تضارب في الحالة المزاجية والاسلوب الفني، حلم الاخوة الفنية تفسده الغيرة والرغبة بالهيمنة ذلك هو المعنى الضمني الكامن في معرض كبير افتتح في امستردام مؤخرا، يتتبع خيوط الصلة التي جمعت فنسنت فان كوخ ببول جوجان، وهما اثنان من اعظم رسامي القرن التاسع عشر. والاسابيع التسعة التي امضاها الرجلان سويا في جنوبي فرنسا عام 1888 توجت بأحد اكثر الاحداث دراماتيكية في تاريخ الفن المعاصر حيث ان فان كوخ فقد قطعة من أذنه في شجار مع جوجان. ولطالما كانت حياتهما موضوعا لكتب وافلام عديدة لكن المعرض الاخير هو اول مرة تقدم فيها القصة في الشكل الاكثر وضوحا اي عبر لوحاتهما. ويضم معرض امستردام 106 اعمال، بعضها من اشهر الروائع الفنية التي خلفها الرسامان، ساهم متحف فان كوخ بـ 25 لوحة، فيما ارسلت بقية الاعمال من متاحف ومجموعات خاصة في الولايات المتحدة واليابان وروسيا وبلدان اخرى في القارة الاوروبية. ومع ان المعرض قدم لاول مرة في معهد شيكاغو للفنون في اواخر العام الماضي (حيث القت احداث 11 سبتمبر بظلالها عليه) الا ان اطلالة امستردام فريدة بمقاييس عديدة، وبالاخص انها تتضمن ثلاث نسخ من لوحة فان كوخ الشهيرة «عباد الشمس» تعرض لاول مرة جنبا إلى جنب، اقدم اللوحات الثلاث المعروضة رسمت في اغسطس عام 1988 كجزء من تحضيرات فان كوخ لوصول جوجان الى يلوهاوس بمدينة آرل الفرنسية، حيث كان الرسام الهولندي يأمل بإقامة مجتمع صغير للفنانين. ولوحة «عباد الشمس» الثانية التي استعيرت من متحف ياسودا كاساي الفني في طوكيو، رسمت بعد ذلك التاريخ ببضعة اشهر على قطعة من لفافة من نسيج «الخيش» جلبها جوجان الى آرل. الوانها خفيفة على نحو يثير الفضول لدرجة انه تم التشكيك بأصالتها، لكن الابحاث المكثفة التي اجريت خلال التحضير لهذاالمعرض تشير الى ان اللوحة فعلا من اعمال فان كوخ. بعد رحيله الدراماتيكي من آرل في ديسمبر 1888 عقب الشجار الذي قطع فيه جزءاً من اذن كوخ، سأل جوجان، ما اذا كان بامكانه الحصول على لوحة «عباد الشمس» الاصلية، رفض فان كوخ ذلك لكنه رسم له نسخة طبق الاصل عنها اللوحة الثالثة في المعرض، تبدو فيها الازهار اقل طبيعية وواقعية. ويبدو واضحا ان كوخ كان يحاول تكييف اسلوبه ليروق لجوجان لكنهما بقيا فنانين مختلفين جدا كما يظهر المعرض. كان الرجلان في البلدة نفسها وامام موضوعات ومشاهد الرسم نفسها وبين ايديهما مواد الرسم ذاتها، وعلى الرغم من آثار التشابه الضئيلة، فان اسلوب كل منهما كان جليا على نحو لايقبل الخطأ في اعماله. وتتجلى في الاعمال المعروضة بشكل واضح محاولات كل من الفنانين للتعلم من الآخر، وهو احد الاسباب التي جعلت فان كوخ ينادي باقامة مجتمع للرسامين لكن المعلومة الضمنية الابرز في هذا المعرض هي رفض كل منهما الاسلوب الفني للآخر. فان كوخ يعمل مدفوعا بعواطفه مستخدما الطلاء ليس فقط للتلوين بل لبناء النسيج، وفي المقابل فان جوجان كان اكثر رصانة ونزوعا الى التحليل، حيث كان يمزج الالوان ويؤول مايرى، مستخدما مشاهد كالحنطة لأعماله المنجزة في المحترف. كان فان كوخ اسير رغبة قوية بالتعلم من فنان كبير ناجح، وفي آرل حاول ان يكون اقل حرفية وواقعية في رسوماته واكثر اقتصادا في التلوين مضيفا بذلك مسحة من الضبابية على الخطوط الخارجية في لوحاته الزيتية الساكنة. لكن في نهاية المطاف لم يستطع ترويض النداء الداخلي الملح للتعبير عن مكنونات نفسه، ويقول اندرياس بلوم مدير المعارض في متحف فان كوخ: عندما ترى لوحات الفنانين معروضة جنبا الى جنب تدرك بأن اعمال فان كوخ هي الاقوى. في النهاية هناك نوع من رفض اسلوب الآخر. ان ادراكهما ان كلا منهما كان يرجو غايات مختلفة من الفن وكان يرى دوره كفنان على نحو مختلف كان حصيلة الفترة الزمنية التي امضياها معا. واصبح موقف فان كوخ حيال اعماله يتسم بقدر اكبر من الثقة. التقى فان كوخ وجوجان لاول مرة في معرض فني بباريس عام 1887 وسرعان ما شرعا في تبادل اللوحات ـ لوحتان لعباد الشمس من اعمال كوخ مقابل رسم لمشهد في بلدة مارتينيك من اعمال جوجان، لكن التناسب انقلب الآن ، فمن وجهة نظر مالية، لوحة لفان كوخ تساوي لوحتين لجوجان، بعد لقائهما الاول بدأ فان كوخ يعجب اعجابا مفرطا بجوجان، متصورا انه عثر على شقيق روحي يمكن ان يكون معلما وناصحا مخلصا وصديقا حميما. وحتى بعد انهيار تعاونهما في آرل، مخلفا تشوها عاطفيا وجسديا في فان كوخ، فان الرسام الهولندي كان يحلم باجتماع شملهما من جديد، لكن الرجلين لم يلتقيا ابدا بعد ذلك رغم استمرار الاتصال بينهما. وجوجان ايضا كان مفتونا بفان كوخ رغم انكاره لذلك ففي السنوات التي أعقبت ايام آرل، رسم عدة لوحات لعباد الشمس تبين انها ترمز لاعجابه المتأخر بموهبة فان كوخ. ويعتقد بلوم ان تلك الاسابيع المثيرة في آرل منحت كل فنان منهما القوة لاتباع قناعاته الفنية الخاصة بطرق لم تكن لتدخل الى حيز الامكان لولا العلاقة الحميمة التي جمعتها يوما وفرقتهما في نهاية المطاف. لقد كانت علاقة تخريجية من نواح عديدة لكنها تركت اثرا لا ينمحي على اثنين من اعظم فناني العصر الحديث. ترجمة: علي محمد عن «تايم»