يسمونه في مصر بالمحمول، وفي بلاد الشام بالخليوي، وفي بلاد الخليج والسعودية بالجوال، إنه التلفون المحمول او ما نطلق عليه في ايامنا هذه «الموبايل»، تلك الصناعة الجديدة التي انتشرت بصورة كبيرة في بلداننا العربية والاسلامية، حتى إن بلداً مثل مصر نجد ان بها اكثر من مليون مشترك في هذه الخدمة. تحتل شركات هذه الهواتف المراكز الأولى في بورصات العالم العربي، وهذا دليل على تنامي استخدامها، والسؤال الذي يطرح نفسه مع تنامي استخدام هذه التكنولوجيا هو هل استخدام التلفون المحمول يسبب اي اضرار صحية للإنسان؟ وعلى الرغم من ان هذا السؤال قد طرح نفسه منذ سنوات على هيئة عدة ابحاث ناقشت مخاطر الاشعة المنبعثة من استخدام هذا الجهاز فإنها لم تصل إلى نتيجة قاطعة عما يمكنها ان تسبب أضراراً للانسان أم لا؟ ومازالت الابحاث تخرج علينا بين الفينة والفينة بالجديد، فهذا التلفون المحمول من اهم الاجهزة الالكترونية التي انتشرت في الاسواق منذ سنوات قليلة، ومع بداية انتشاره كثر الجدل حول تأثيره على الصحة العامة للانسان وما قد يسببه من اضرار على وظائف المخ والجهاز العصبي، مما يؤدي الى العديد من الامراض الاخرى للانسان، ومن هنا انطلقت الابحاث لمعرفة التأثير الفعلي لأجهزة الهاتف المحمول على صحة الإنسان، وكذلك تأثير ابراج الشبكة المستخدمة في ارسال واستقبال الموجات اللازمة لتشغيل المحمول، فمن المعروف ان هذه الابراج تقام في المدن فوق اسطح المنازل، حيث ان البرج الواحد قادر على تغطية الارسال والاستقبال في محيط دائرة حوله نصف قطرها بضعة كيلو مترات، ولهذا لابد من وضع العديد من الابراج حتى يتداخل مجال كل برج مع الآخر فتغطي الشبكة المدينة كلها. في هذا التقرير نعرض بعضا من الابحاث التي تحدثت عن الهاتف الخليوي. بداية نعرض بحثا قام به مجموعة من الخبراء في بريطانيا حول تأثيرات مهرجان «الموبايل» والابراج على صحة الانسان، واظهرت النتائج انه حتى الآن لم يثبت وجود اضرار من موجات الخليوي ولا من الابراج على وظائف المخ والجهاز العصبي للإنسان، حيث ان الموجات المستخدمة فيه هي موجات الراديو، ومن المعروف ان الزيادة في تردد موجات الراديو عن حد معين تسبب تأثيرا حرارياً، ولهذا فإن جميع شبكات التلفون المحمول تعمل على ترددات اقل من المسموح به لتلافي اي اضرار قد تحدث، أما بالنسبة للابراج، فإن الموجات التي يتعرض لها الانسان من هذه الابراج اقل بكثير من التي يتعرض لها من جهاز الهاتف المحمول، ولذا تنصح مجموعة الخبراء باستخدام المحمول لحين ظهور نتائج اخرى تنافي ما قد توصلوا اليه. للكبار فقط وعلى النقيض تماما نرى ان المكتب الصحي التابع للحكومة البريطانية ينصح بشدة ضرورة حظر استخدام المحمول للاطفال ممن هم اقل من 16 عاما، وقال المكتب في تقريره ان الاطفال اقل من 16 عاماً يكون جهازهم العصبي في مراحل تكوينه، ونظراً لأن الابحاث لم تنته في مجال الهاتف الخليوي والصحة، فإن الاطفال اقل من 16 عاماً هم الاكثر عرضة لامراض الجهاز العصبي وخلل وظائف المخ وذلك في حالة ثبوت الاضرار الناتجة عن استخدام الخليوي، ولذلك ينصح المكتب الصحي الآباء والامهات بضرورة حظر استخدام المحمول على الاطفال الأقل من 16 عاما إلا في حالات الضرورة القصوى على ان تكون المكالمة قصيرة جداً. كهرباء الدماغ في ضوء كل ما يثير الجدل الواسع بين الاوساط العلمية المختلفة، تشير دراسة امريكية الى ان الموجات القصيرة جدا «الميكروويف» تزيد من افراز هرمون داخلي من زمرة الكورتيزول كما يمكن ان تطلق المورفين الداخلي، وتؤكد نتائج هذه الدراسة تأثير الهواتف النقالة في كيميائية الخلايا الحية، كما تشرح لماذا تجد حيوانات التجارب صعوبة في التعلم؟ وعللت السبب الى ان افراز هذا الهرمون مرتبط بالتعرض لنوع من التأزم الداخلي، سواء عن طريق ارتفاع درجة الحرارة او الألم، كما يشير احد الباحثين إلى ان الهواتف النقالة تؤثر في كهربائية الدماغ لفترة زمنية قد تطول او تقصر حسب المدة الزمنية التي يتعرض لها الانسان للأمواج القصيرة، واستنادا الى هذه الدراسة منعت بعض الشركات استخدام الهواتف النقالة لدى المهن التي تحتاج الى تركيز كبير ومستمر. السرطان والمحمول حدث تضارب كبير في الآراء حول تأثيرات الهواتف النقالة على الجسم في الفترة الأخيرة، فقد فشلت ثلاث دراسات جديدة اجريت على الفئران في اثبات وجود علاقة بين سرطان الدماغ واستخدام الهواتف النقالة رغم ان احدى المجموعات بينت سابقا ان نسبة حدوث السرطان تزداد بمعدل الضعف لدى حيوانات التجارب، ويبدو ان النتائج الجديدة شجعت بعض العلماء على التحدث عن دراسات سابقة لم تنشر في المجلات العلمية، فقد زعم فريق علمي في مركز الطب البيطري في «لوماليندا» بولاية كاليفورنيا الأمريكية ان الامواج القصيرة يمكن ان تقلل نسبة حدوث السرطان، لكن الدراسات اثبتت انها نتائج خاطئة، بل اشارت هذه الدراسات الى ان نسبة حدوث السرطانات اللمفاوية والدماغية يمكن ان تزداد بشكل واضح لدى الذين يستخدمون الهاتف النقال لاكثر من 20 دقيقة دفعة واحدة في كل اتصال. وقد يؤدي تباين النتائج بين الدراسات الى تكهنات كثيرة منها الخطأ العلمي او الاحصائي او استخدام عدد قليل من الحيوانات، حيث لا تظهر صورة واضحة للنتائج او يمكن ان تعود ببساطة الى نتائج موجهة، خاصة ان بعض الدراسات تتم من قبل الشركات المصنعة للهواف النقالة فقد ذكرت الدراسات الحديثة في المعهد الوطني للعلوم الفيزيائية في بريطانيا ان تأثير الهواتف النقالة على الدماغ يختلف من جهاز الى آخر، كذلك يختلف حسب وضعية الهوائي المعلق في الهاتف فتكون التأثيرات اقل اذا كان الهوائى مرفوعا، وبينت الدراسات ان استخدام سماعة الاذن التابعة للنقال قد تقلل من وصول الامواج الى الدماغ بمعدل 90%، لذلك ينصح باستخدام السماعة. التأثير على الدماغ وفي خضم تلك الدراسات الكثيفة نرى دراسة أسترالية حديثة تشير الى حدوث اضطرابات عصبية في احد المرضى نتيجة لاستخدام النقال لفترة طويلة، مما تسبب في فقدان الاحساس بصفة دائمة في الجانب الذي تعرض للهاتف، وفي المقابل فإن هناك دراسات اخرى تشير الى ان تعريض الانسان للهاتف النقال لفترة زمنية محددة يزيد من سرعة استعادة المعلومات من الدماغ على المدى القصير، وكانت هذه النتيجة غير متوقعة إذ وجد ان استجابة الناس لاسئلة مطروحة على الكمبيوتر افضل لدى مستخدمي الهواتف النقالة بنسبة 4%، ويعلق الاطباء على ان نتائج الدراسات الجديدة لا تسقط احتمال ان يقود استخدام الهواتف النقالة الى الاعراض الجانبية المذكورة آنفا، فسرعة استدعاء المعلومات تعود الى سرعة «السيالة العصبية» او التيار الكهربائي في القشرة الدماغية، خاصة في المناطق المسئولة عن اللغة والابصار، ومن الدراسات غير المتوقعة ايضا حول تأثير الهواتف النقالة على الجسم نذكر دراسة بريطانية سلط فريق العمل فيها الامواج القصيرة جدا على نوع من الديدان الصغيرة المعروفة للعملاء من الناحية الفيزيولوجية والتشريحية، ووجد من خلالها ان الامواج تزيد من نموها بمعدل 5% مقارنة بالديدان الاخرى وهذا يعني ان الهواتف النقالة يمكن ان تزيد من الانقسام الخلوي وبالتالي مخاوف حدوث السرطان. سرطان العين وكشف فريق من الباحثين الألمان أن الاشخاص الذين يستخدمون النقال بانتظام تتضاعف فرصة اصابتهم بسرطان العين ثلاث مرات، وكان العلماء قد اختبروا 118 مريضا ممن يعانون من الورم الخبيث وهو سرطان يصيب قزحية العين وقاعدة الشبكية لها ضمن مجموعة مختارة تتكون من 475 فرداً، فوجدوا ان كل هؤلاء المصابين بسرطان العين هم ممن يستخدمون الهاتف النقال بكثافة عالية، وبينما ربطت الدراسة بين استخدام الهاتف الجوال وسرطان العين إلا ان رئيس فريق