بيان الكتب: «من حيث اناديكم» عنوان المجموعة القصصية شبه الكاملة الصادرة للروائي والشاعر والقاص الامريكي «ريموند كارفر» بعد رحيله في سنة 1988. الواقع ان اعمال كارفر بوجه عام تطرح نموذجا متفردا من الكتابة الابداعية الامريكية المعاصرة ومن هنا تأتي اهميتها، فبالاضافة الى انتمائها الى تيار جديد في ذلك الوقت هو تيار الواقعية القذرة هو ومجموعة من معاصريه من الكتاب الامريكيين، ومنهم ريتشارد فورد وبيتي آف وشعورها بالتشاؤم تجاه الواقع الحياتي الامريكي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام الا ان ما يميز كتاباته هو ذلك التماهي مع واقعه الشخصي. ففي حالة من اليأس تعيش شخوص كارفر صراعا محتدما مع الحياة، وهي تعرف مسبقا ان الحياة الطيبة الكريمة التي تبحث عنها والتي تأمل في الوصول اليها من خلال العمل الجاد لن تتحقق، وبشكل او بآخر فان هذا النوع من الحياة هو ما يجسد واقع الحياة التي عاشها كارفر باستمرار والتي زادتها ظروفه النفسية سوءاً. تحتوي مجموعة كارفر الصادرة في 2001 على مجموعة من افضل اعماله التي كتبها في القصة وهي 37 عملا قصصيا معظمها من القصص التي نشرها قبل رحيله بما في ذلك اعماله المبكرة بالاضافة الى 7 قصص لم تنشر له من قبل وكل هذه المجموعة تمثل خارطة ايضاحية كاملة للارضية التي كان يعمل عليها وهي بالتحديد ما يتناول بالقراءة المفصلة مناطق معينة في امريكا والتركيبة الذهنية والاجتماعية لشريحة معينة من الناس الذين يكتب عنهم كارفر. هذه القراءة تبدو سهلة وواضحة من القصة الاولى على الرغم من عدم سهولتها فهو يتحدث عن نموذج خاص أو شريحة اجتماعية على نحو يوحي لك كقاريء بعالميتها وشموليتها، وعلى الرغم من افتقار قصصه الى الحبكة في اغلب الاحيان وافتقار شخوصه الى الوصف العادي الا انه يقول كل شيء عنها من خلال البوح بمكنوناتها كما ينجح في حملك على اصطيادها من خلال ايحاءاتها التي قد لايعبر عنها بالكلام او يكتفي بالتعبير عنها بأشياء بسيطة تشتمل على عمق في المعنى وقدرة على خلق صداها المدوي حتى بعد الفراغ من قراءتها. وكما ان كارفر يبدو مثيرا للجدل حول ما يرمز اليه من معان كثيرة ومفارقات فان كارفر يبدو صادقا ايضا وفي بعض الاحيان ذكيا مخادعا (قصة انتباه). وبليغا (قصة كاتدرائية) ورومانسيا للغاية (قصة مسافة) وعموما فهو يكتب بأسلوب المترادفات الذي يجمع بين الكثير من الصفات المتناقضة التي يطمح من خلالها الى قول الحقيقة لا اكثر وهو هنا يسمح لشخوصه بأن تتكلم بواقعية في اطار السيطرة الكاملة له عليها على نحو موح بالمفارقة بالفعل. بدأ كارفر الكتابة بعد تخرجه من تشيكو ستيت كوليج في سنة 1958 والتحاقه ببرنامج لتدريس فن الكتابة الابداعية في الجامعة نفسها، كان يشرف عليه الكاتب الامريكي جون جاردنر الذي اهتم بموهبته كثيرا، وكما يقول كارفر، فإن العالم الذي قدمه اليه جاردنر كان هو العالم الذي ظل يفكر طويلا في الاقامة فيه «في مكتبه ايام العطلات كنت اطالع مخطوطاته