الله سبحانه وتعالى يعلم مصائر العباد ويحيط بأحوالهم ويدبر أمورهم فلا يقع في الكون شيء إلا بإذنه ولا يصيب الناس نفع ولا ضرر إلا بإرادته وقدرته، وذلك معنى ايمانه بالقضاء والقدر فهو لا يرى الكون بحرا تضطرب فيه الامواج ولا مصطرعا لا يحكمه قانون بل ان له ضوابط القدرة الالهية ما يجعل كل شيء فيه حساب وما ينظم فيه الاحوال فلا فوضى ولا اضطراب «انا كل شيء خلقناه بقدر» وقوله تعالى: «ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير». والقدر أحاط بمواهب العباد ومصائرهم على نحو دقيق فالصحة والمرض والثراء والفقر والنعم والمصائب والأفراح والأحزان ونهاية الاجل ومكان الموت وكل ما يتصل بحياة الناس مما لا يملكون فيه تصرفا ولا يستطيعون له تحويلا ولا تبديدا مما اختص به القدر وأحاط به علما. فلا يمكن لأحد ان يخرج عما قدر الله له في ذلك ولا أن يبدله لما يريد بل ان الارادة الالهية وحدها هي التي تعمل عملها في الكون وفق علم الله وحكمته وتقديره لخير العباد والايمان بالقدر في هذا الجانب هو الذي يحمي المسلم من القلق ويعصمه من الجزع والحسرة اذا تبدلت به الاحوال بين النعمة والبؤس فالمسلم يتقبل احداث الحياة بنفس راضية تعلم ان هناك قدرة عليا لها المعلم والامر وتختار له وتبغي له حسن العاقبة في الدنيا والآخرة «قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون» وهذا اليقين بالقدر يجلب الطمأنينة الى النفس فلا تتقلب مشاعرها ولا تلعب بها حوادث الحياة كما يقول سبحانه: «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور». والمسلم يؤمن بأن علاقة القدر بأفعال العباد واتجاهاتهم بين الخير والشر والطاعة والمعصية يختلف عن علاقته بمواهبهم ومصائرهم فإن موقف الانسان من الطاعة والمعصية ليس كموقفه من الاجل والرزق فالانسان السوي يشعر ان له ارادة وقدرة في الاتجاه الى طريق الطاعة او طريق المعصية ولا يجد نفسه مرغما على سلوك أي منهما ولكن الموت قدر محض لا ارادة للانسان فيه ولا قدرة له على دفعه وكذلك الرزق في ضيقه او سعته. اما المعصية التي يحاسب عليها الانسان فإنها لا تقع منه الا وهو مستيقظ الارادة بعد عزم وعمد فلا يحق له بعد ذلك ان يجادل بالباطل ويزعم ان ذلك قضاء وقدر لا اختيار له فيه ولا ارادة. وغاية الامر ان علم الله القديم قد احاط بأعمال العباد ما كان منها وما سيكون ولكن هذا العلم لا مدخل له في اتجاه البشر الذي يصدر عن اختيار وحرص وذلك هو موقف القضاء والقدر من اعمال العباد واتجاههم بين الخير والشر فالله سبحانه وتعالى منح الانسان ارادة مقدرة وترك له الاختيار بين الهدى والضلال وتلك مسئولية الانسان: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» وبين له اسباب النجاة وأسباب الهلاك: «وهديناه النجدين» وذلك يؤكد ان الارادة الانسانية حرة ولها ان تتجه كما تشاء ما دام للحساب يوم وما دام كل انسان سيلقى ثمرة سعيه في الحياة. ومدار الأمر على الاختيار والايمان هو اساس التوفيق او الخذلان. وعمل الارادة الالهية في موقف الناس من الحياة وسعيهم فيها انها تيسر كل انسان الى ما يبتغيه فمن سار في الطريق المستقيم انتهى الى غايته في الدنيا والآخرة «فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى» ومن اختار طريق السوء وصل مبتغاه «وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى». فالهداية والضلال مرتبطان أسبابهما من الاتجاه الى الحق او الى الباطل وليست هناك طائفة من الناس يقدر الله لها الهداية دون اختيار منها وطائفة اخرى يكتب لها الضلال دون ان تسعى اليه كما يظن الجاهلون وانما يهدي الله سبحانه الى الحق من طلبه ويضل عنه من اغمض عينه وأصم أذنه كما يقول سبحانه: «وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ان يوصل ويفسدون في الارض» فعنصر الاختيار الانساني بارز في كل مصير وعلى أساسه تقوم عدالة الجزاء وأمانة الحياة وذلك هو معنى قوله تعالى: «كذلك يضل الله من يشاء ويهدي ما يشاء». ولقد كان التعلل بالأقدار والجدل حولها طابع الكافرين الذين كانوا يحتجون بالواقع ويزعمون ان الله سبحانه رضي منهم بالشرك ولو شاء لحملهم على التوحيد: «وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء». وهذا جدل عقيم ومغالطة مفضوحة يهدر فيها الانسان ارادته ويتجاهل عقله ويصم أذنه عند نداء الهداية وليس وراء ذلك الا الضياع والشقاء. اما المسلم الحق فهو يؤمن بالقدر حق الايمان بلا جبر ولا جحود ويفضل بين ما أراده الله له فيفوضه اليه وبين ما أراده منه فيحسن العمل فيه عندئذ تمتليء نفسه طمأنينة ويكتسب قوة في مواجهة الحياة. احمد عبدالتواب أحمد