كما مثل غرق الغواصة الروسية «كورسك» في اغسطس عام 2000 واحدا من ابرز الألغاز البحرية التي عرفها التاريخ، جاءت عملية انتشال حطام تلك الغواصة ـ اللغز لتمثل هي الأخرى واحدة من أنجح عمليات الانتشال البحري التي عرفتها الانسانية. فكيف تمت تلك العملية؟ وما الاساليب التي تم اتباعها بعد ان فقد جميع المعنيين بالأمر الامل نهائياً في انتشال اجزاء الغواصة التي غرقت في اعماق بحر البارنتز نتيجة انفجارات لم يعرف سببها حتى الان التي بدورها اودت بحياة طاقم الغواصة المؤلف من 118 بحارا، دفعت بهم الانفجارات الى مسافة تزيد على 350 قدماً تحت سطح البحر؟ كان الأمر بمثابة الكارثة المدوية عندما تواترت الأخبار لتشير الى ان احدى اكثر الغواصات الروسية تطوراً قد غرقت في أعماق البحر وليس ذلك فحسب ولكن مات ايضا كل افراد طاقمها اثر انفجارات داخلية لم يعرف سببها، وزاد الطين بلة تلك الأحوال المناخية شديدة السوء المتمثلة في الرياح القطبية التي أعاقت أي جهود انقاذ قد تساهم في تقليل اتساع نطاق الكارثة او حتى امكانية انتشال جثث الضحايا. وعلى الرغم من الظروف المناخية السيئة، توالت جهود الانقاذ، ولكنها كلها ذهبت ادراج الرياح وباءت بفشل ذريع. وكان الشغل الشاغل للمحققين والباحثين هو سبب غرق الغواصة لمثل هذا العمق الكبير. ولم يتم التوصل الا الى ثلاثة احتمالات يمكن ان يكون احدها هو السبب في الكارثة اما ان تكون الغواصة قد ارتطمت بأحد الألغام والذي بدوره ادى الى انفجارها بالكامل او ان هناك خطأ جسيما في مخازن الطوربيدات. او ان الغواصة اصطدمت بجسم اخر ادى الى سلسلة الانفجارات الرهيبة. وفي الأشهر التي تلت الانفجار والفشل في انتشال حطام الغواصة، واجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موجة من أشد الانتقادات التي يمكن ان توجه لرئيس دولة في العالم، واتهمه الشارع والصحافة الروسيان ووسائل الاعلام العالمية بالتردد وعدم المقدرة على مباشرة مهام منصبه وطالبوه بتقديم استقالته، الامر الذي دفع به الى تقديم تعهد علني امام العالم بشكل عام والشعب الروسي بشكل خاص بأنه سوف يقوم باتخاذ الاجراءات اللازمة لانتشال حطام الغواصة وارجاع جثث الضحايا الى الوطن. وبدأت الجهود مرة اخرى بتعاقد الحكومة الروسية مع شركتين هولنديتين للقيام بعملية الانتشال، وهما شركتا ماموت وسميت انترناشيونال. ثم طلبت الحكومة الروسية الخبرة الانجليزية. والتي تمثلت في الغواص المحنك مارك جيردلستون الذي عمل بسلاح البحرية الانجليزي لأعوام طويلة، قبل ان يتجه الى العمل الخاص كغواص تجاري. مشروع الانقاذ ويقول جيردلستون: «واجه مشروع الانقاذ في بدايته مشكلة كبيرة، تمثلت في أن الشركتين اللتين تم التعاقد معهما لم يكن لديهما نوع الغواصين المطلوب لانجاز مثل تلك المهمة غير العادية. فعملية الانتشال كانت تتطلب نوعاً من الغواصين الذين باستطاعتهم قضاء وقت طويل تحت الماء من دون الخروج منه، اي انهم عليهم النوم وتناول الطعام والقيام بكل الأمور الحياتية تحت الماء. ولذلك تم التعاقد مع مؤسسة «دي. إس. ان. دي» لتوفير هذا النوع من الغواصين». وبدأ العمل بعد ذلك بمشاركة سفن من البحرية الروسية التي كان وجودها يستهدف ضمان الا تتعرف سفن الانقاذ والخبراء الأجانب على اي سر من الاسرار المتعلقة بالتقنية الحربية التي