بيان الجمعة: فرضت الدعوة الى تطوير الخطاب الديني نفسها على الساحة الاسلامية منذ أحداث 11 سبتمبر الماضي وتوجيه الدول الغربية الاتهامات للاسلام والمسلمين بالارهاب. ورغم أن تطوير الخطاب الديني عملية مستمرة لا ترتبط بوقت محدد أو بحدث معين الا أنها ينبغي أن تكون نابعة من الواقع الاسلامي وليست مفروضة من الخارج، وهذا ما يؤخذ على الدعوة الحالية لتطوير هذا الخطاب. وفي حين يرى البعض أن تطوير الخطاب الديني أصبح ضروريا من أجل تحسين صورة الاسلام في الغرب ويطالب باعادة تأهيل الدعاة وتغيير المناهج الدينية يؤكد آخرون أن الغرب يضغط على الدول الاسلامية من أجل نزع روح المقاومة والجهاد من المسلمين حتى يتمكن من الهيمنة عليهم بسهولة. وفي الحوار التالي مع المفكر الاسلامي الدكتور محمد عبد الغني شامة مستشار وزير الأوقاف المصري نناقش تلك القضية: ـ الدعوة الى تطوير الخطاب الديني التي أصبحت النغمة السائدة في بلادنا بعد أحداث 11 سبتمبر هل هي نابعة من الواقع الاسلامي أم مفروضة من الخارج؟ ـ الخطاب الاسلامي للأسف موجه من الخارج وهو لم ينبع أبدا من الذات الاسلامية أو من الواقع الاسلامي بدليل أنه عندما ظهرت كلمة الأصولية في الغرب بدأ الفكر الاسلامي يقول نحن لسنا أصوليين ولسنا الذين يعنيهم الغرب عندما يتحدث عن الأصوليين رغم أن مفهوم الأصولية عندنا مختلف عن مفهومها لدى الغرب. فالأصولية ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1918 في مجتمع البروتستانت وذلك عندما ظهرت مجموعات تشكك في الانجيل فكان من الطبيعي أن تظهر مجموعات أخرى تقول الانجيل هو الأصل أما الأصولية عندنا فان أي مسلم يتمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية فهو أصولي وبالتالي فلا أدري لماذا نتبرأ من كلمة أصولية رغم أننا جميعا أصوليون رغم أنه لا علاقة للأصولية بالتطرف والارهاب. وهناك دليل أخر على أن الخطاب الاسلامي موجه من الخارج يتمثل في مفهوم الارهاب فنحن ترجمنا الكلمة الانجليزية ٍيُْْْم على أنها الارهاب وهذه ترجمة غير صحيحة فالاسلام بعيد عن الارهاب لكن الغربيين لا يقتنعون بمثل هذا الكلام خاصة العاملين في مجال الدراسات الاسلامية لأنهم عندما يبحثون في القرآن يجدون كلمة ارهاب في قوله تعالى « وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم » وكلمة ارهاب التي وردت في القرآن تعني الردع وهو يعني اننا عندما نمتلك القوة فان هذا يمنع العدو من الاعتداء علينا لأنه يعلم اننا سوف نرد عليه الصاع صاعين، أما كلمة ارهاب بالمفهوم الغربي فمعناها الرعب والارهابي الذي يرعب الآمنين وهذه الكلمة غير موجودة في القرآن كما أن الاسلام نهانا عن ارهاب الآخرين، وفكرة الردع مقبولة دوليا لأنها تحافظ على الاستقرار في العالم. بل منعت وقوع حرب عالمية ثالثة، والدولة الاسلامية مطالبه بأن تأخذ من أسباب القوة ما يخيف ويرهب أعداءها حتى لا يعتدوا عليها. ـ لكن هل الدعوة الى تطوير الخطاب الديني أمر ايجابي ومحمود أم له سلبياته؟ ـ تطوير الخطاب الديني أمر مطلوب في كل وقت لكن يجب ألا يكون التطوير كرد فعل على أحداث مثل 11 سبتمبر وغيرها، ونحن نعلم الداعيه كيف يتعامل ويوجه خطابه الى الناس وكيف يتلون هذا الخطاب باختلاف المخاطبين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، مثقفين أو غير مثقفين مجادلين أو غير مجادلين فنحن كمؤسسات اسلامية وتعليمية تعد الداعية وتؤهله حتى يدرك معطيات العصر ويعرف كل الوسائل التي يمكن أن يوصل بها الكلمة الى من يدعوهم وهذه الوسائل لا تقتصر على خطبة الجمعة أو الدروس والانترنت وغيره، وعلى ذلك فتطوير الخطاب الديني أمر معروف للمسلمين لكن لا يجب أن يأتي الحديث عنه بتوجيهات من الخارج