بيان الكتب: نص الحوار الذي اجرته صحيفة «اور أون لايفز» مع ريموند كارفر قبيل رحيله عن عالمنا. في ساعة متأخرة من مساء يوم اجراء الحوار كنا نجلس في شقتي لتناول القهوة وفي الخارج بالقرب من نافذة غرفة الجلوس، كان صبية من الجيران يتجادلون بصوت مرتفع، وكانت هناك سيارة ستيشن واجن تتحرك في الشارع. كل هذه الاشياء كما يبدو من الممكن لها ان تتحول الى مشهد افتتاحي لاحدى قصص ريموند كارفر لفرط واقعيتها امامه فيشعل سيجارته ويوميء بعود الثقاب بخفة ويميل الى الامام. ـانت لست شخصياتك ولكن شخصياتك هي انت؟ ـ تلك ملاحظة مشوقة بالنظر الى الادوار المتعددة التي لعبها كارفر في حياته فقد عمل بوابا ونجارا وموزعا للبضائع وكاتبا في محل للبيع بالتجزئة ومحررا في مؤسسة للنشر وعمل استاذا للكتابة الابداعية في عدد من الجامعات بالاضافة الى عمله في ورشة «ايوا للكتاب المبدعين» بين عامي 1973 ـ 1974 لكن كارفر كان يخطط في مدينة ايوا ليواصل العمل في مشروعه الكتابي قبل مغادرته للعمل في كلية «جودارد» في فيرمونت. هذه مرحلة جديدة في حياتي، لقد كبر طفلاي وقد استلمت عرضا آخر للعمل في مؤسسة جبنجهايم لتقديم المنح الجامعية لدى برنامج حافل بالعمل. كنت اقوم بكتابة عمل روائي استلمت مقدم اتعابي من الناشر لكنني وجدتهم يوافقون على قبول مجموعة من القصص القصيرة بدلا منه. ـ صدرت لك الى الآن مجموعتان قصصيتان هما «هلا سكتم لطفا» التي رشحت للحصول على جائزة ناشيونال بولو اورارو والثانية هي «المواسم الصاخبة» التي تتضمن ايضا قصة «الكثير من الماء قريب جدا من الدار». وانت تنظر الى نفسك كقاص بالدرجة الاولى على الرغم من نشرك الى الآن ثلاثة دواوين واستعدادك لنشر ديوانك الرابع؟ ـ قبل عام من الآن لم اكن اتصور انني سأكتب قصيدة اخرى ولا ادري بالتحديد ماهي، الا انني كتبت ديوانا كاملا منذ اقامتي في مدينة ايوا الايام القليلة الماضية كانت جميلة جدا. ـ تكلمنا لفترة عن الفصل بين الكتابة الشعرية والكتابة النثرية وقلت لك ان قصائدك تشبه قصصك الى حد كبير ماهو تعقيبك؟ ـ اعتقد ان الحبكة مهمة جدا وسواء كنت اكتب قصيدة او نثرا، فأنا مازلت احاول ان احكي قصة لقد داومت على كتابة الشعر في السابق لأن وقتي لم يسمح بكتابة القصة واجمل ما في القصيدة ان فيها اشباعا فوريا. ولو حدثت اخطاء فان هذا لن يضرها، اتصور انه من الصعب عليك ان تكتب رواية وان يستغرق ذلك شهورا طويلة ثم يصبح الكتاب عملا رديئا في النهاية ان كتابة الرواية في هذه الحالة ستكون بمثابة الاستثمار الضخم كما انني ومن ناحية اخرى لا املك القدرة على الاهتمام بها لفترة طويلة. ـ واذا كان من العدل ان يقال ان قصائدك تشبه قصصك القصيرة فمن العدل ايضا ان يقال ان قصصك القصيرة تشتمل على نوع من التكثيف الشعري حيث اللغة الواضحة البسيطة على نحو يميل الى الخداع والمراوغة التي لاتسمح للقاريء بأن يتبين وجهة من خلالها قبل وصوله الى هناك. كذلك فانك تبدو ماهرا جدا في