إلى ما قبل انتقال «يا ليل يا عين» من بيروت إلى القاهرة، كان يبدو برنامجاً تلفزيونياً لبنانياً صرفاً في المضمون والمظهر، غير أن الحلقات المصرية للبرنامج، تؤشّر أنه ليس مجرد حلقات تلفزيونية تجمع الغناء والرقص والمعلومة على طراز البرامج المصنفة على خارطة الإذاعات المرئية والمسموعة بـ «المنوعات»، وإنما يذهب أبعد من ذلك على طريق بلورة حالة ثقافية متكاملة لدى شريحة من الشباب بامتداد الوطن العربي. من المؤكد أن إنتاج حلقات تونسية، سورية، عراقية ويمنية ستثبت فضائياً هذه الحقيقة. قوام البرنامج حشدٌ من «الشباب والصبايا» في جيل مقتبل العمر، المظهر العام يغلب عليه هندام منتقى بعناية فائقة من قبل الجانبين. يجنح الشباب إلى الانفلات خارج أطر الزي الرسمي ـ البدلة الكاملة ـ والاستعاضة بقمصان وبنطالات فضفاضة وأحذية ذات طابع رياضي غالباً. والسمة التي تطغى على المظهر في مجمله هي البساطة وإن كانت بساطة بعضهم غير مُحببة. أما الصبايا فيتنافسن على فضح رشاقتهن فتتقاطع خطوط الموضة عند زوايا حادة من الأجساد البضة فتبدو مفاتن مثيرة، لكن المظهر في مجمله رغم التعري لا يسقط في الابتذال كأنما المنافسة تجرى بلباقة للتوقف عند حافة الاحتشام. الأزياء تمثل خطوطاً بالغة الحيوية في القماشة الثقافية لأي شعب. من هنا نستوعب عدم وجود انفصام بين الحشد داخل الاستوديو وشوارع بيروت. فمظهر الحضور على الخشبة المتدرجة ينسجم مع أي تجمع شبابي وغير شبابي في أية مدينة لبنانية، ويمكن أن يكون مجتزءاً منه. لكن المرء لا يملك الثقة التي يمكن أن يُجزم بها إزاء الانسجام نفسه بين الحشد داخل الاستوديو في القاهرة والمظهر العام في شوارعها. الانفصام بين حلقات القاهرة وشوارعها ربما يبلغ حد قسمات الوجوه، فلولا اللسان الناطق باللهجة المصرية المتميزة لاعتقد المرء أن الحلقات في بيروت ولم تنتقل إلى القاهرة. قد يعتقد البعض أن «الشباب والصبايا» المصريين التزموا نمط البرنامج وتقمصوا مظهره، وربما يظن فريق أن الشباب القاهري حاول مواكبة التقليعة البيروتية أو أن المصريين سعوا إلى منافسة أقرانهم اللبنانيين حين تزيوا على النحو المألوف في «يا ليل يا عين». لا خلاف على التباين بين الحشد داخل الاستوديو في القاهرة والشارع في الخارج، لكن الشباب المصري لم يكن مُجبراً على الالتزام بقواعد الظهور في البرنامج أو يعمد إلى مجاراة تقليعة لبنانية، ولا أحد يستبعد عنصر المنافسة بين المصريين واللبنانيين. إذا كانت هناك قواعد للظهور في «يا ليل يا عين»، فإنها لا تُملى على المشاركين، وإنما يُعبرون هم عنها في تلقائية مفرطة. الشباب الذين شاركوا في حلقات القاهرة، بما في ذلك الصبايا اللواتي مارسن بمهارة الوقوف عند حافة الاحتشام، هم مصريون أقحاح ذهبوا إلى الاستوديو وفق ترتيبات مسبقة لكنها لم تشمل قطعاً شروطاً للظهور في أزياء محددة. الانفصام الذي يبدو للوهلة الأولى بين الخشبة داخل الاستوديو بالقاهرة وشوارعها ناجم واقع الأمر عن الكثافة السكانية التي تمور بها العاصمة المصرية. فالمشاركون في البرنامج ينتمون إلى شريحة مصرية تحتل مواقع حيوية ونافذة فيها لكنها لا تنداح على رقعة واسعة فيها. هذه الشريحة نفسها تنتج ثقافة «يا ليل يا عين» على الطريقة المصرية وليست متأثرة بالنمط اللبناني. الأسئلة التي تُطرح على المشاركين في البرنامج تعكس الخطوط الفكرية لدى الشريحة فمعظمها يدور حول مطربين أجانب وأغنيات بلغة إنجليزية أو فرنسية. المقارنة بين الحلقات اللبنانية والمصرية تكشف انفتاح البيروتيين على الغرب أكثر من القاهريين ولا تضيف في هذا جديداً، لكن الجديد الذي كشفه البرنامج اللبناني هو تقديم هذه الشريحة المصرية على الشاشة البلورية. فظهور التجمع الشبابي المصري على بساطته طرح أسئلة عن غياب برنامج من هذا الطراز على خارطة القنوات التلفزيونية المصرية الأرضية والفضائية، وقد تطال بعض الأسئلة إمكانات الإبداع والابتكار في الإعلام المصري. البحث عن إجابة شافية لمثل هذه الأسئلة يدفعنا إلى الغوص عميقاً في التركيبة البولوسيوجية للإعلام المصري الذي ربما يتعمد بتوجيه رسمي إلى عدم تسليط الضوء على هذه الشريحة الشبابية لاعتبارات متباينة أبرز غاياتها الحفاظ على السلم الاجتماعي. في بيروت كذلك، شريحة خارج بؤرة الضوء الإعلامية لاعتبارات مماثلة. كما تتباين درجات الانفتاح الاجتماعي غرباً بين لبنان ومصر تختلف سماكة الشفافية بين بيروت والقاهرة استناداً إلى حقائق عدة. هذه الشريحة من «الشباب والصبايا» ليست حكراً على بيروت والقاهرة، ففي معظم العواصم العربية ـ إن لم يكن كلها ـ توجد شريحة شبابية تبدو خارج نص الواقع الحياتي لشعبها، فلها نمط سلوكها النهاري والليلي وقاموسها المتداول وأعشاشها ومرافئها الخاصة به. الأسماء المزورة التي تتسلل إلى الحلقات استناداً إلى مواقع آنية مكتسبة تفضح نفسها بعجزها عن الإلمام بقواعد إيقاع الرقص والأغنيات داخل البلاتوه. وجود هذه الشريحة لا يُشكّل ظاهرة اجتماعية مقلقة في أية عاصمة، بل هي نتاج طبيعي لغليان طبيعي يُعبر عن نفسه في مثل هذه المظاهر، ربما يُشخصها البعض باعتبارها حالة مَرضية ولكن هذا التشخيص لا يستقيم مع الصواب في جميع الحالات. في ثقافة «يا ليل يا عين» إقبالٌ محببٌ على الحياة ونهمٌ للطرب وجرأةٌ في التعبير بلغة الجسد. بعض المشاركين يخرجون عن النص ـ ربما نكون أكثر دقة إذا قلنا بعض المشاركات ـ لكن هذا لا ينفي أن هذا الضرب من الثقافة الاستهلاكية رائج على الساحة العربية. البرنامج اللبناني لا يفرض «تقليعة» وإنما يقشر شريحة تحت الكاميرات. في كل جيل شريحة تعيش ثقافة «يا ليل يا عين». السؤال المُلح، هل هي ثقافة قابلة للانتشار؟