ميادة: رخيمة الصوت، من زمن منفلت من الضجيج والضوضاء والصخب انسلت الينا وجاءت كصوت ينساب كالنهر .. صوت ممتد الى مساحات هادئة وناعمة وشجية في النفس .. هو كالمطر المتقطع وفي هذا الحس الغنائي شبه كبير بين الناي والكمان ولصوتها الجميل مكان في القلب والوجدان .. مكان مستباح ومستتر يتسلل خلسة ليؤنس وحدتك! ميادة الحناوي آخر اكتشاف عبقري في حياة بليغ وآخر حب حقيقي ايضا ومنها صنع لنا مع آخرين طوال ما يقرب من ربع قرن من الزمان تيمه غنائية شجيه .. انيقة ورشيقة وفيها ايضا الكثير من التطور ولهذا ازاحت ولو الى حين صوت «وردة» المتموضع على القمة عقودا بأكملها! وقد ظهرت ميادة في الوقت الذي بدأ يختفي فيه العمالقة والرواد او يتوقفون عن العطاء ولذلك منحها هذا الظرف الزمني ألقا وشهرة وحلقت طويلا كنجمة في فضائنا الفني الغنائي كاضافة جديدة ونوع من الثراء ... وبعينيها الجميلتين ووجهها المشرق اطلت على دبي مع المطر والمهرجان وغنت في ليالي الخور ومعها التقينا ودار هذا الحوار: ـ بداية ورغم حضورك الفني المتواصل في الساحة الا ان غياب المرحوم الموسيقار بليغ حمدي اثر كثيرا على نجوميتك فهل مازلت اسيرة لسيرته والحانه؟ ـ تصمت مياده وتهز رأسها اسفا قائلة نعم .. نعم بليغ حمدي مازال اهم مرحلة في حياتي ولا استطيع ان استرسل في الحديث عنه وهو كما تعلم ذو شجون كثيرة انسانية وعاطفية وعائلية وفنية ولهذا قد يكون والى حد كبير مثل هذا الاسر الذي نتحدث عنه يحاوطني او يلفني ودون ان ادري رغم انني وفي حياته غنيت لكثيرين غيره وحتى من بعده وكلها اسماء كبيرة ومشهورة ومهمة الا ان الطابع والبصمة الفنية لبليغ كانت بالنسبة لي علامة الجودة وهي علامة مميزة! ـ بليغ كان رائدا في التطوير الموسيقي ووجد في صوتك الغنائي فرصة لاضافة المزيد من النجاح فلماذا لم تستمري في اتجاه التجديد والحداثة؟ ـ لكل فنان مفهومة الخاص في هذا التجديد وهذه الحداثة وكما تقول كان بليغ رائدا ويعرف ماذا يفعل تماما ورغم كل حداثته وتطوره فانه افضل من حافظ على روح النغمة والتيمة والايقاع واروع من قدم الشرقي الاصيل في ثوب جديد ومعاصر لعلمه الواسع بفن الموسيقى الصعب ولقد استمر هذا التوجه عندي وكل الاسماء التي اتعامل معها في نفس الدائرة كما اظن منهم عمار الشريعي صلاح الشرنوبي، والكثيرون ولكن الزمن بدأ منذ فترة يتحول الى نوع آخر من الغناء! ـ وماذا تسمين هذا النوع الآخر؟ ـ أنت تعرف جيدا. ـ وهل هو زمن الايقاع الراقص السريع والمبتذل ذو السمات السطحية الهشة في الكلمات والمعاني؟ ـ تضحك مياده عاليا ... نعم .. نعم ألم اقل لك انت تعرف جيدا انه بالفعل هذا اللون السائد منذ فترة! ـ وماهي ملاحظاتك بالتحديد على هذه «الموضة» في الغناء، اليس الرقص نشاطا فنيا مصاحبا للغناء على مر العصور؟ ـ لا ... تغضب مياده .. الغناء الراقي والمحترم غير الرقص والتنطيط ويجب ان احترم جمهوري وان اكون ملتزمة في الشكل والاداء لان الفن رسالة مقدسة والمسرح له قدسيته وهو عند الرومان كمحراب وكل حركة لابد ان تكون مدروسة وهادفة وتوظف جيدا لصالح العمل الغنائي وليس بالرقص والتنطيط هذا شيء لايروق لي ابدا! ـ ألا تتابعين هؤلاء؟ الا تستمعين لاغنياتهم ؟ وهل هم جميعا هكذا؟ ـ انا اتابع الجميع والمتابعة فرض او واجب لاعرف اين اقف وماذا يجب ان اقدم لكنني عندما اريد ان استمتع بالغناء لا استمع قط سوى لام كلثوم! ـ رغم نجاحك وتألق نجوميتك لفترة طويلة الا ان ذلك لا ينعكس الآن على مبيعات سوق الكاسيت بالنسبة لالبوماتك الغنائية .. كما ان جمهورك في حفلة ليالي دبي كان قليلا ولايتناسب مع اسمك وشهرتك وهذا يحدث مع كثيرين فما اسباب هذه الظاهرة؟ ـ الجمهور سواء في الحفلات الغنائية بليالي دبي او في اي مكان آخر ليس المقياس او الدليل الوحيد على نجاح او نجومية الفنان وانت تعرف ايضا وجيدا ان لكل حفلة ظروفها فمثلا نحن في وسط الاسبوع لا اجازات ولا مناسبات يعطل فيها الناس مثل الاعياد وخلافه ولاحتى يوم اربعاء او خميس او جمعة وهي اكثر الايام التي تشهد اقبالا على حفلات الغناء وايضا لكل منطقة معينة من الوطن العربي النجوم الذين يحبونهم . يعني هناك الكثير من التحليلات لهذه الظاهرة وكلها مقبولة وحتى سوق الكاسيت في عز وجود ام كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ظهرت اصوات غيرموهوبة وحصدت الملايين بكلام فارغ ولهذا فان الجمهور والتوزيع في السوق لا يمكن اعتبارهما من مقاييس النجاح الفني الراقي والحقيقي. ـ ميادة الحناوي من سوريا المشهورة بالمواويل والقدود الحلبية والموشحات لماذا لم تقدمي اللون السوري المحلي واستغرقت تماما في اللون المصري. ـ مصر بلدي واهلي وحبايبي وانا منهم وهم مني مثل سوريا تماما لا فرق اطلاقا لكنني ومنذ البداية اخترت لنفسي هذا اللون وعرفت به واشتهرت بهذه الاغنيات ويوجد في سوريا كثيرون يتغنون بالقدود والموشحات ولكل لونه الخاص المعروف به وهذا ليس بالمعيب في شيء! ـ اخيرا تواجدك في سوريا في الفترة الاخيرة هل بسبب مشاريع فنية جديدة، وما مستوى التعامل والطموح هناك؟ ـ سوريا بلد جميل وبلد كل العرب لكن في الانتاج الفني سواء على مستوى الاستديوهات والتسجيلات الحديثة خصوصا في القطاع الخاص الذي نتعامل معه لا يوجد هذا الانتاج الجيد المنافس والموجود في القاهرة مثلا او حتى الامارات الآن خصوصا دبي التي بدأت تشهد ازدهارا كبيرا في الانتاج الفني وهي لذلك اصبحت ملتقى كل الفنانين العرب وهذا شيء جميل جدا لكنني للاسف فعلا مقله الى حد ما في الانتاج في الفترة الاخيرة واعدكم بالعمل من جديد للعطاء اكثر .. واكثر .. .