وأسرق العناوين من قصصه» وعلى الجانب الآخر من ذلك تأثر كارفر بأسلوب حياته الشخصية وزواجه في سن مبكرة وحياته مع زوجته وطفلية اللذين انجباهما في سن مبكرة جدا وتحمله مسئولية ثقيلة مادية ونفسية قال عنها كل شخصياتي تقريبا تصل الى الحد الذي تفكر فيه بالمصالحة المذلة مع نفسها ومع الآخرين ثم فجأة تأتي اللحظة التي تشعر فيها بالرغبة في البوح مما يسبب الارتباك في حياتها اليومية ويحملها على التفكير في التحدي لكن سرعان ما تبين لها ان الامور لا تتغير في الواقع». والواقع ان الكثير من الانتقادات كانت قد وجهت الى كارفر بسبب ما يسميه عدد من النقاد التقليل من شأن شخوصه وبشكل آخر التعامل معها على نحو تلعب المفارقة دورا اساسيا فيه ومع ذلك نجده يدافع عن موقفه تجاه هذه الشخصيات بقوله «انا لا اهبط بشخوصي الى مستوى ادنى مما تستحق او اضعها في مواقف سخيفة تجلب لها السخرية او اغدر بها خلسة بارسالها الى مصيرها المحتوم. فأنا احب هذه الشخصيات لكن سخريتي هذه ليست من النوع الرخيص من النوع الذي يسبب الالم لها» لكن كل ما يرمز اليه كارفر في شخصياته موجود في حياته الشخصية «اعرف اشياء كثيرة عن حياة افراد الطبقة الكادحة الفقيرة بفضل معايشتي لها». يرى العديد من النقاد انه توجد على الاقل مرحلتان في حياة كارفر الابداعية، ولمعرفة التغيرات التي طرأت على كتابته القصة فان قارئه ملزم بمعرفة الفروق الدراماتيكية وحياته الاولى كما تصفها زوجته ماريان كارفر كانت صعبة للغاية بسبب ادمانه على الكحول وفي تلك المرحلة كان قد تفرغ عاما واحدا للكتابة وكتب خلالها عددا كبيرا من القصص التي ظهرت في مجموعته «هلا سكتم لطفا» التي نشرت في سنة 1976 وبعد شفائه من آثار حادث كاد ان يودي بحياته كتب مجموعته الشهيرة «من حيث أناديكم» التي نشرت الطبعة الأولى فيها في سنة 1988. في قصة من «حيث أناديكم» التي حملت طبعتا سنة 1988 وسنة 2001 من المجموعة عنوانها يتماهى كارفر مع أحد شخوصه في القصة «تايني» الشاب الذي يتماثل للشفاء بعد نوبة مرضية تلم به بسبب ادمانه على الكحول ليبدأ في وصف شعوره بالسعادة بعد شفائه وعودته الى حياته الطبيعية. المرحلة الثانية في حياة كارفر الابداعية تبدأ في سنة 1982 وكان قد بدأها بقصة «ما الذي نتكلم عنه عندما نتكلم عن الحب» سنة 1981 التي تضمنتها مجموعته القصصية «الكاتدرائية» التي يقول عنها «ان القصص التي تحتوي عليها هذه المجموعة مختلفة الى حد ما لقد تعاملت معها بشكل جيد ولدي اقتناع كاف بأنها مختلفة من حيث فكرتها ومن حيث العمل عليها» ومثال على قوله هذا يمكن الاستشهاد بقصة «الحمام» احدى قصص المجموعة التي فازت لوحدها بجائزة كارلوس فونتي للابداع القصصي والروائي التي ظهرت أطول ثلاث مرات من حجمها الذي ظهرت عليه لدى نشرها للمرة الاولى والتي أكملت لتصل الى النهاية الحقيقية حسب قوله. تشتمل مجموعة «ما الذي نتكلم عنه حين نتحدث عن الحب» على قصص منها «شيء صغير جميل» وهي من بين القصص التي ادخل