تمتد منطقة الأوزاركس، وهي عبارة عن نجد من الغابات مساحته 60 ألف ميل مربع، على طول الحدود بين ميسوري وأركنساس وتدخل في أراضي أوكلاهوما وكنساس. وقد أصبحت هذه المنطقة، مؤخراً، هدفاً للباحثين عن الكنوز من جميع الأصناف، الذين ينشدون الفرحة والحياة السهلة والأرض الرخيصة والجمال الطبيعي والأسماك السمينة وقلة القوانين. وتتقاطر أعداد كبيرة من الناس على المنطقة لدرجة ان عدد السكان بات ينمو بمعدل يقارب ضعف المتوسط على المستوى الأمريكي العام وهو تدفق يعمل على تغيير المشهد الثقافي. لا يحظى التغيير بترحيب كبير في أوزاركس. ومع أن الكرم يأتي سريعاً، إلا أن القبول يكون بطيئاً. وقد لخص أحد المواطنين الأصليين الوضع بقوله: «تكون غريباً فقط لمدة خمس دقائق، ولكنك تعتبر قادماً جديداً لمدة 50 عاماً». ومن المثير للمفارقة ان القادمين الجدد هم من أعطوا أوزاركس اسمها الحالي. فقد استخدم المستوطنون الفرنسيون في القرن الثامن عشر الذين يعبرون المنطقة من نهري ميسوري والمسيسيبي، وهي الحدود الشمالية والشرقية لأوزاركس، عبارة «أوكس آركس» أو «إلى أركنساس» بينما كانوا يتوجهون الى مستوطنة مقامة على نهر أركنساس على الطرف الجنوبي للمنطقة. وفقد السكان الأصليون ـ وهم قبائل الأوساج والكواباو وهنود آخرون ـ فقدوا الأرض مع قدوم المزارعين والحطابين من الشرق المزدهر. وهؤلاء المهاجرون وأسلافهم هم الذين جلبوا التقاليد الاسكتلندية والايرلندية والألمانية والفرنسية التي لا تزال تصبغ بنكهتها المنطقة. غير ان القليل من ماضي أولئك المهاجرين ظل موجوداً في برانسون بميسوري. فهذه البلدة التي لم تكن أكثر من مجرد استراحة للتموين قبل 25 عاماً، حظيت بدفعة إلى الأمام في عام 1983 عندما أصبح روي كلارك أول نجم لموسيقى الريف يفتتح مسرحاً هناك. وسرعان ما تلاه نجوم آخرون فأصبحت هذه البلدة الصغيرة التي لا يتجاوز تعداد سكانها 3900 نسمة عاصمة العروض الموسيقية في قلب البلاد. وبوجود مقاعد أكثر مما في برودواي، فإن برانسون باتت الآن الوجهة الأولى لجولات الحافلات في البلاد، حيث تستضيف سنوياً قرابة ستة ملايين زائر. وشأن كل بلدة مزدهرة، فإن هذه البلدة تستقطب نصيبها من الحالمين. تقول ماري هايجور، وهي امرأة جميلة لديها ثمانية أطفال يشكلون فرقة موسيقية تؤدي عروضها على مسرح المدينة: «ليس لدينا ما نخسره. وأنا أريد أن أرى هؤلاء الأطفال ينجحون». وتسعى البلدة جاهدة لرسم الابتسامة على شفاه زوارها. وهذا أمر طبيعي في ظل الأسعار المنخفضة والسكان الودودين وكثرة برامج الترفيه المسرحية التي تشهدها المدينة في موسم الذروة السياحية. يشير ليستر فايننج، المولود في البلدة عام 1912، والواقف خارج منزله المرتب المطلي بالأبيض الى المكان الذي كانت ترعى فيه الأبقار في يوم من الأيام وتزرع فيه الطماطم قبل أن تغمر أضواء برانسون المتوهجة الوادي. ويقول ليستر: «كان لدينا منازل هناك. وكانت لديهم مصابيح تنار بزيت الفحم. وكنا نعرف متى يذهبون الى النوم وكانوا يعرفون متى نذهب الى النوم. وإذا بقي مصباح مضاء طوال الليل، كنا نعرف ان احدهم مريض». كان ليستر مثل أي مواطن أصلي في أوزاركس، فهو شخص مسلّ ومضياف ومجد وبسيط في حديثه ومدافع عن أسرته. وهو يعتبر الأرض أعلى قيمة من المال. ولهذا السبب، فإنه رفض في السنوات الأخيرة العديد من العروض المغرية لبيع أرضه التي تبلغ مساحتها مئة فدان، يتهدد نصفها خطر اقامة طريق التفافي لمدينة برانسون. وتكافح أسرته من أجل منع شق الطريق في أرضهم أمام المحاكم. لقد ولدت أرض أوزاركس الوعرة من بحر قديم، وأدت الفترة الطويلة من عوامل التآكل والتعرية الى نحت وديان عميقة في هذه الصخور الكلسية والرخامية، ما حوّل سطحها المنبسط الى سلسلة من التلال. وهي تبدأ من الصفر وتعلو تدريجياً لتصل الى ارتفاع 2578 قدماً في جبال بوسطن بأركنساس. وهذه الأرض الوعرة مليئة بالكهوف والينابيع وحفر المياه. فالجداول تختفي فجأة داخل مجاري الأنهار المفروشة بالحصا، والمياه الجوفية تقع في مكان عميق داخل طبقة صخرية نفوذه للمياه. ويمكن للمواد الملوثة ان تنتقل أميالاً في اليوم الواحد عبر هذه الطبقة الاسفنجية. وهذه السرعة تعرض الآبار والأنهار لخطر التلوث بالنفايات المؤذية للصناعات الرئيسية في أوزاركس التي تتمثل في الدواجن وقطع الأخشاب والسياحة وتربية الماشية والتنقيب عن الرصاص. يمر حزام الرصاص الأكبر في البلاد عبر أراضي أوزاركس في ميسوري. ويمكن أن يتم استنزاف المادة الخام في غضون 15 ـ 30 عاماً. وسعياً وراء مخزونات جديدة، أقدمت شركة دوران التي قامت بالتنقيب هنا طوال عقود على طلب أذونات بالتنقيب في غابة مارك توين الوطنية بالقرب من وينونا، وهي منطقة صخرية تغذي مستجمعات مياه الأمطار فيها بعضاً من أنقى الينابيع والأنهار في البلاد. ويبدي علماء البيئة في الولاية قلقهم ازاء جهود التنقيب الجديدة عن الرصاص في هذه المنطقة، وذلك لأن هذا العمل سيؤدي الى تلويث الينابيع والآبار بالتسربات السامة من الرصاص والمعادن الثقيلة الأخرى. تحفل منطقة نجد أوزاركس بالبحيرات الكثيرة والجداول التي يأتي ملايين الأشخاص كل عام الى شواطئها لممارسة صيد الأسماك والسباحة والتخييم. وأكثر المجاري المائية استقطاباً للسياح هو نهر بفالو الواقع في منطقة ساحرة ذات جمال أخّاذ، حيث يذهب الناس الى هناك للاستمتاع بروعة المنظر الطبيعي ومشاهدة أشكال الحياة البرية التي تعيش حوله. ضرار عمير