الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، جميل جدا ان يحتفل بالأم وأن يتذكر الناس فضلها وآثارها ليوفوها شيئا من حقها، فهي بلا ريب المدرسة الاولى للطفل، تربيه وترعاه، فهي تحمله في بطنها تسعة أشهر، يزيدها بنموه ضعفا على ضعف ويحملها فوق طاعتها عناء فوق عناء، وهي الضعيفة الواهنة، ثم تخرجه بعد ان يئست من خروجه في حياتها فلما بصرت بك الى جانبها، نسيت آلامها وعلقت فيك آمالها، ورأت فيك بهجة الحياة وزينتها ثم انصرفت الى خدمتك ليلها ونهارها، تغذيك بصحتها وتنميك بهزالها، وتقويك بضعفها تخاف عليك رقة النسيم، وطنين الذباب. والقرآن الكريم اشار الى عاطفة الأم في سورة القصص في قصة سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال: «وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين» واذا كان للغرب عذره بأن يقيم للأم عيدا فالأم هناك تدفع بوليدها الى الحضانة في السنوات الاولى وتنصرف الى العمل والكسب ـ كسب المال ـ فينشأ الطفل عديم العاطفة متلبد المشاعر تجاه ابويه فلا يتذكر أبويه إلا في يوم واحد في السنة. لكن الشرق العربي المسلم تعيش الأم فيه كل لحظة وساعة ويوم عيدا، وهي ترى عطف أولادها واكرامهم لها، وتحقيق حاجاتها، لأنهم رضعوا لبانها وشعور ان رحمها كان لهم حجرا وأن ثديها كان لهم سقاء، من هنا جاء تقديم الأم على الأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة لما سأله «أي الناس أحق صحابتي قال أمك، قال ثم من، قال أمك قال ثم من، قال أمك قال ثم من، قال أبوك.. ولقد ذكر العلماء سبب التقديم هنا ـ لأن الأم حملته أرضعته حضنته ولا ننسى حق الأب واننا لسنا من انصار كثرة الاعياد لكن من الظلم بمكان ان لا يقيم الغرب عيدا للأب لأن له أفضالا كثيرة على الولد تنبع من افضال الله عليه. من هنا قال سيدنا الحسن البصري: وبر الوالدة ألزم ولكن يا ترى هل يستطيع الانسان ان يؤدي حق أمه عليه أو ابيه؟ عن سليمان بن بريدة عن أبيه ان رجلا في الطواف كان حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، هل أديت حقها؟ قال: «لا، ولا بزفرة واحدة» فلعل هذه الزفرة من زفرات الحمل او الولادة، او الجهد في الرضاع والحضانة والتربية. روي ان شابا قال لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان لي أما بلغ منها الكبر، لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها فهل أديت حقها؟ قال لا، قال لم؟ قال: لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك وأنت تصنعه وتمنى فراقها! تنظف الأم ولدها وتزيل عنه الاقذار والاوساخ وتمسح النجس عنه بيدها، غير مشمئزة ولا متأففة، فإذا تقدمت بها السن وحل بها الضعف واضطر الولد الى تنظيفها يوما ما امتعض وجهه، وتقطب جبينه، واستقذر نفسه، وأظهر الملل وطلب من الله ان يخفف عنها! وهي كانت تطلب من الله ان يقيم في عمرها ويضع في عمره (يخفف عنها يعني ان تموت وتستريح ويستريح فأين حنان الوالدة من حنان الولد؟! أنصف ايها العاقل امك وأباك ثم انظر مدى وفائك لها وبرك بهذه الضعيفة ولو أنصف الأبناء الآباء والامهات لما تركوهم يمشون على الارض ولغسلوا أقدام امهاتهم بدموع عيونهم. أكرم امك ولب كل طلباتها التي تقدر عليها ولك في سيدنا أسامة بن زيد أسوة حسنة «فلقد عمد الى نخلة فنقرها وأخرج جمارها ـ أي لبها ـ فأطعمه أمه فقالوا له: ما يحملك على هذا وقد بلغت هذه النخلة ألف درهم من حيث سعرها وثمنها قال: ان أمي سألتنيه ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا اعطيتها اياها». ما أروعه من بر عظيم إياك وكسر خاطرها او رفع الصوت عليها ولقد عبر القرآن الكريم عن هذا فقال في آية لا تحتاج الى كبير تفسير فقال في سورة الاسراء «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا». ارجعوا الى قوله اما يبلغن عندك وليس في بيت العجزة في بيتك لا كما يفعل بعض الناس والعياذ بالله يضع أمه أو أباه في بيت العجزة هذا هو الشقي. وكلمة اف اعرابها: اسم فعل مضارع بمعنى اتضجر ولو كانت هناك كلمة أصغر من الكلمة لعبر القرآن الكريم عنها تحذيراً من رفع الصوت والاساءة الى الوالدين وإليكم بعض الفوارق الواضحة والحجج الدامغة على الأولاد: 1- لو أن أمك مرضت فهل تبقى بجانب سريرها ليلتين متتاليتين من غير أن تنام؟! لو أنك فعلت ذلك فهل تنهض مسروراً، كما تنهض هي من أجلك؟! 2- لو أصابت ثوبها نجاسة فهل تزيلها عنه مرة واحدة كما كانت تزيل نجاستك بالليل والنهار مرات ومرات؟ مع فرح وسرور، وبهجة وحبور! 3ـ لو أنها وهي في حال صحتها أخذت بالملعقة قليلاً من الطعام فتناولت بعضه ودفعت اليك الباقي. فهل تأكله كما كانت تفعل هي من غير تأفف ولا تأخير أو تردد؟! 4- لو أن لقمة سقطت من فمها على حجرها، فهل تتناولها فتجعلها في فمك؟! كما كانت تفعل هي وهي سعيدة ومنشرحة. 5- لو ان انساناً أطعمك سكرة أو قطعة حلوى فهل تخبئه لها؟! 6- لو أنها تخاصمت مع زوجتك يوماً وكان الحق عليها فهل تصفح عنها؟ أم تؤنبها وترفع صوتك عليها إرضاء لزوجتك. 7- لو أنها مرضت فاشتد مرضها، فهل تخشى عليها الموت كما تخشاه على ولدك اذا مرض؟ لذلك لنأخذ انفسنا بالعزيمة على ان نكون بارين بأمهاتنا لأن سعادة المرء مربوطة بهذا البر ان أداه خير الأداء كان قنطرة للسعادة وإلا فيا خسارة الأبناء واختم الكلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الصحابي «إلزم رحْلها فثمّ الجنة». فارس المصطفى