عليها كارفر بعض التعديلات كما انها القصة الحائزة على جائزة برايز ستوريز لسنة 1983 والمرشحة في نفس السنة لجائزة بوليتزر للقصة لكن اكثر ما يمنح هذه القصة وقصة الكاتدرائية اهمية هو اعادة نشرهما في المجموعات القصصية الاخرى ولعل ذلك يعود الى انهما أفضل ما كتب من اعمال قصصية بالنظر الى التعاطف الكبير الذي حصلت عليه من قبل جمهور القراء. مما يقوله كارفر انه كان قد تأثر كثيراً بتشيكوف خاصة لدى قراءته سيرته لمؤلفها هنري تروين وهو ما عبر عنه في قصة «رسالة شفهية» اخر قصة نشرها في حياته وفيما عدا هذه القصة واثنتين او ثلاث اخريات فإن موضوعات قصصه الاخرى كلها ذات علاقة بتجربته الشخصية وبالنسبة لكارفر فقد كان يتراءى له وهذا ما يتصوره النقاد ان المادة التي احتوت عليها سيرة تشيكوف ما هي الا قصة من القصص التي يمكن للانسان ان يسمعها افواه الاخرين. من ناحية اخرى، فان اهمية بعض اعمال كارفر تعود بشكل مباشر الى تجسيدها رؤيته ككل في الحياة ومن هذه القصص التي يعول عليها كثيرا قصة الكاتدرائية حيث يرصد هذا العمل كل التغيرات التي حدثت في حياته تقريبا كما يعبر عن رؤية متطورة غير ثابتة في مكانها بغض النظر عن حالة الثبات التي تمر به حياته ويرى البعض ان هناك الكثير مما لم يتطرق اليه النقاد مما يتعلق بالتطور الذي مر به من الناحية الابداعية العملية هذا الشيء الذي يحلو للكثير ان يطلقوا عليه الواقعية او الواقعية القذرة والذي صار يمكن للنظريات السياسية ان تحلله في ضوء تجسيده لواقع الطبقة الاجتماعية الكادحة وما تمارسه عليها الرأسمالية من ضغوط. في اطروحتها حول نزعة الاختزال لدى كارفر سنة 1995 تنفي هيرومي هاشيموتو ان يكون لديه ميل الى الاختزال حسب تعبيره عن رأيه في انه كلما اتسع المعنى كلما ضاقت العبارة. تقول هاشيموتو لقد غير كارفر اسلوبه على نحو شديد التطرف كما فعل ذلك على امتداد حياته الابداعية وبالتالي فان من الصعوبة بمكان ان يتم تصنيفه على هذا النحو. ولكن كيف تم تصنيفه بهذا الشكل «على انه رائد النزعة الاختزالية في امريكا» اعتقد ان هذا يمكن الاجابة عنه من خلال مراجعة المخطوطة الاصلية لقصة الحمام التي تحتوي على الكثير من المراجعة والمخطوطات الاخرى التي تلتها واحتوت على الكثير من محاولات الاطالة والتغيير. ان مراجعة هذه الاصول تشير بالتأكيد الى ان كارفر كان يميل الى الاختزال في مرحلة من المراحل فقط وليس باستمرار. تتطرق هاشيموتو في اطروحتها عن نزعة الاختزال عند كارفر الى مجموعة «ما الذي نتكلم عنه عندما تتحدث عن الحب» التي يصفها النقاد بأنها النموذج المثالي الشاهد على نزعته الاختزالية التي ترى أنه كان قد لجأ فيها الى الاختزال على نحو واضح في النسخة الاصلية ثم عاد وقام بمراجعة نصوصها التي ظهرت في المجموعة التالية ولم يضف الكثير مما يمكن التأكيد على انه التزام بهذا المبدأ ومثال على ذلك قصته «مسافة» و «اين كل شخص» سنة 1980 و«الكثير من الماء قريب جدا من الدار» و«طيف» سنة