كانت تحملها الغواصة. وعندما بدأ الغواصون عملهم في صيف العام الماضي، كانوا يعلمون ان عليهم ان ينتهوا من مهمتهم مع حلول فصل الخريف حتى لا يتعرضوا لأهوال الشتاء القطبي. ولم يكن الشتاء هو الخطر الداهم الوحيد، فقد كانت هناك العديد من الأخطار التي تحدق بعمل هؤلاء الغواصين. فقد كان هناك 22 صاروخ كروز على متن الغواصة، الى جانب عدد من الطوربيدات التي لم تنفجر، الأمر الذي كان يحتم ان يتم التعامل مع الغواصة بأقصى درجات الحرص والحذر لدى انتشالها من أعماق البحر حتى لا يؤدي اي خطأ في عملية الانتشال او احتكاك للغواصة بأي جسم الى انفجار هذه الطوربيدات ولم يكن هذا بالأمر الهين لا سيما وأن الغواصة كانت تعتبر اهم غواصات الاسطول الشمالي لروسيا وكانت واحدة من اكبر الغواصات في العالم. وتم استخدام المركب العملاقة «جاينت 4» في عملية انتشال الغواصة وادخال بعض التعديلات على هذا المركب العملاق كي يمكنا التعامل مع الحجم الضخم للغواصة وفي الوقت نفسه بدأ الغواصون بإزالة مقدمة الغواصة التي كانت توجد بها الطوربيدات والتي كان قد تم تدميرها بالكامل، اثر الانفجارات التي حدثت بجسم الغواصة وعملوا على رفعها اولا الى سطح البحر. ثم قام الغواصون باحداث 26 ثقبا في الجسم الرئيسي للغواصة حتى يتم من خلالها وضع السلاسل المعدنية التي سيتم انتشال الغواصة بواسطتها وبدأت عمليات الانتشال باستخدام اكثر الاساليب التقنية تطورا ودقة وبدأ الغواصون سباقهم ضد الزمن. وعلى الرغم من استخدامهم لاحدث تقنيات الرفع، الا انه حدثت بعض المشكلات التي ادت الى تأخير عملية الانتشال حيث كللت مجهودات الغواصين بالنجاح، ووصل حطام الغواصة الى ميناء مورمانسك الروسي في نهاية شهر اكتوبر الماضي، ووصل معها رفات الضحايا. وبعد وصول الحطام الى الميناء الروسي بدأت التحقيقات في سبب الانفجار ولكن كانت هناك مشكلة ليست بأقل خطورة وصعوبة من مهمة الانقاذ: اخراج الصواريخ من جسم الغواصة. رؤوس نووية ودأب المسئولون الروس على انكار ان الغواصة كانت تحمل اي رؤوس نووية، الامر الذي شكك فيه العديد من المحللين الروس الذين قال بعضهم ان الغواصة كانت متجهة الى البحر المتوسط وكان من الطبيعي بل من المؤكد انها كانت تحمل اسلحة نووية. ولم ينته الجدل حول الغواصة حتى بعد نجاح عملية الانتشال، حيث قام بوتين بطرد العديد من المسئولين العسكريين الروس من الخدمة بسبب غرق السفينة. وفي محاولة لاسترداد الثقة المفقودة بعد غرق السفينة، قام بوتين بعد ذلك بالاحتفال بانتهاء العمل في الغواصة النووية الجديدة «جيبارد» وذلك في المكان نفسه الذي انطلقت منه الغواصة «كورسك» الى رحلتها المشئومة. غير ان الشكوك لا تزال تحيط القدرة النووية لروسيا، حيث يقول احد المسئولين الروس الكبار «ان روسيا تحاول ان تبقى على قوتها النووية بميزانية لا تتعدى ميزانيات الدول النامية، فروسيا لا تتمتع بوسائل الامن والسلامة اللازمة للتعامل مع مثل تلك الكوارث. ولعل فشل المحققين الروس في التعرف على السبب الحقيقي وراء انفجار الغواصة يعكس مدى الضعف الذي اصاب النظام العسكري الروسي، وأنه على الرغم من الاصلاحات التي يحاول بوتين القيام بها لاستعادة المجد الروسي فإنه لا يزال هناك وقت طويل وطويل للغاية قبل ان يمكن النظر الى روسيا جديا على انها بالفعل قوة نووية حقيقية