الحوارات بينما تظل شخوصك واضحة حتى في اكثر المواقف غموضا وغرابة، في قصة بعنوان «ماذا في ألاسكا» يمضي ماري وكارل احدى الامسيات مع جاك وهيلين وفيما يحاول الاربعة تجربة انبوب الماء الذي ارسله احدهم اليه كهدية بمناسبة عيد ميلاده لا تستمر في محاكاة الحوار الدقيق الدائر بينهم فقط في تلك اللحظة التي تتملكهم خلالها الدهشة وانما تنجح في خلق جملة من الصراعات لدى القاريد تبلغ ذروتها في السطر الاخير من القصة، ما تتميز به اعمالك القصصية هو قدرتها على تحريض انواع من ردود الافعال تشبه التقمص العاطفي لى القاريء، وهو ما يرجع في الحقيقة الى موهبتك في اصطياد التفاصيل الكلية الصغيرة تلك التفاصيل التي تتميز بها حياتنا الشخصية. وبالتالي فإننا قد ننسى في بعض الاحيان اننا نقوم بقراءته بالفعل مما يحملنا على الشك بأن ما نفعله هو التعامل مع انفسنا فكيف تتعامل مع موضوعاتك وماذا عن مصادرها؟ ـ الكثير من الاشياء تأتي من التجربة واحيانا من اشياء اكون قد سمعتها سطر من مكان ما. ـ عناوينك ايضا مأخوذة من اسطر في قصصك ؟ ـ انك تبدأ بالكتابة، واحيانا لا تجد ماتريد ان تقوله، حتى تكتب ببراعة سطرا، ثم فجأة تتبين الوجهة التي تسير فيها القصة ماعليك الا ان تكتشف وجهتك باستمرار. وبعدها تحصل على المسودة الاولى وتعود مرة اخرى. والواقع ان كل شيء مهم في القصة كل كلمة وكل علامات الترقيم التي ترد فيها وعموما فإنني افضل كثيرا الايجاز، حتى ان بعض القصص التي كتبتها ومنها قصة «الجيران» اطول بثلاث مرات مما هو موجود في مسودتها الاصلية انني احب بالفعل عملية اعادة الكتابة. والبداية مهمة جدا فالقصة ما ان تلقى ردود فعل ايجابية او سلبية بمجرد قراءة سطورها الافتتاحية وعموما فالمعدون لديهم في العادة اعداد كبيرة من المخطوطات التي لايفعلون شيئا سوى مراجعة فقراته الافتتاحية الاولى او الثانية، الا اذا كانوا يعرفون كاتبها جيدا. ـ كما يبدو فانك تعرف عملك جيدا لان اعمالك صارت مدرجة ضمن القوائم التي تحتوي على الاعمال الاكثر مبيعا وهي موجودة في قائمة «افضل الاعمال القصصية الامريكية» وجائزة «أو هنري للقصة القصيرة؟ ـ اطول فترة توقف بالنسبة لي كانت قد تلت السؤال التالي: ماهو تقويمك لبرامج تدريس فن الكتابة الابداعية ومنها برنامج ايوا للكتاب المبدعين؟ واعتقد بان برامج تدريس فن الكتابة الابداعية من الممكن لها ان تكون مفيدة لانها اماكن لتعلم مهنة الكتابة، لكن احدى مشكلاتها بلا شك ان العديد من الاشخاص الذين ينضمون اليها لا يسمع عنهم احد بعد مغادرتها لانهم يتوقفون عن الكتابة بمجرد تخرجهم من الكلية والواقع ان فترة اقامتي في أيوا لم تكن مثمرة، لقد اقمت هناك لمدة فصلين دراسيين وغادرت حتى دون ان احصل على شهادتي. والامر الاكثر اهمية هو ان تجد الشخص الذي تستطيع ان تعمل معه. وبالنسبة لي كان ذلك الشخص هو جون جاردنر وقد كان موجودا هناك في تلك المرحلة الحاسمة من مراحل تطوري الابداعي. مريم جمعة فرج