شأنه شأن التوجيهات التي طالبت بعض الدول الاسلامية بتغيير مناهجها الدينية وهذا أمر لا نقبله أبدا حتى لو كانت هناك مجموعات متطرفة تحاول فرض أرائها بقوة السلاح لأن تلك المجموعات لا تمثل الاسلام ووجود مثل هذه المجموعات في المجتمع الاسلامي ليس غريبا لأن المجتمعات الدينية كلها يوجد فيها تنوع في التيارات الفكرية وتنوع في الآراء وشرح النصوص المقدسة واستنباط الأحكام فهناك المتشدد وهناك المتساهل وهناك أيضا المرخص وهذا لا يقتصر على الاسلام وحده وانما حتى في الأديان الأخرى. محاربة الارهاب ـ الغرب يريد من خلال ضغوطه على العالم الاسلامي لتغيير مناهج التربية الدينية وتطوير الخطاب الديني ليس محاربة الارهاب وانما نزع روح المقاومة والجهاد ضد المحتلين من نفوس المسلمين حتى تستمر هيمنته على بلادنا واستنزاف ثرواتنا وخيراتنا هل تتفقون معنا في هذا الرأي؟ ـ الارهاب ليس في المجتمعات الاسلامية فقط فهو موجود في كل مكان وقد خرج الارهاب في العصر الحديث من البلاد الغربية نفسها ففي أوروبا كانت هناك جماعة «بادر مان هوف » في ألمانيا والألوية الحمراء في ايطاليا ومنظمة ايتافي أسبانيا كذلك هناك منظمات مشابهة في أمريكا اللاتينية في كولومبيا ونيكاراجوا وغيرها وكذلك في أفريقيا، اذن الارهاب لا يخص الاسلام وحده فهو موجود في كل الأديان والمجتمعات ولا أتصور وجود شعب دون أن يكون بين أبنائه جماعة متشددة والمطلوب أن نحاول تهذيب هذه الجماعات بحيث لا تلجأ الى فرض الرأي بالقوة حيث يقول تعالى: «لا اكراه في الدين» ويقول أيضا : «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» فاذا كان الاكراه ممنوعا حتى في فرض الاسلام على غير المسلمين فمن باب أولى فإن فرض الرأي ممنوع أيضا وان يترك كل انسان وكل جماعة لتعبر عن رأيها بحرية ولتترك الحرية أيضا للناس لتؤمن بهذا الرأي أولا تؤمن به، وبالتالي فعملية تطوير الخطاب الديني وتغيير المناهج الدينية يجب أن تكون نابعة من الداخل وليست مفروضة أو تأتي بطريقة الاملاء من الخارج فالتطوير والتغيير عمليات مستمرة لكننا نرفض أن يكون هذا أو ذاك وفق رؤية غير اسلامية. ـ الخلط بين الارهاب والمقاومة المشروعة من جانب الولايات المتحدة وأوروبا هل هي مسألة متعمدة أم تتم بجهل ودون قصد؟ ـ لابد أن نفرق بين الارهاب والمقاومة المشروعة أو الكفاح الوطني فالارهاب هو اعتداء على الآخر دون وجه حق أما من يقاوم من أجل الحصول على حقوقه واستعادة أرضه وطرد المحتل الغاضب فهذا ليس ارهابا وانما دفاع شرعي تقره القوانين والمواثيق الدولية والاتفاقات الدولية تنص على حق الانسان في الكفاح من أجل الحصول على حقه، فعلى سبيل المثال حزب الله في لبنان كان ـ ولا يزال ـ يكافح من أجل طرد المحتل الاسرائيلي من أرضه وهذه مقاومة مشروعة وكذلك حماس والجهاد وغيرهما يدافعون لطرد المحتل من الأراضي الفلسطينية أما منظمة مثل القاعدة فهذه تختلف لأنها تحاول فرض رأيها ووجهة نظرها بالقوة ونحن كنا نتمنى أن يندمج هؤلاء في المجتمعات الاسلامية ويعبروا عن آرائهم لكن الدفاع عن الوطن والحياة والحرية أمر مشروع وليس ارهابا، والفلسطينيون يدافعون عن وطنهم وحزب الله يدافع عن وطنه والشيشانيون أيضا يدافعون عن وطنهم، الغرب يزعم أن بعض المسلمين يمارسون الارهاب لازاحة القوات الأجنبية عن الوطن العربي، وهذا لم يحدث لكن الرأي العام العربي يرفض وجود هذه القوات ويطالب برحيلها ويضيف: ونحن لا يهمنا أن يخلط الغرب بين الارهاب والمقاومة المشروعة أو لا يخلط لكن ما يهمنا أن نؤكد للعالم أجمع أن هذا ليس ارهابا وانما دفاع عن النفس في حين أن ما يمارسه شارون هو الارهاب بعينه وهو ارهاب دولة لأنه يستطيع أن يوقف هذا العنف من خلال قبوله الجلوس على