ارتسمت خلال العقدين الأخيرين العديد من المناظر المشوهة على بوابات العاصمة السودانية الخرطوم الاربع من الشمال والشرق والجنوب والغرب وبدا ان الداخل لعاصمة السودان كأنه داخل الى تجمع كبير للفقراء، مساكن عشوائية، مبان غير مرئية يكون اجملها مشيد من الطين وافقرها من بقايا جوالات الخيش والبلاستيك، كانت هذه الاحياء في السابق قاصرة على اجناس وقبائل معدودة ولكن الان اتسع الانتماء اليها من مختلف القبائل بما فيها تلك التي تنحدر من الشمال والمعروفة باعتزازها بنسبها. تلاشت خرطوم الانجليز تماما وحلت مكانها خرطوم اخرى غير محددة المعالم ولا الهوية فلم تعد تجد في شارع الجمهورية تلك الرائحة اللطيفة المنبعثة من المحال التجارية الراقية لانك قطعا في سيرك بهذا الشارع والذي كان له شأن في السابق وستصطدم عشرات المرات بالباعة المتجولين والشحاذين واصحاب العاهات، العم منير جورج صاحب محل منذ زمن بعيد بالرغم من انه لم يعد يمارس التجارة وهذا يعلنه الشكل الداخلي لمتجره المتخصص حسب اللافتة يفتح متجره عند الثامنة صباحا ويغلقه عند الثانية ظهرا ليعود اليه مره اخرى في السادسة وحتى العاشرة مساء «برنامج ايام العز» حسب تعبيره تحدث لـ «البيان» بعد ان مد بصره تجاه فراندات شارع الجمهورية قائلا: «يا ابني مايحدث في الخرطوم الان كارثة انسانية، تشويه لكل المعاني الجميلة» انظر لهؤلاء الباعة انظر الى الذين يسلكون هذا الشارع دعك من كل هذا وتابع لغة اطفالك او اخوانك الصغار في المنزل تجد ان الذي يحدث كارثة الريف، الريف «كررها مرتين» انتقل لنا بكل سلبياته تريفت المعالم وحتى اللغة، العادات، التقاليد كل شيء كل شيء تريف نحن لسنا ضد ان ينتقل الناس وينتقلون داخل العاصمة ولكن ان يكون الامر بهذه الكثافة وهذا الضغط الكبير هذا هو الذي يسبب لنا الانزعاج، خلف هذا المعمل بشارع او اثنين ستجد مشاهد لم تكن تظن انك ستراها يوما وعبارات تكتب على حوائط في مواجهة ارقى محلات الذهب بل ومحلات الاطعمة، توصى الناس بأن يقضوا حاجياتهم الطبيعية في الاماكن المخصصة لذلك ولكن ستجد العبارة مكتوبة على الحائط وهناك من يقف ليفعل فعلته غير آبه بالمارة ولا بالذي كتب لتنبيهه وهذا يعود الى انه قد اتى من بيئة ريفية تتعامل مع مساحات واسعة وشاسعة لا تتوفر هنا في الخرطوم لكنه لايعي ذلك ولا يفهمه ايضا، اذا ذهبت الى المطاعم والمستشفيات وغيرها من اماكن الخدمة العامة ستجدها في حال يرثى لها ولا يمكنك ان تتعامل معها لانها تعاني ممن تعامل مع ادواتها بشكل ريفي تماما. أرتال من الاوساخ وسط الخرطوم مليء بالاوساخ وخدمة صحة البيئة فيه معدومة تماما ولكنك اذا انتقلت الى الاحياء العشوائية خارجه ستظن انك عدت الى القرون الاولى، د. هشام عمر طبيب متخصص في امراض المناطق الحارة وله نشاط في حماية البيئة تحدث لـ «البيان» قائلا العاصمة القومية ارتفع عدد سكانها بنسبة تفوق 300% خلال العقدين الاخيرين وهذا الانفجار السكاني تم على مرحلتين الاولى كانت بداية الثمانينيات عندما ضرب الجفاف مناطق غرب السودان ويمكن ان تسمي ذلك النزوح بالهجرة الجماعية الاولى للعاصمة وفي ذلك التاريخ بدأ التريف التدريجي للعاصمة القومية اذ كان في السابق الشخص الذي يأتي للعاصمة ينصهر في مجتمعها المتحضر ويحاول قدر الامكان ان يجاريه في طريقة التعامل، ومكتسبا بذلك سلوكا يحافظ به على مظهره العام واحترامه للذوق في الشارع ولكن الان انقلب الوضع رأسا على عقب فبات بعض القادمين من الريف يغلظون في اظهار ريفيتهم ولا يحاولون البتة الانتقال بها الى مربع وسط يحافظ على العادات الجيدة الموجودة في الريف ويأخذون التعامل الراقي الموجود في المدينة واعتقد ان هذا مرده لبعض انصاف المثقفين وهم طلاب الجامعات الذين بدأوا في الثمانينيات الحرب على ما كل هو مدني بدعوى الاعتزاز بالعنصر واحترام تقاليد الاهل مما جعل الشخص الذي يحاول ان يبدو في سلوكه الى ناحية التحضر هو مقلد «لناس المدينة» اذن هو منبوذ وغير جدير بالاحترام، هذا اضافة الى الهجرات الجماعية التي تمت خلال العشر سنوات الاخيرة خاصة عقب انتهاج الحكومة الحالية لسياسات التحرير الاقتصادي والتي اثرت سلبا على الانتاج الريفي من زراعة المرعى الى غيرها من الانشطة التي يعتمد عليها اهل الريف فأصبح القادمون اكثر من سكان العاصمة مما جعل التأثير يكون عكسيا فالان كثير من العادات الريفية قد انتقلت الى العاصمة والاهتمام بالمظهر ايضا سواء كان مظهر الانسان نفسه او مظهر الشارع بشكل عام لم يعد موجودا حيث تراكمت الاوساخ في الصحراء مما نتج عنه تفاعلات تمثلت في افراز الديدان والبكتيريا وتكاثر الذباب الناقل لامراض خطيرة وعرفت الخرطوم الباعوض الناقل للملاريا وكل هذا يتهدد الكبار والصغار خاصة ان كل ذلك ناجم من فرط الزحام وحول العاصمة الى مرتع لمختلف الامراض. الحل الحديث لدكتور بابكر عبدالرحمن الشيخ مدير المركز القومي للدراسات السكانية لا يمكن للدولة ان تصدر تشريعا تجعل بموجبه العاصمة منطقة مغلقة ولكن يمكن ان تحاول الدولة ان تجعل الهجرة عكسية خاصة وان الخرطوم لم تعد جاذبة كما كانت في السابق فخدماتها من صحة وتعاليم ومياه وكهرباء وصحة بيئة ما عادت تختلف عن الريف في شيء لانها تدفن وبشكل كبير جدا فابنية المدارس مزدحمة ولا يتوفر فيها الاستاذ الكفوء، هذا في الريف والمستشفيات العامة حالها الان يغني عن الوصف، والكهرباء والمياه النظيفة تكاد تكون معدومة خاصة في المناطق التي يسكنها غالبية القادمين من الريف لانهم فقراء ولهذا على الدولة ان تخطط وبشكل استراتيجي لتطوير الخدمات في الريف وتوفر هناك خدمات مجانية من تعليم وصحة وخلافه وتجعله جاذبا لانه هو مكان الانتاج الحقيقي والمعادلة الاقتصادية تبدأ منه فان حدث هذا ننعم بريف جميل وعاصمة جميلة.