقه والماء الذي نشربه والمجال الجغرافي الذي نشغله. انه يرى بان هذا كله يندرج تحت عنوان عريض اطلق عليه «التاريخ العمراني» للعالم في فترة زمنية محددة هي القرن العشرين انه لا يتردد في ان يكتب: «ان الهواء في اغلبية مدن العالم غير نظيف، والمياه المكرّسة للشرب في جميع انحاء المعمورة قد غدت اكثر فأكثر تلوثاً». ان النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي قيام نوع من العلاقة «الحذرة» اذا لم نقل الخطيرة بين «الجنس البشري» والارض التي يسكنها. هذا لاسيما على صعيد توفير المواد الغذائية لعدد يتزايد بايقاع كبير في العالم الذي اصبح عدد سكانه يزيدون على ستة مليارات نسمة. ان «الاضطراب» الكبير الذي يعاني منه واقع البيئة في العالم اليوم، وعبر المسيرة العامة ـ محصلة ـ للانسانية خلال القرن العشرين يعبر عنه المؤلف عبر الحديث عن «موسيقى الكون» التي اصبحت تعرف الكثير من النغمات النشاز. والقسم الاول من هذا الكتاب ـ يتألف من قسمين ـ انما هو مكرّس لدراسة هذه النغمات النشاز. انه يقدم في تحليلاته نوعاً من «الرو» على ما كان الفيلسوف اليوناني القديم «فيثاغورث» يعلمه لطلبته ومريديه من ان الارض كانت هي مركز الكون الكليّ الذي تدور حوله المجرات الاخرى بانتظام رائع كـ «موسيقى كونية متناسقة» لقد كان يرى بان البر والهواء والماء والمكونات الاخرى تعمل بانسجام كبير وسط نظام معقد. ثم جاء «الفعل الانساني» بعد ذلك ليشكل نوعاً من «التصادم مع موسيقى المجرّات» المتناغمة. وقد كان القرن العشرون في هذا السياق، وبما حققته علوم الفيزياء والكيمياء قفزة كبيرة في محاولة سيطرة الانسان على الطبيعة.. لكن الوجه الاخر لهذه «السيطرة» كان احداث تغيرات كبيرة على صعيد البيئة وبحيث ان الاثار التي تركها القرن العشرون في هذا الميدان كانت اكبر بكثير مما سببه الفعل الانساني طيلة المسيرة التاريخية الطويلة للبشرية جمعاء. وفي هذا الكتاب يقدم المؤلف تحديداً قراءة «تاريخية» لـ «معركة التقدم» على البيئة. «شيء ما جديد تحت الشمس» هو دون شك مساهمة «تاريخية» متفردة من حيث زاوية معالجتها للتاريخ الانساني ويبدو بوضوح ان المؤلف ج. ر. مكنايل قد قرأ جيداً اعمال «مدرسة الحوليات» لكتابة التاريخ، وخاصة ما كان قد كتبه المؤرخ الفرنسي الكبير «فرناند بروويل» صاحب كتاب «البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني» وحيث كان قد ركز كثيراً على تحليل دور البحر والجبال والشواطيء ومختلف عوامل الطبيعة في تحديد المسارات التاريخية للشعوب المعنية بها. ويبدو هذا التأثر بـ «بروويل» اكثر فأكثر عندما نرى بان «مكنايل» يركز في تحليلاته على منطقة البحر الابيض المتوسط وحوضه بشكل خاص، وكان قد خصّ التاريخ البيئي لهذه المنطقة بأحد أعماله السابقة. وهو يعود كثيراً اليه في هذا الكتاب الجديد. تجدر الاشارة هنا الى ان بروويل هو احد مؤسسي «مدرسة الحوليات»، او المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ، في مطلع عقد الثلاثينيات من القرن الماضي ـ العشرين.. وتركز هذه المدرسة على دراسة السياقات الطبيعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي انتجت الاحداث اكثر من تركيزها على الاحداث نفسها. المادة «التاريخية» الاساسية التي تعامل معها مؤلف هذا الكتاب هي مجموعة من «الابحاث العلمية» التي كتبها اخصائيون يمثلون «سلطة» في ميدان اهتمامهم. ولاشك بان الرسالة التي يطلقها «ج. ر. مكنايل» زاخرة بالتحذير. انه يرى بان المستقبل «مشوش بحد ذاته» وانه لابد من اتخاذ «اجراءات تصحيحية جذرية» اذا اراد العالم تجنب كوارث قادمة كما تشير الاحصائيات والتفاصيل الدقيقة المقدّمة. ان التبدلات التي تشهدها اليابسة والتربة كبيرة ويطال التلوث ما يقارب 2 بليون هكتار. وتشير تقارير منظمة التغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة بان نسبة تتراوح بين 0.3% و0.5% من الاراضي الزراعية تنحسر كل عام حسب تقديرات عام 1991، هذا الى جانب تنامي ظاهرة قطع الاشجار وزيادة التصحر الى درجة ان هذه الظاهرة تبدو كأحد التحديات التي تم طرحها في نهاية القرن العشرين، لكن بالوقت نفسه شهدت نهايات القرن الماضي ايضا تعاظماً كبيراً في كمية انتاج المواد الغذائية بفعل استخدام مبيدات الحشرات والاسمدة الكيماوية والتهجين عن طريق المورثات. لكن هذه الوسائل كلها لها وجهها الاخر الضار جدا بالنسبة للصحة الانسانية لاسيما انها تحتوي، كما اثبتت الدراسات العلمية المختصة، على عدة عناصر مسرطنة. ويحلل المؤلف ضمن سياق عوامل تلوث البيئة، ظاهرة زيادة اكتظاظ المدن بالسكان القادمين من الارياف، وحيث ان هذه الظاهرة قد تعاظمت بشكل واضح منذ عام 1950. المثالان الاساسيان اللذان يدرسهما المؤلف هما مدينتا «مكسيكو» و«كلكوتا». الى جانب العديد من المدن الاخرى، كي يصل في النهاية الى النتيجة التالية: «من بيونس ايرس وحتى بكين، ومن كراكاس الى كراتشي، يعاني الهواء الذي يستنشقه السكان من حالة مستمرة من التلوث» ويرى المؤلف بان «كمية التلوث» ونتائجه، كانت كبيرة جدا خلال القرن العشرين الذي شهد تعاظماً في درجة التلوث بسبب «التعاظم» في استخدام الاليات المختلفة للطاقة النفطية بمختلف مكوناتها.. اضف الى هذا واقع التأثيرات الكوارثية لـ «الكيمياء الحيوية» على بعض المصادر الاساسية في حياة الناس كالماء وحيث ان المياه الملوثة قتلت عشرات الملايين من الناس. خلال القرن العشرين. ويبدو من التحليلات التي يقدمها المؤلف انه يعتبر الحرب العالمية الثانية بمثابة نقطة ـ منعطف باتجاه مكننة اكثر وبالتالي تلوث اكثر وحيث تم الحديث هنا وهناك عن «ثورات زراعية» خلقت في الواقع علاقات جديدة بين الانسان والطبيعة. ان المؤلف يعتبر في كتابه هذا بان القرن العشرين قد طرح بعض الرهانات الجوهرية حول «البيئة» والتي يشرحها على مدى فصول القسم الثاني من هذا الكتاب، وخاصة كما اشير سابقاً الرهانات العمرانية ـ المدن والرهانات الديموغرافية، لتزايد عدد السكان وتعاظم الهجرات. والتلوث الزراعي والغذائي وما يترتب عليه من نتائج على صعيد «الأمن الغذائي» العالمي. كتاب عن نتائج «الفعل الانساني»، «فعل الانسان العاقل» على الطبيعة.. والمطلوب هو «التحرك بسرعة» قبل فوات الاوان