مائدة المفاوضات فشارون هو الذي يجبر الفلسطينيين على الدفاع عن النفس والقيام بالعمليات الاستشهادية لأنه يتعامل بالارهاب الدولي وللأسف أمريكا تسانده وهذا ارهاب، والغريب أن اسرائيل تزعم أنها تدافع عن نفسها ولو كانت اسرائيل تريد أن تتجنب هذا كله فانها تستطيع ذلك اذا انسحبت من الأراضي الفلسطينية، واذا فعلت ذلك فان الفلسطينيين لن يقوموا بأية عمليات ضدها، أما أن تحتل الأرض وعندما يدافع الفلسطيني عن أرضه وبيته فتزعم أن هذا ارهاب فهذا أمر غير منطقي لأن الذي يحتل الأرض ويستولي على حقوق الآخرين هو الارهابي، واذا كان الغرب لا يؤمن بهذا فهذا شأنه لكن علينا أن نشرح له وجهة نظرنا. التيارات الفكرية ـ عندما نريد تطوير الخطاب الديني فما الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات الاسلامية التعليمية والدعوية؟ ـ الخطاب الديني لا ينحصر فقط في مجرد اعداد الداعية ـ رغم أن اعداد الداعية أمر أساسي ـ وانما لابد من تطوير المناهج بحيث يدرس الطالب التيارات الفكرية الموجودة في العالم حتى يستطيع التعامل معها ويعرفها معرفة جيدة وكذلك علم النفس حتى يتمكن من التعامل مع الناس خاصة من يتوجه اليهم بخطابه وأن يدرس التاريخ والحضارات وتطورها وقيامها وانهيارها والملل والنحل وما عند اتباعها حتى يخاطبهم الخطاب الملائم وهناك ناحية أخرى وهي أن تطوير الخطاب الديني يهدف الى توضيح الأفكار والقيم الاسلامية للناس حتى لا نتركهم فريسة للجهله الذين يشددون على الناس، نحن نريد اظهار سماحة الاسلام وقيمه كالعدل والمساواة وحرية التعبير، وحتى أستطيع تحقيق ذلك لابد من تدريس الثقافة الاسلامية في كل الجامعات لغرس قيم السماحة والعدل في نفوس الطلاب وتوجيههم الى الطرق المثلى للتعامل مع الآخر ومع الحياة الحديثة حتى يعيش عيشة سعيدة في المجتمع الحديث ويستطيع التعامل ويعتبر الاعلام عنصرا مهما في تطوير الخطاب الديني لأنه يتوجب علينا التعامل من خلاله مع الناس بأسلوب عصري لا ينفر من التعاليم الاسلامية وانما ينفر من التشدد والتطرف وأداء هذا الدور يتطلب أن تتعاون الدول الاسلامية من أجل انشاء قناة فضائية اسلامية باللغات الأساسية في العالم مثل الانجليزية والفرنسية والألمانية والاسبانية والروسية وتبث التعاليم الاساسية للاسلام حتى يفهم المسلم وغير المسلم ما هو الاسلام، أيضا لابد من انشاء صحف ومجلات اسلامية في البلاد المختلفة أو تأجير صفحات في الصحف العالمية المعروفة وتقديم ما نريده عن الاسلام فيها، هذا بجانب الاذاعات بالاضافة الى انشاء قسم لترجمة الكتب الاسلامية الى اللغات المختلفة بحيث يتم اختيار الكتب المهمة الجديرة بالترجمة وكذلك ترجمة ما ينشر عن الاسلام باللغات المختلفة الى اللغة العربية وهذا الجهد يتطلب تعاون الدول الاسلامية والتنسيق فيما بينها وانشاء لجنة أو مجلس خاص في هذا الصدد، وهذه المؤسسات ينبغي أن توجه لغير المسلمين في المقام الأول ثم تخاطب المسلمين لتنمية الروح الدينية فيهم وتثقيفهم بثقافة اسلامية صحيحة. مصادر رئيسية ـ هل هذا كله كفيل بتحسين صورة الاسلام في الغرب وتجاوز الاتهامات المستمرة للمسلمين بالارهاب؟ ـ نعم لأن الذين يرغبون من الغربيين في التعرف على الاسلام يلجأون الى الجامعات الغربية والمراكز الاسلامية وأغلب العاملين في تلك المؤسسات ثقافتهم الاسلامية محدودة وأحيانا تكون آراؤهم متطرفة وغير صحيحة، وبالتالي يشوهون صورة الاسلام لكن عندما تكون هناك مصادر معترف بها للاسلام يتوجه اليها غير المسلم فيأخذ منها ما يريد ويطلع على ما يرغب في الاطلاع عليه فالقناة الفضائية والصحف والاذاعات الاسلامية المقترح انشاؤها ستكون الوسائل الرئيسية التي تعطي الفكر الاسلامي الصحيح لغير المسلمين.