البحث حذر في افتتاحية البحث من ان الدراسة الصغيرة التي اجريت تعطي تقويما غير مكتمل نسبيا، اذ انه من المحتمل وجود متغيرات اخرى، وفي الاطار ذاته فإن القلق الذي سببته الدراسة جعل المتحدث الرسمي لاتحاد الصناعات الكهربية والذي يمثل شركات صناعة الهواتف الجوالة يصر على ان اكتشافات الفريق الالماني تحتاج لدراسة اخرى مؤكدة، معتبرا ان هذا ما هو إلا بحث اولي ضمن سلسلة من الدراسات الاخرى التي اعطت نتائج مغايرة ولابد لهذا البحث من نتائج مؤكدة عن طريق دراسات اخرى. تحذيرات متعددة اعلنت العديد من السلطات والجهات انه يستحسن للآباء العمل على الحد من استخدام اطفالهم لهذه الهواتف إلا في حالات الضرورة القصوى كما انها طالبت الشركات المنتجة لهذه الاجهزة بكتابة كمية الاشعاع الصادر من هذه الاجهزة على كل جهاز، كما حثت الشركات على عدم التركيز على الاطفال كهدف لسلعهم في الدعاية الاعلامية، وتعليقاً على هذا التحذير يقول احد اخصائيي الجهاز العصبي بجامعة «أوكسفورد»: إذا كان من الممكن ان تسبب هذه الهواتف مخاطر في المستقبل فإن الاطفال هم الاكثر عرضة لتلك المخاطر، نظراً لعدم تطور جهازهم العصبي بالاضافة لكثرة تعرضهم للاشعاع في صورة مبكرة، فيما يرى رئيس برنامج الحماية من الاشعة الكهرومغناطيسية التابع لمنظمة الصحة العالمية ان شركات الهاتف المحمول يجب ان تضع حدا عاليا لمعامل الامان ضد الاشعاع وخاصة فيما يتعلق بالاطفال، كما ان محطات تقوية الارسال التي تستخدمها هذه الشركات يجب ان توضع تحت المراقبة للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية العالمية فيما يتعلق بمعامل الامان خاصة وان هذه المحطات تقام على اسطح الابنية السكنية ورغم تصريحات المسئولين في شركات الهواتف النقالة في الكثير من البلدان العربية بأن هذه المحطات لا تسبب اي مخاطر للسكان إلا انه يجب التأكد من مطابقتها للمواصفات الدولية، ومن المعروف ان معظم الاشعاع الصادر من تلك الهواتف يأتي من الهوائي، مما دفع بعض الشركات لانتاج سماعات للأذن بهدف الحد من التعرض للاشعاع ولكنه وجد في بعض الدراسات الحديثة انها تركز الاشعاع بدلا من حماية المستخدم للنقال. قصر المكالمات وبالطبع نظراً لكل ما اثير حول النقال من مشاكل، اتجهت الشركات المنتجة له الى اجراء تعديلات على الاجهزة لتقليل تعرض الانسان للموجات إلى اقل حد ممكن، فعلى سبيل المثال طرحت شركة نوكيا في الاسواق اجهزة منخفضة الامتصاص النوعي وقالت انه بداية من لحظة الطرح يجب على المشتري لاجهزة المحمول اختيار الجهاز الذي له اقل قيمة أو (SAR) لضمان عدم تعرضه الى موجات اضافية، كما نصحت الشركات المستهلك حتى يحصل على استخدام آمن للمحمول ان تكون المكالمات قصيرة وفي حالات الضرورة فقط، وبما اننا نتحدث عن الهاتف المحمول فلابد ان نذكر الجديد في هذا المجال، فقد صرحت شركة موتورولا انها سوف تقوم بطرح أجهزة لها القدرة على استخدام (WAP) بسرعة فائقة تصل الى 64 كيلوبت في الثانية، حيث انها وصلت الى 9.6 كيلوبت في الثانية اي سدس السرعة المستخدمة في الكمبيوترات الشخصية تقريبا، وسوف يتم هذا التطوير باستخدام تكنولوجيا جديدة، حيث ان هذه التكنولوجيا تساعد على الاسراع في نقل المعلومات من الانترنت الى الهاتف المحمول وقد وعدت الشركة ان تصل السرعة الى 171.2 كيلوبت في الثانية خلال الاشهر المقبلة مما يتيح للمستخدم نقل الصورة والصوت بكفاءة عالية. عقب عرض كل تلك الدراسات المتضاربة حينا والمتوافقة حينا آخر يتبقى ان نطرح سؤالا اخيرا الا وهو ما تأثير الاشعاع على الاجنة؟ فحتى الآن لم توضح اي دراسة في هذا المجال اي تأثير مشوه على الاجنة، وعلى الرغم من ذلك فإنها تطرح العديد من المحاذير ضد استخدام هذه الهواتف الخليوية بواسطة الحوامل حتى يتبين خلوها من اي اضرار على الاجنة. رابعة الزرعوني